إعادة تقييم الميزانية تدشّن التحديات الجادة للحكومة الجديدة

تقدم الميزانية العامة للدولة، في نسختها التي أقرتها لجنة الميزانيات بمجلس الأمة، نموذجاً جديداً على صعوبة تحقيق الإصلاح الاقتصادي وسط البيئة السياسية المتردية، علاوة على عدم الاستفادة من الدروس الكثيرة التي قدمتها سنوات انخفاض أسعار النفط والعجوزات المليارية التي دفعت الكويت، وهي إحدى أغنى دول العالم، إلى «تدبير» رواتب الموظفين شهراً بشهر.

فما أعلنه رئيس لجنة الميزانيات البرلمانية - بالتوافق مع الحكومة - عن زيادة الميزانية العامة للدولة للسنة المالية 2022 - 2023 إلى 23.1 مليار دينار بنمو 5.24 في المئة عن التقديرات التي قدمتها الحكومة لنفس الميزانية في شهر يناير الماضي؛ يعني بالدرجة الأولى توافقاً على كسر سقف الإنفاق العام، الذي تعهد به وزير المالية عند 22 ملياراً «الميزانية المقترحة 21.9 ملياراً فصارت الميزانية المقترحة للتصويت، والتي قد تمرر للعام الثاني على التوالي بلا مناقشة ألغت خفض المصروفات فيها من -4.8 في المئة» إلى زيادة في المصروفات مقارنة بميزانية السنة المالية 2021 - 2022 بـ 0.2 في المئة، متجاوزة سقف الإنفاق المفترض أن يكون خطاً أحمر للدولة بـ 5 في المئة.

ليس ملياراً أو مليارين

مشكلة المالية العامة في الكويت لا تتعلق فقط بصرف أو توفير مليار أو ملياري دينار من ميزانية الدولة في سنة ما، ولا حتى بانعدام قدرة المالية العامة في ضبط المصروفات، الذي يمكن اعتباره مفتاح الإصلاح المالي في البلاد، إنما في قدرة النظام السياسي - الاقتصادي على تقويض أي اجتهاد طيب، ولو كان في نطاق ضيق كاجتهاد وزير المالية الحالي عند تقديم مشروع قانون الميزانية مطلع هذا العام، الذي شهد أول خفض في الإنفاق منذ عام 2014 لتعود متجاوزة بقليل قيمة الإنفاق العام للسنة المالية السابقة.

حصافة وتدقيق ومخاوف

الملاحظات على ميزانية الدولة عديدة، لكن أبرزها هي ضعف، وربما انعدام الحصافة، وتبدأ من تركّز إنفاقها على البنود الجارية «الاستهلاكية» كالرواتب والدعوم بنسبة 75 في المئة من المصروفات، إلى عدم التدقيق بالمصروفات الغامضة والبنود السرية والهدر على مناحٍ يفترض أنها سهلة الترشيد، وصولاً إلى الانفصال عما يقلق العالم من مخاوف تتعلق بالركود وأثره على الطلب العالمي على النفط، الذي يشكل 91 في المئة من إيرادات الميزانية، إذ تشير آخر توقعات نشرتها مجموعة «سيتي غروب» المصرفية قبل يومين إلى أنه في حال حدوث ركود معوّق للطلب على النفط؛ فسيفضي إلى تراجع أسعار النفط عالمياً إلى 65 دولاراً للبرميل بنهاية هذا العام، وإلى 45 دولاراً بنهاية عام 2023 فيما توقع «بنك أوف أميركا» قبل أسبوع أن الركود من شأنه تراجع استهلاك الوقود، ويمكن أن تنخفض أسعار النفط بأكثر من %30 من المستويات الحالية أي إلى 70 دولاراً للبرميل.

تشاؤم وتحوط

ومع هذه النظرة التشاؤمية تجاه أسعار النفط في المستقبل القريب المصحوبة بتحرك كبار المستهلكين كالولايات المتحدة وأوروبا للضغط نحو زيادة الإنتاج على المنتجين الخليجيين، بما يدعم انخفاضاً أكبر لسعر البرميل، اتفقت السلطتان التشريعية والنتفيذية على رفع سعر التعادل في الميزانية من 65 دولاراً للبرميل إلى 79 مع الأخذ بعين الاعتبار استمرار وقف استقطاع نسبة الـ 10 في المئة من الإيرادات النفطية لمصلحة صندوق احتياطي الأجيال القادمة للعام الثاني على التوالي، مما يستبعد حتى الفكرة التحوطية التي قامت عليها الميزانية في الكويت منذ سنوات طويلة، مع التأكيد أن استمرار التضخم العالمي حتى مع ارتفاع أسعار النفط ربما يعني زيادة في الإنفاق العام يتطلب رفعاً أكبر للميزانية خلال الفترة الماضية، كما فعلت هذا الأسبوع الإمارات عندما ضاعفت الدعم الموجه لـ «برنامج الدعم الاجتماعي لمحدودي الدخل» إلى 7 مليارات دولار، والسعودية التي خصصت 5 مليارات لمواجهة تداعيات ارتفاع الأسعار عالمياً.

ويبين ذلك أن مالية دول الخليج بما فيها الكويت ستظل تحت وطأة الضغوطات حتى مع ارتفاع أسعار النفط الأمر الذي يتطلب إدارة حصيفة للمصروفات تتقيد في حدودها الدنيا بسقف للإنفاق لا يمكن تجاوزه قبل البدء بالمعالجات الاقتصادية والمالية الأشمل، وهو ما لم تتمكن الإدارة العامة «التنفيذية والتشريعية « من تحقيقه.

ضآلة «غير النفطية»

وكالعادة تظل مسألة ضآلة الإيرادات غير النفطية إلى 9 في المئة من إجمالي الإيرادات العامة وصمة إخفاق في سجل الاقتصاد الكويتي، لأنها تعبر عن محدودية النشاط الاقتصادي في البلاد وقدرته على تمويل ميزانية تستهلك ثلاثة أرباع إنفاقها على مصروفات جارية، كالرواتب والدعومات، بل حتى الإنفاق الرأسمالي على المشاريع والمناقصات لا يحقق عوائده المرجوة على الاقتصاد، مع أن دروس انخفاض أسعار النفط منذ عام 2014 إلى أزمة كورونا وما صاحبهما من نفاد للاحتياطي العام والعجوزات المليارية وشح سيولة المالية العامة كلها دروس تدعم ترشيد المصروفات وتنويع الإيرادات، لكن لا استفادة عملية من الدروس وسط مزايدة حكومية نيابية على من يرفع قيمة الإنفاق العام بغض النظر عن استدامة الإيرادات أو جودتها.

جدية وجديدة

ربما تكون الكويت أمام حكومة جديدة خلال الأيام المقبلة، وتعريف الجديدة أو حتى الجدية لا يرتبط بكل تأكيد بالأشخاص إنما بالنهج، وهذا النهج لا ينحصر فقط في شقه السياسي، بل أيضاً في مشروعه الاقتصادي الذي يمكن أن يتبلور في إعادة تقييم مصروفات مشروع الميزانية العامة للدولة للسنة المالية 2022 - 2023 حتى لو تطلب الأمر إرجاء إقرار الميزانية إلى دور الانعقاد المقبل أو بعد الانتخابات المرتقبة، فثمة ضرورة لإعادة التقيد بسقف الإنفاق وتوجيه الدعومات لمستحقيها «مواطنين أو شركات» ناهيك عن وضع خطط تصاعدية لإصلاح سوق العمل وتنمية الإيرادات غير النفطية، وهذه في الحقيقة اختبارات للجدية لم تنجح فيها أي حكومات كويتية اعتمدت على محاصصة الجينات والولاءات ربما منذ تحرير الكويت إلى اليوم، مما يتطلب تغيير آليات اختيار الوزراء كخطوة أولى نحو المعالجة.

* محمد البغلي