جونسون يستقيل ويبقى للخريف

  • 08-07-2022

بعد ثلاث سنوات مضطربة في السلطة تميّزت بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي «بريكست» وأزمة «كورونا» وفضائح أخلاقية، وبعد ضغوط جبارة واستقالات طالت نحو 59 وزيراً ونائباً ومسؤولاً بفريقه الحكومي، قدّم رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون استقالته من زعامة حزب المحافظين، داعياً إلى اختيار زعيم جديد سريعاً، لكنه أوضح أنه ينوي الاستمرار في منصبه رئيساً للحكومة حتى الخريف إلى أن يتم انتخاب خليفة له.

وفي كلمة وجهها إلى مواطنيه من أمام مقر الحكومة في «10 داونينغ ستريت»، أمس ، أعلن جونسون (58 عاماً) أنه «حزين لترك أفضل وظيفة في العالم»، معدداً إنجازات حكومته من «بريكست» إلى مواجهة روسيا.

وأقرّ جونسون بأنه لم يعد بإمكانه الاستمرار في منصبه بسبب تنامي المعارضة ضده من جانب نواب حزبه في مجلس العموم، معتبراً أنه «لا يوجد شخص بإمكانه البقاء في منصبه للأبد، لذلك ينبغي أن يكون هناك زعيم جديد وبالتالي رئيس وزراء جديد».

وأضاف: «اتفقت مع السير غراهام برادي، رئيس مجلس النواب على أن عملية اختيار ذلك الزعيم الجديد يجب أن تبدأ الآن، وسيتم الإعلان عن الجدول الزمني الأسبوع المقبل»، مشيراً إلى أنه قام «بتعيين حكومة قائمة بالأعمال وسأواصل عملي لحين انتخاب زعيم جديد».

وذكرت شبكة BBC الإخبارية ووسائل إعلام أخرى، أن انتخابات حزب المحافظين ستجرى خلال الصيف وسيحل الفائز محل جونسون في المؤتمر السنوي للحزب أوائل أكتوبر.

ومع ذلك، يُشدّد منتقدون على أنه لا ينبغي السماح لجونسون بالبقاء كرئيس وزراء انتقالي للخريف ويجب عزله من منصبه في أقرب وقت ممكن.

وقال كير ستارمر زعيم حزب العمال المعارض إنه سيدعو إلى تصويت على الثقة في البرلمان إذا لم يتحرك حزب المحافظين للإطاحة بجونسون على الفور. وأضاف «لا نستطيع الاستمرار مع رئيس وزراء يتشبث بالسلطة لأشهر وأشهر».

الهدوء والوحدة

ودعت وزيرة الخارجية البريطانية ليز تراس إلى «الهدوء والوحدة». وكتبت في تغريدة من بالي حيث من المتوقع أن تشارك في اجتماع وزاري لمجموعة العشرين: «اتخذ رئيس الوزراء القرار الصائب. حققت الحكومة تحت قيادة بوريس العديد من الإنجازات - إنجاز بريكست واللقاحات ودعم أوكرانيا. نحن الآن بحاجة للهدوء والوحدة ومواصلة الحكم حتى إيجاد زعيم جديد».

من المرشحين؟

ووفقاً لموقع «بلومبرغ»، فإن المرشح الأبرز لخلافة جونسون في منصب رئاسة حزب المحافظين، بالتالي لمنصب رئاسة وزراء البلاد، هي وزيرة التجارة بيني موردانت.

وتمتلك موردانت صيتاً كبيراً داخل حزب المحافظين، ولعبت دوراً محورياً في عملية الخروج من الاتحاد الأوروبي «بريكست»، كما تمتلك شخصية قوية وقيادية. والمرشح الثاني للمنصب، هو وزير المالية «مستشار الخزانة» المستقيل حديثاً، ريشي سوناك. الشاب البريطاني ذو الأصول الهندية يمتلك شعبية جيدة داخل الحزب، ولديه حضور قوي بين طبقة الشباب.

ووفقا لترشيحات محطة سكاي نيوز، فإن 3 عناصر من الحكومة يأتون في المراكز التالية لخلافة جونسون، خلف كل من موردانت وسوناك، وقد يتم تفضيلهم بالاختيار.

هؤلاء الثلاثة هم وزير الدفاع بن والاس، الذي أظهر استطلاع رأي أمس أنه الأوفر حظاً بين الجميع، ووزيرة الخارجية ليز تروس، ووزير الصحة المستقيل حديثاً، ساجد جاويد.

أما الترشيحات في المركزين 6 و7، وهما من المستبعد جداً اختيارهما، وزير المالية الجديد ذو الأصول العراقية ناظم الزهاوي ووزير الخارجية السابق جيريمي هانت.

وسيستمر جونسون بمنصبه رئيسا للوزراء حتى انتهاء انتخابات حزب المحافظين، عندها سيعلن عن تعيين الفائز برئاسة الحزب رئيساً لوزراء البلاد، ويتوقع أن يتم ذلك في أكتوبر المقبل.

كان جونسون رفض دعوات مجلس وزرائه للتنحي في أعقاب فضائح أخلاقية، لكنه استسلم بعد أن استقال 59 وزيراً ونائباً، من بينهم وزير الدولة لشؤون أيرلندا الشمالية، براندون لويس، فضلاً عن وزيرة في «الخزانة» هيلين واتلي، ووزير الدولة لشؤون الأمن والحدود داميان هيندز ووزيرة التربية ميشيل دونيلان التي كتبت في رسالة إلى جونسون «وضعتنا في موقف مستحيل».

وكانت سلسلة الاستقالات بدأت مساء الثلاثاء مع إعلان وزيري الصحة، ساجد جاويد، والمالية ريشي سوناك، استقالتيهما من دون إنذار مسبق وتلاهما أعضاء في الحكومة يتولون مناصب أقل اهمية، احتجاجا على الفضائح التي تحيط بأداء رئيس الوزراء.

سلسلة فضائح

وتعرض «ساكن داونينع ستريت» لانتقادات شديدة من «لجنة الاتصال»، حيث استجوبه كبار السياسيين بشأن سلوكه السابق، ودوافعه وبعض الفضائح التي شكلت جزءا كبيرا من فترة ولايته، وهزت أركان حكومته، حتى بدأت بالتداعي.

وكان جونسون، الرجل الخمسيني، وصل إلى السلطة قبل نحو 3 سنوات، ووعد بتحقيق انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وإنقاذها من المشاحنات المريرة التي أعقبت الاستفتاء على خروجها من التكتل عام 2016.

ومنذ ذلك الحين، دعم بعض المحافظين بحماس الصحافي السابق ورئيس بلدية لندن بينما أيده آخرون، رغم وجود بعض التحفظات، لأنه كان قادراً على استمالة قطاعات من الناخبين الذين كانوا يرفضون حزبهم عادة. ثم تأكد ذلك لاحقاً في انتخابات ديسمبر 2019.

لكن نهج إدارته القتالي والفوضوي في كثير من الأحيان وسلسلة من الفضائح استنفدت رضا العديد من نوابه، دفعت العديد من المؤيدين للتخلي عنه.

وأظهرت أحدث الاستطلاعات أنه لم يعد يحظى بشعبية.

5 فضائح لاحقت بوريس... أشهرها «بارتي غيت»

تخلّلت رئاسة بوريس جونسون للوزراء 5 فضائح رئيسية، إلا أن الخامسة والأخيرة، يبدو أنها هي التي أطاحت بمسيرته السياسية:

1 كامينغز

الفضيحة الأولى، كانت «فضيحة كامينغز»، وهي سلسلة من الأحداث التي كان بطلها كبير مستشاري جونسون، والاستراتيجي السياسي، دومينيك كامينغز، الذي قام بـ «رحلة واحدة على الأقل» مع عائلته، خلال جائحة «كورونا»، من لندن إلى مقاطعة دورهام، بعد بداية الإغلاق العام في مارس 2020، ما طرح أسئلة حول سلوك كامينغز وزوجته، خاصة أن جميع الرحلات كانت ممنوعة أثناء الإغلاق.

وأشارت حينها استطلاعات الرأي إلى أن الفضيحة تسببت في انخفاض دعم حزب المحافظين، ومعه انخفضت الثقة في استجابة الحكومة البريطانية بقيادة جونسون للوباء.

2 تجديد شقة

الفضيحة الثانية، تمويل تجديد شقة، كانت المقر الرسمي لوزير الخزانة، وأصبحت موضوع جدل عام 2021، عندما وردت ادعاءات في الصحافة حول ما إذا كان قد تم استخدام قرض لم يتم الإفصاح عنه في البداية للمساعدة في تمويل التجديد. ووجد تحقيق أجرته لجنة الانتخابات أن «المحافظين» لم يبلغ بدقة عن التبرعات للحزب، وفرضت غرامة على الحزب قدرها 17800 جنيه إسترليني.

3 عقود «كورونا»

الفضيحة الثالثة، استجابة لوباء «كورونا»، قررت الحكومة البريطانية في مارس 2020، إبرام عقود وتوظيف عدد من الأفراد، في وقت كان فيه نقص معدات الحماية الشخصية هو القضية السياسية الخاصة لوزارة جونسون الثانية، ما أدى إلى منح عدد من العقود من دون إجراء مناقصات تنافسية.

وسرعان ما تم منح عقود لأصدقاء الشخصيات السياسية والأشخاص الذين قدموا تبرعات سياسية، وتم توجيه اتهامات بالمحسوبية ضد الحكومة. ومنحت إحدى الشركات التي يعمل بها مستشارا عقدا بقيمة 133 مليون جنيه من وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية لإنتاج مجموعات اختبار أثناء الجائحة من دون منح أي شركات أخرى الفرصة لتقديم عطاءات.

4 «بارتي غيت»

الفضيحة الرابعة، «بارتي غيت» وهي الفضيحة السياسية الأوسع انتشاراً، ووقعت أحداثها خلال الجائحة عندما حصلت تجمعات في منزل رئيس الوزراء، ما جذب الاهتمام من جانب وسائل الإعلام، وفي أواخر يناير الماضي، تم التحقيق في 12 تجمعاً بما في ذلك 3 على الأقل حضرها جونسون شخصياً، وأصدرت الشرطة 126 إخطارا بعقوبة ثابتة إلى 83 فردا، بما في ذلك إشعار لكل من جونسون وزوجته، ووزير الخزانة، ريشي سوناك، الذين اعتذروا جميعا ودفعوا الغرامات.

5 تحرش

أما الفضيحة الخامسة، التي ربما تكون بالفعل القشة التي قصمت ظهر البعير، فتتعلق بسوء السلوك الجنسي لنائب رئيس حزب المحافظين السابق، الذي أثبتت الوقائع أن جونسون كان على علم بالتقارير عن وقائع تحرشه الجنسي، ورغم ذلك، عيّنه في منصب نائب منسق الجناح البرلماني المحافظ، ونفى لاحقا معرفته بتلك الوقائع.

آلية اختيار بديل

بعد تقديم جونسون استقالته من رئاسة الحكومة، تبدأ عملية البحث عن زعيم جديد وفق آلية اختيار محدّدة.

- يتعين أن يرشح اثنان من أعضاء البرلمان عن حزب المحافظين أي شخص يتقدّم للمنصب، وقد يكون عدد المتقدمين كبيرا.

- يجري النواب المحافظون بعد ذلك جولات تصويت عدة لخفض عدد المرشحين. وفي كل مرة يُطلب منهم التصويت بشكل سري لمصلحة مرشحهم المفضل، ويتم استبعاد مَن يحصل على أقل الأصوات.

- تتكرر هذه العملية إلى أن يصل عدد المتنافسين إلى 2.

وكان التصويت في السابق يجري في أيام الثلاثاء والخميس. لكن من المقرر أن يبدأ البرلمان العطلة الصيفية التي تستمر 6 أسابيع في 21 الجاري، لذا قد يتعيّن تسريع العملية.

- يجري بعد ذلك تصويت بالبريد على المرشحين الاثنين الأخيرين، ويشمل جميع أعضاء حزب المحافظين، ويعيّن الفائز رئيسا للوزراء.

- زعيم الحزب صاحب أكبر عدد من الأعضاء في مجلس العموم هو رئيس الوزراء الفعلي. ولا يتعيّن عليه الدعوة إلى انتخابات مبكرة، لكن يحق له ذلك.

يمكن أن تختلف الفترة الزمنية لاختيار رئيس الوزراء اعتمادا على عدد المتقدمين للمنصب.

روسيا شامتةً: أصدقاء أوكرانيا يرحلون

تفاعلت روسيا مع استقالة جونسون بفرح وسخرية. وكتب نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف على تلغرام: «أفضل أصدقاء أوكرانيا يغادرون. النصر في خطر».

وأضاف أن استقالة جونسون كانت «نتيجة مستحقة للوقاحة البريطانية. خاصة على الصعيد الدولي».

وتجدر الإشارة إلى أن جونسون من أشد الداعمين المتحمسين للحكومة الأوكرانية في صمودها ضد الغزو الروسي المستمر.

وأضاف ميدفيديف أن المزيد من حلفاء أوكرانيا ربما يذهبون. وكتب: «ننتظر أخباراً من ألمانيا وبولندا ودول البلطيق»، رغم أن حكومات هذه الدول لا تواجه خطر انهيار وشيك.

ونقلت وكالة إنترفاكس الروسية عن المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف القول: «فيما يتعلق برحيل جونسون، لا نروق له ولا يروق لنا أيضاً». كما أعرب عن أمله في أن يتولى «أشخاص أكثر احترافاً» السلطة في بريطانيا، يتفهمون أيضا الحاجة إلى الحوار. وأضاف: «لكن في الوقت الراهن، يبدو ذلك مستبعداً».

ورغم أن جونسون شدد خلال خطبة الاستقالة أمام 10 داوننغ ستريت أمس ، على أن السياسة البريطانية تجاه أوكرانيا ثابتة، قدمت صحيفة التلغراف البريطانية توقعات مخيبة للآمال بالنسبة لكييف​​.

وأشارت الصحيفة، إلى أن «رحيل جونسون من رئاسة الوزراء لن يضع حداً ليس فقط لمسيرته السياسية، وإنما قد يهز موقف ​لندن​ بشأن القضية الأوكرانية. فعلى الرغم من أن الدعم الذي كان جونسون يتلقاه من وزير دفاعه، بن والاس، ووزيرة خارجيته، ليز تروس، يشير إلى أن لندن ستستمر في لعب دور بارز بالأزمة الأوكرانية​، حتى من دون قيادة رئيس الوزراء الحالي، إلا أن خليفة جونسون قد لا يكون لديه مثل هذه النزعة لتحمّل المخاطر، أو الاستعداد لفعل كل ما هو ممكن من أجل كييف».