الكراسي المتحركة

  • 11-05-2022

كلنا يتذكر ويعرف أن للأطفال - ضمن الألعاب الشعبية - لعبةً تسمى "الكراسي المتحركة"، وهذه اللعبة تعتمد على تقليص عدد الكراسي في وقت يزيد عدد اللاعبين المشاركين من الأطفال على عدد الكراسي المتاحة، ومَن يتمكّن من الأطفال باستخدام الذكاء أو الحيلة أو القوة أو التزاحم، أو أي طريقة من الطرق، من تأمين كرسيه، هو الذي يستمر بشغله ويستطيع بذلك أن يُخرج غيره من الكرسي ليستمر في اللعبة.

وهذه اللعبة تذكرني هذه الأيام بما نراه على الساحة السياسية من لعبة الكراسي التي بدأت تتطاير، وربما الغرور بحيازتها يولّد هيستيريا مخيفة للتحكم بالدولة، وكلنا يعلم أيضاً أن كراسي العمل السياسي هي كراسي محدودة، وتتنافس عليها أعداد كبيرة تزيد على أعداد الكراسي، سواء كانت كراسي الوزراء وعددها 16، أو كراسي النواب وعددها 50، بما فيها كراسي الرؤساء، ويضاف إلى ذلك 10 كراسي لأعضاء المجلس البلدي، ويتزاحم على هذه الكراسي العديد من الأشخاص، منهم من له غاية وطنية وأهداف نبيلة ويسعى إلى تحقيق مصلحة البلد، وهم نادرون جداً بنسبة لا تتجاوز 7 في المئة في أحسن الأحوال.

أما المتزاحمون الآخرون على الكراسي فهم يسعون إلى مصالحهم الشخصية ولتحقيق مآرب ذاتية، وهدفهم للوصول إلى الكرسي ليس المصلحة العامة والحصول على المناقصات والعطايا، وغيرها من وسائل الحصول على الثراء غير المشروعة، ولذلك نجد أن الغالبية العظمى تتزاحم على الكراسي بطرق غير مشروعة يغلب عليها إما استخدام المال السياسي، أو استخدام مرافق الدولة ومؤسساتها في توظيف أقاربهم أو مفاتيحهم، أو منحهم المزايا والعديد من الفرص المخلة بمبدأ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، مثل الابتعاث للدراسة من دون منافسة، أو الحصول على وظائف بكوادر خاصة من دون منافسة أو قرعة علنية، أو الذهاب إلى العلاج بالخارج، أو الحصول على بعض الامتيازات الأخرى (مزارع أو قسائم صناعية أو قسائم للماشية أو الشاليهات)، حتى أصحاب النفوذ ممن يحتلون هذه الكراسي لسنوات طويلة فهم لا يزالون يعملون كمصّاصي الدماء، يمتصون كل ما يمكن أن تجلبه إليهم الكراسي من منافع وتحقيق مصالح خاصة، ولذلك تجد أرصدتهم في تفاقم وحساباتهم في تضخّم، وأموالهم في تزايد، وثرواتهم طاغية، ومنافعهم ومناقصاتهم وعقودهم في ازدياد، حتى بلغت ثرواتهم أرقاماً خيالية، ولو تم فحص ثرواتهم وما اشتروه من عقارات، وما تملّكوه من حسابات، وما لديهم من مشروعات، لعرفنا دون عجب واستغراب أن ثرواتهم بلغت هذا الحد، وغير ذلك، فهم أيضاً يسعون إلى الاستمرار في المنصب محاولةً لبسط نفوذهم وتمدد دولتهم العميقة التي أقاموها داخل الدولة، وهم مَن يتحكم في القرار ويوجهه، أو يتآمر على القرار أو يعطله ويعطل المؤسسات، وكل هذا لتحقيق مصلحتهم الذاتية.

فلعبة الكراسي التي نحن أمامها ونعيش في كنفها المخزي منذ عام 1981 حينما تم العبث بالدوائر الانتخابية، سببها ومأساتها هو أننا قسّمنا الدولة إلى دويلات، وأصبح لدينا استقطاب فئوي تُرجم إلى استقطاب طائفي وفئوي وعائلي ومناطقي، واستقطاب فيه تحالفات مشبوهة، إنما فقط لاقتناص الفرص على حساب الدولة وتقويض كيانها ونخر مؤسساتها، وهو ما انعكس على وضع البلد الذي تم نخر جميع مكوناته.

نحن مقبلون على لعبة كراسي جديدة، وسيخرج من خلال اللعبة القادمة بعض اللاعبين الذين كانت لهم حظوة وسطوة ودور مهم أدى إلى تخريب البلد وتأخره ونخره وإهدار دستوره ومؤسساته، فلا نأسف عليهم ولا نتحسر على خروجهم، لكننا بحاجة ملحة أكيدة إلى أن نُخرج البلد من لعبة الكراسي، حفاظاً على وحدته وقوته وتماسكه ونظامه السياسي بأسرته وشعبه ونظامه الدستوري بمجلس

محمد المقاطع