عنف الشارع... «طيش» شباب وتهاون في تطبيق القانون

«مَن أمِن العقوبة أساء الأدب»، نتيجة حتمية لغياب الرادع القانوني «السيف المصلت» على الخارجين عن القانون، لوقف تجاوزاتهم والاستهتار والرعونة المرورية، لكن في ظل الأمن من العقوبة تكون النتائج كارثية «ضرب وعنف وقتل وإصابات وضحايا ومشاجرات دموية» شهدتها شوارع الكويت في الفترة الأخيرة بشكل مخيف، وبطريقة تقشعر لها الأبدان، في حين أن «طيش الشباب» و«الشطارة» في الإفلات من عدالة القانون أصبحت السمة المميزة لتكرار وتنامي ظاهرة العنف في الشوارع.

«الجريدة» فتحت ملف «العنف المروري»، لتسلط الضوء على أسباب ارتفاع الجرائم في الشوارع، واستطلعت آراء أهل الاختصاص من القانونيين وأساتذة علم النفس والاجتماع، لوضع خريطة طريق لعلاج أزمة العنف.

في البداية، قال أستاذ القانون الجزائي بجامعة الكويت د. محمد التميمي، إن تصرفات الاستهتار والرعونة والتصرفات الطائشة بشكل عام تندرج تحت نصوص قانونية يجرّمها قانون الجزاء، وهي نصوص رادعة إلى حد ما.

وأشار التميمي إلى أن بعض التصرفات غالباً تكون متعلقة بتعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية أو "طيش" الشباب، وهو ما تنتج عنه انفعالات غير مسؤولة، مبيناً أن القانون يجرّم بصورة رادعة الجرائم الواقعة على الأفراد والنفس.

وذكر أن النصوص القانونية كافية وجامعة ومانعة لجرائم الاعتداءات وجرائم العنف التي تحدث في الطرق والشوارع، متابعاً: "بالتأكيد ظاهرة العنف تحتاج إلى العلاج. إذا كان القانون الجزائي قانونا علاجيا بعد ارتكاب الجريمة، إلا أن هناك أسبابا أخرى يجب أن يقف عليها المشرّع قبل ارتكاب الجريمة، من وسائل ضبط إداري وغيره".

وأوضح التميمي أن قانون الإجراءات الجزائية يحتوي في طياته على نصوص وقائية، خاصة المادة 26 من مواد قانون الإجراءات الجزائية، قائلاً إنها مادة جوهرية، لكن ليس لها تطبيق عملي من قبل وزير الداخلية، بحيث تمكّن المادة الوزير من الطلب من النيابة العامة ضبط من اشتهر عنه اعتياد ارتكاب جرائم الاعتداء على النفس أو الأفراد، مضيفاً أنه من خلال هذه المادة بالإمكان مكافحة الجريمة، رغم عدم وجود حكم قضائي أو إحالة إلى جهات التحقيق.

منظومة أمنية

من جهته، أكد المحامي حسين العبدالله أن هناك مجموعة من القوانين التي يتوجب على المشرّع الكويتي الإسراع في إقرارها، أولها تجريم حيازة الأسلحة البيضاء، كالسكاكين والخناجر والأدوات الحادة، لوقف العنف في الشوارع.

وأضاف العبدالله: "كما يتوجب على وزارة الداخلية أن تقوم بإعداد منظومة أمنية لمكافحة الجرائم بشكل عام، كتكثيف الدوريات في الشوارع، وتوفير الكاميرات في الساحات، وأيضا عن طريق خلق برامج متنوعة لدى الأفراد للإبلاغ عن الجرائم دون أن تكون هي الوسيلة الوحيدة للإبلاغ".

مؤشر خطير

بدورها، أوضحت المحامية نيفين معرفي أن ما يشهده المجتمع الكويتي من ارتفاع وتيرة العنف أصبح مؤشرا خطيرا في الشوارع، مشيرة إلى أن العصبية أصبحت سمة واضحة في التعامل اليومي بين الشباب، ودخلت على الخط المرأة، لأسباب تافهة، حيث "نشهد لها مشاجرات وإصابات بعاهة مستديمة، كأن تنزل من سيارتها لتتشاجر مع أخرى، بسبب سلوك على الطريق، وهو ما يعكس خطورة الموقف".

وأضافت أن "القانون غير مقصّر، فهناك من المواد التي تحدد وتجرّم تلك الظواهر والممارسات، لكن ربما مع تفاقم الأزمات الاجتماعية أو وجود روافد سلبية جديدة على مجتمعنا، وهي بطبيعة الأحوال تحتاج إلى قانون خاص بالعنف المجتمعي على غرار قانون العنف الأسري، وعدم الاكتفاء بقانون الجزاءات، الذي يُعد قديما وغير مواكب لممارسات العنف الجديدة علينا بالشوارع، وجميعها لم تكن موجودة بالسابق، وعلى القانون مواكبتها حاليا".

كاميرات مراقبة

وطالبت معرفي بوجود تنسيق بين وزارتي العدل والداخلية، من خلال وضع كاميرات مراقبة، لضبط المخالفات السلوكية والأخلاقية والقانونية، ووضع لوحات إرشادية، ليس فقط بالسرعة المقررة والاتجاهات المرورية، لكن أيضا بالقوانين العامة والمحاذير عبر التوعية القانونية.

وأعربت عن انزعاجها من الثغرات القانونية التي تساعد البعض على الإفلات من القانون، منها مثلا قاعدة "البادي أظلم"، التي لا يمكن إثباتها في بعض حالات العنف أو المشاجرات، بسبب عدم وجود كاميرات مراقبة كافية، والتي تجعل من الجاني والمجني عليه سواسية أمام القانون. فبدلا من أن يثبت المجني عليه أنه كان يدافع عن نفسه، تنطمث الأدلة، وربما يعاقب بالغرامة، ويتحول الأمر إلى تبادل شجار.

وشددت معرفي على ضرورة توفير الدولة كاميرات مراقبة بالصوت والصورة في جميع الأماكن العامة، وأخرى تتعقب الأشخاص بموافقة النيابة العامة، أسوة بالعديد من دول العالم، لسهولة ضبط أي مخالفة، لحماية الأفراد، وسهولة التعرف على هوية الجاني أو سلوكه أو تعقبه أحد الأشخاص بقصد الإضرار به، ما سيكون له أثر كبير في الحد من انتشار ظاهرة العنف، وتضييق الخناق على أصحاب النفوس الضعيفة ومرتكبي الجرائم.

الإفلات من المحاسبة

وعن علاقة العنف بالمخدرات، قال رئيس وحدة الخدمة النفسية في مركز الكويت لعلاج الإدمان د. يعقوب الشطي، إن الإدمان هو أحد أسباب انتشار العنف في الشارع، لكن "نحن لا نستطيع تحديد نسبة تسبب الإدمان في هذا العنف. هناك أسباب مختلفة لانتشار العنف، في مقدمتها عدم وجود هيبة للقانون، وشعور البعض أنه من الممكن أن يقوم بجريمته أو الاعتداء على الآخرين وينجو من المحاسبة، وهو ما قد يؤدي إلى سلوك عنيف".

وتابع الشطي: "هناك عامل آخر، وهو الضغوط التي نعانيها، فطبيعة أجوائنا الحارة في الصيف والازدحام المروري تجعل من البعض يتصرفون بسلوكيات فيها شيء من العنف"، مستطردا: "في دراسة أُجريت في 2018 و2019 أشارت إلى أن المواد الأفيونية على رأس قائمة المواد المخدرة المنتشرة، يليها المواد الجديدة، والتي يُطلق عليها الكيميكال".

وأكد أن علاج مشكلة الإدمان والعنف الناتج عنه يستوجب تضافر جهود الجهات المعنية، حيث إن "الوقاية خير من العلاج"، لذلك الوقاية من الوقوع في براثن المخدر هي الخطوة الأهم، وهذا دور وزارة التربية ووزارة الأوقاف والمساجد في الخطبة، ودور وزارة الإعلام والقائمين على الإعلام، سواء في القطاع العام أو الخاص، أن نوضح مشاكل المخدرات، وما تؤول إليه من نتائج مدمرة ووخيمة على الفرد وأسرته".

وتابع: "أما دورنا نحن في وزارة الصحة، فهو دور علاجي، وإعادة تأهيل هذا الفرد، الذي عانى اضطراب استخدام المخدرات، وتأهيله، لينخرط مرة أخرى، ليعيش في المجتمع بفاعلية وكفاءة، بعيدا عن المشاكل التي تحدث نتيجة تعاطي المواد المخدرة، وفي مقدمتها العنف بالشوارع".

كسر قوانين

من جانبها، قالت اختصاصية العلاج النفسي د. فاتن ميرزا، إن سلوكيات العنف والتهور والرعونة والانفعالية الزائدة والطيش هي سلوكيات ليست وليدة اللحظة في الشارع، بل سمة من سمات بعض الشخصيات، والتي تظهر منذ سن المراهقة، مضيفة: "نلاحظ حب هذه الشخصية لكسر قوانين المدرسة والبيت، ويبدأ هذا الاضطراب في السلوكيات مع هذه الشخصية منذ سن المراهقة، لإغفال بعض الأهل أن هذه السلوكيات قد تنم عن اضطراب نفسي".

وتابعت ميرزا: "نشخص هذا المرض باسم اضطراب الشخصية المضادة للمجتمع، وهذا الاضطراب شائع وموجود، وقد يكون هذا السلوك ناتجا عن خلل هرموني يتسبب في اندفاع زائد وتأرجح في المزاج، وقد يحتاج أيضا من الطبيب النفسي إلى بعض الأدوية لضبط هذه الانفعالات".

سلوكيات متهورة

وأردفت أن السلوكيات المتهورة قد تكون نتيجة الظروف الأسرية التي نشأ عليها الشخص، وهناك أسباب كثيرة، كالتفكك الأسري والقدوة السيئة، سواء الأم أو الأب، ومن الممكن أن يكون الدلال أو المال الزائد أو عدم تحمُّل هذا الشخص منذ الطفولة المسؤولية أو عدم إعطائه نوعا من الشعور بتقدير الذات الإيجابي، فيحاول هذا الشخص أن يفرغ شعوره بالنقص في الشارع.

وأشارت إلى أن اضطراب الشخصية المضادة للمجتمع قد يصاحبه الإدمان على المخدرات، وهذا أيضا عامل آخر مصاحب يجعل الشخص سريع الانفعال ومتهورا وغير مبالٍ في الشوارع، ومن الممكن أن يتسبب هذا الشخص في حوادث مرورية كثيرة.

وأكدت أن "الحل الأمثل، أنك لا تسمح لهذه الشخصيات بالتمادي، ولا تزد من استفزازهم، بل كُن عقلانيا، واضبط من نفسك، وحاول أن تنهي الموقف بكلمة آسف، أو لم أكن قاصدا، أو إذا تطلب الأمر فاستخدم الأساليب القانونية، باللجوء إلى الشرطة، حتى لا تسمح بتطور المشكلة بينك وبين الآخر".

● نرمين أحمد وعزة إبراهيم