ثورة الهيدروجين الأخضر القادمة

  • 29-06-2022

إن التغير المناخي نتيجة للنشاط البشري يتسبب في مشاكل بيئية خطيرة وواسعة النطاق ويؤثر على حياة مليارات الأشخاص حول العالم، وطبقاً للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، فإن العالم يواجه مخاطر مناخية لا يمكن تجنبها خلال العقدين القادمين ولكن مع بلوغ المتوسط السنوي لانبعاثات غازات الدفيئة العالمية أعلى مستوياتها في تاريخ البشرية بين عامي 2010 و 2019، فإننا ببساطة لا نفعل ما يكفي للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري بحيث لا يزيد على 1.5 درجة مئوية.

فتقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ والذي تم إصداره في أبريل أوصى بإن يخفّض العالم بشكل سريع العرض والطلب المتعلق بالوقود الأحفوري من الآن حتى سنة 2050 على النحو التالي، بنسبة 95% للفحم و60% للنفط و45% للغاز الطبيعي ولكن كيف يمكن تحقيق مثل تلك الأهداف الطموحة؟

الجواب هو بالتحول الى الهيدروجين الأخضر والذي يمكن انتاجه من جميع أشكال الطاقة المتجددة بما في ذلك الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة المائية والحرارة الجوفية، وإن الهيدروجين الأخضر هو عبارة عن وقود عديم الانبعاثات علماً أنه عندما يتم إنتاجه عن طريق التحليل الكهربائي فإن «الانبعاث» الوحيد هو الماء، وهو حل عملي وقابل للتنفيذ فمن خلال إضفاء الطابع الديموقراطي على الطاقة وإزالة الكربون من الصناعات الثقيلة وخلق فرص عمل على مستوى العالم، فإن من شأن ذلك أن يساعد في إحداث ثورة في الطريقة التي من خلالها نعمل على امداد كوكبنا بالطاقة.

يمكن أن يؤدي تسريع التحول للطاقة الخضراء إلى تغيير جذري في المشهد الجيوسياسي لأن البلدان لن تكون قوية بعد الان فقط بسبب الوقود الأحفوري الذي تنتجه. لقد زودّت روسيا في عام 2021 34٪ في ألمانيا من النفط الخام و53٪ من الفحم الصلب المستخدم في مولدات الطاقة وصناعة الفولاذ هناك، فكان الغاز الطبيعي الروسي عبر الأنابيب أكبر مصدر لواردات الغاز في ألمانيا في ديسمبر 2021 حيث شكل 32٪ من الإمدادات، ومنذ أن شن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حربه المرّوعة الظالمة في أوكرانيا في فبراير، كانت صادرات الوقود الأحفوري إلى أوروبا تدر على روسيا ما يقرب من مليار دولار في اليوم.

لكن منذ بداية الغزو في فبراير، تحركت دول الاتحاد الأوروبي على وجه الخصوص بسرعة من أجل تخفيض اعتمادها على روسيا في مجال الطاقة حيث اتفقت مؤخراً على منع جميع واردات النفط الروسية عن طريق البحر، وإن تلك العقوبات الجديدة ضد آلة حرب بوتين قد تخفّض كمية النفط التي يشتريها الاتحاد الأوروبي من روسيا بنسبة 90% هذا العام، لقد أعلنت الولايات المتحدة الأميركية حظراً كاملاً على ورادات النفط والغاز والفحم الروسية بينما تتخلص المملكة المتحدة تدريجياً من النفط الروسي بنهاية سنة 2022.

إن تلك السياسات قد أدت الى زيادة كبيرة بأسعار الوقود ولكن الأسعار التي ارتفعت بشكل حاد قد سلطت الضوء كذلك على فرصة خفض تكاليف الطاقة وذلك من خلال الاستثمار في الطاقة المتجددة وإنتاج الهيدروجين الأخضر.

وإن الأبحاث الجديدة تشير الى أن الهيدروجين الأخضر سيكون منافساَ للوقود الأحفوري خلال العقد القادم، وإن من المتوقع أن تنخفض تكلفة الهيدروجين الأخضر بشكل كبير بحلول سنة 2025 بحيث تصل الى دولار واحد للكيلو غرام بحلول سنة 2030 في أماكن مواتية مثل أستراليا، وللمقارنة فإن الهيدروجين الرمادي، المصنوع باستخدام الغاز الطبيعي المسال الملوث، يكلف حاليا نحو دولارين للكيلوغرام.

يدعو البعض لاستخدام الغاز الطبيعي المسال من أجل حل ازمة أمن الطاقة الحالية ولكن «الغاز الطبيعي» يحتوي على الميثان حيث تشير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ الى أنه يجب علينا تقليل استخدام الغاز الطبيعي بنسبة 45٪ تقريبا بحلول عام 2050 وهذا يعني إن إضافة المزيد إلى مزيج الطاقة الآن سيكون خطأً كارثيا.

وعليه، يوجد الآن سباق عالمي من أجل الطاقة الخضراء وخاصة الهيدروجين الأخضر، وإن عشرات البلدان التي لديها موارد طاقة متجددة وفيرة يمكنها تطوير استقلاليتها فيما يتعلق بالطاقة من خلال إنتاج الهيدروجين الأخضر على نطاق واسع كما أن مستوردي الطاقة لن يضطروا للاعتماد فقط على عدد قليل من البلدان (مثل روسيا) والتي لديها ثروة طبيعية من الوقود الأحفوري.

لقد أشارت الوكالة الدولية للطاقة المتجددة في تقرير حديث أن الهيدروجين (الأخضر) يمكنه أن يعزز أمن الطاقة من خلال ثلاث طرق رئيسة: تقليل الاعتماد على الواردات وتخفيف تقلب الأسعار وتعزيز مرونة وصلابة أنظمة الطاقة من خلال التنويع، ومع تحسن التقنيات ستنخفض تكلفة الهيدروجين الأخضر مما يعني أنه يجب علينا أن نفعل كل ما في وسعنا لتسريع هذه العملية.

تستثمر شركات مثل فورتسكيو، حيث أعمل كعضو في مجلس الإدارة بشكل كبير في الهيدروجين الأخضر، وستساعد في استبدال الوقود الاحفوري الروسي بالطاقة الخضراء، لقد أعلنت فورتسكيو مؤخراً اتفاقية مع أكبر موزع للطاقة في ألمانيا لإمداد أوروبا بخمسة ملايين طن من الهيدروجين الأخضر سنوياً بحلول سنة 2030 وهو ما يعادل ثلث القيمة الحرارية للطاقة التي تستوردها ألمانيا حالياً من روسيا.

ولكن في حين أن التغييرات السريعة في الطاقة والمشهد الجيوسياسي توفر فرصة واضحة لمعالجة أزمات الطاقة والمناخ في وقت واحد من خلال الاستثمار في الطاقة الخضراء فإن هناك شعورا واضحا بالظلم عندما تدّعي البلدان المتقدمة أن الاقتصادات النامية منخفضة الانبعاثات نسبيا بحاجة إلى انهاء استخدامها للوقود الأحفوري، فلماذا يجب أن تخاطر تلك الدول بإبطاء نموها لمعالجة مشكلة لم يتسببوا فيها بالمقام الأول؟

إن هذا سؤال وجيه حيث سيحتاج صانعو السياسات إلى مراعاة مصالح البلدان النامية أثناء التحول الأخضر وتعزيز التمويل والحوافز لها للانتقال إلى الطاقة النظيفة كأساس للتصنيع.

إن من الواضح ان العالم يقف اليوم على مفترق طرق، حيث يمكننا أن نبقى متجهين نحو مستقبل مكلف وملوث وغير فعال بشكل بشع مما يساهم فقط في تمكين عدد قليل من البلدان الغنية بالوقود الأحفوري، وبدلاً من ذلك، يمكننا اختيار ثورة خضراء لطاقة منخفضة التكلفة للجميع ومما يحافظ على مستقبلنا آمنا من التلوث والاحتباس الحراري والقادة السلطويين، ونظراً لأن الطاقة الخضراء لديها القدرة على إضفاء الطابع الديموقراطي على الإمدادات العالمية في حين تحقق المزيد من الدول استقلاليتها في مجال الطاقة، فإن الخيار ليس صعباً.

* عضوة غير تنفيذية في مجلس إدارة مجموعة فورتسكيو للمعادن.

* جان بادرشنايدر

Project Syndicate