الحياة السرية لنحل العسل

  • 05-12-2021

منذ العصور الوسطى، طوَّر البشر علاقة وثيقة مع نحل العسل، فأسرناها وربيناها من أجل عسلها الثمين واللذيذ. لكن بمرور الوقت بدأ نحل العسل الأسير يتفوق على نحل العسل البري الذي كان يفقد أيضاً موئله Habitat الطبيعي مع قطع الغابات التي عاش فيها. ثم في أواخر أربعينيات القرن العشرين، بدأ مربو النحل في إفريقيا يعانون تفشيا طفيليا فتاكا- هو عثة الفاروا Varroa mite- سرعان ما انتشر ليصيب خلايا النحل في أوروبا والأميركتين.

حالياً كل مستعمرات النحل التجارية في العالم تقريباً مصابة بعثة الفاروا، مما يتطلب علاجها لمنع الانهيار الكامل للمستعمرة. وبسبب الانتشار الواسع لعثة الفاروا، افترض الناس أن مستعمرات نحل العسل البري لابد أنها تعرضت أيضاً لهجوم هذا الطفيلي، وقضي عليها، واختفت من موئلها في غابات أوروبا.

لذلك عندما توجه بنیامین روتشمان Benjamin Rutschmann وباتريك كول Patrick Kohl- وكلاهما باحث دكتوراه من جامعة فورتسبورغ University of Würzburg، في ألمانيا- إلى الغابة بحثاً عن نحل العسل البري، لم يعلقا آمالا كبيرة على تلك الرحلة. علقا مغذيات اصطناعية لجذب نحل العسل في غابة هينيخ Hainich forest، شمال غرب ألمانيا، ثم تعقبا جامعات الرحيق إلى قفيرها. وخلافاً لكل التوقعات وجدا أن بعض المستعمرات البرية ما زالت موجودة في غابة الزان Beech القديمة هذه. ومن دون أن يدريا تحول مشروع مسل لعطلة نهاية الأسبوع بين صديقين إلى جهد علمي متضافر لرصد مواقع النحل ومراقبتها، بعد أن ساد الظن بأنها اختفت منذ فترة طويلة.

وجد روتشمان وكول أن النحل البري يعشش في أكثر الأحيان في تجاويف الأشجار المهجورة التي حفرها نقار الخشب الأسود (دريوكوبوس مارتيوس Dryocopus martius)، وهي من المواقع القليلة في هذه الغابات التي توفر مساحة كافية للنحل لبناء مخازن طعامه لأشهر الشتاء الطويلة.

تمكن العلماء الذين يدرسون نقار الخشب الأسود من توفير إحداثيات دقيقة لنحو 500 تجويف شجري مهجور في غابة هينيخ ومحمية سوابيان ألب تيوسفير Swabian Alb Biosphere في جنوب غرب ألمانيا.

يقول روتشمان: "نتفقد كل هذه الأشجار كل سنة. يمكننا العثور على مستعمرتين لنحل العسل يومياً، لأن نحل العسل يشغل في الصيف نحو 10 في المئة من كل تجاويف نقار الخشب هذه".

واستناداً إلى بياناتهما، قدرا أن غابات ألمانيا قد تكون موطناً لعدة آلاف من مستعمرات نحل العسل البري. ومع ذلك، فإن ذلك النحل ليس الناجي القوي لسلالة قديمة من النحل البري، إذ يرجح أن يكون من نسل أسراب هربت من خلايا نحل تجارية واستوطنت في الغابة.

يشك روتشمان في أنها تشكل مجموعات برية معمرة مكتفية ذاتياً. يقول: "يبدو الأمر صعباً جداً بالنسبة إلى ذلك النحل".

النحل في خشب الزان

إن دراسة مستعمرات نحل العسل البري بالتفصيل ليست بالمهمة السهلة. فتجاويف الأشجار قد توجد على ارتفاعات تتراوح بين 8 و80 مترا فوق الأرض، مما يعني أنه يتعين على الباحثين أن يتسلقوا الأشجار لإلقاء نظرة عليها.

للحصول على رؤية أفضل، ابتكر المصور إنغو أرندت Ingo Arndt عشاً شبه طبيعي بجذب مستعمرة قريبة إلى شجرة زان ساقطة نقلها إلى حديقته الخلفية. خلال المشروع الذي دام ستة أشهر التقط أكثر من 60.000 صورة فوتوغرافية لسلوكيات لم تُرصد سابقاً إلا في مستعمرات نحل العسل التجارية.

على سبيل المثال، خلال المراحل الأولى من بناء قرص العسل، يمكن رؤية الشغالات Workers وقد شبكت الواحدة قدمها بقدم الأخرى لتشكل سلسلة طويلة. يوضح آدم هارت Adam Hart، عالم الحشرات وأستاذ علم الاتصالات في جامعة غلوسترشاير: "غالباً ما يُشار إليها باسم نحلات التزيين Festooning bees. لقد طرح العديد من الأفكار لتفسير سبب تشكيل النحل تلك السلسلة، بما في ذلك تشكيلها سقالات للقرص النامي أو كطريقة لقياس المساحة، ولكن حالياً ما زال هذا الأمر لغزا".

تكون السلاسل عادة بعرض نحلة واحدة، لكن خلية أرندت شبه الطبيعية كشفت عن سلوكيات أكثر تعقيداً لتشكيل السلاسل.

يشرح يورغن تاوتز Jürgen Tautz الأستاذ المتقاعد في علم أحياء نحل العسل، من جامعة فورتسبورغ University of Würzburg: "عندما ينصب النحل أقراصه Combs في الفضاء ثلاثي الأبعاد داخل تجويف شجرة، يتشكل نوع من كيس من النحل الحي متشابكاً بعضه مع بعض على سقف التجويف. تبدو الشبكة مرنة جداً، وشبكاتها Meshes متماسكة بإحكام في بعض الأحيان ومتباعدة جداً في أحيان أخرى".

تبقى شبكة النحل هذه في مكانها إلى ما بعد بناء نحلات العسل قرصها، ويتوقع تاوتز أنها قد تحمي من الدخلاء، وتساعد على التحكم في الجو داخل تجويف الشجرة.

حياة قفير النحل

لتقريب الصورة أكثر، وضع د. بیرند غرونوالد Bernd Grünewald، رئيس معهد أبحاث النحل من جامعة غوته Goethe University في فرانكفورت، كاميرات فيديو داخل قرص العسل نفسه. وبقص مقطع عرضي في القرص وتغطية الخلايا المكشوفة بالزجاج، تمكن الباحثون من ملاحظة نمو الحضنة Brood داخل الخلايا على مدى أسابيع متتالية.

كشفت هذه التقنية عن رؤى فريدة للحياة داخل المستعمرة، من الشغالات التي تعيد تشكيل خلايا الحضنة بالشمع المُعاد تدويره إلى النحل المرضعات اللاتي تُطعم اليرقات عن طريق الفم و"نحلات التدفئة" التي تستخدم أجسامها للحفاظ على الظروف داخل الخلايا الملائمة تماماً لليرقات.

تتمثل وظيفة نحلات التدفئة في الحفاظ على خلايا الحضنة عند درجة حرارة ثابتة تبلغ 35 س عن طريق تسلق خلية غير مشغولة، وإدخال رأسها فيها، ونشر الحرارة من جسمها، يمكنها تسخين ما يصل إلى 70 خلية حضنة مجاورة.

يقول تاوتز: "بتنشيط عضلات الطيران الصدرية Thoracic flight muscles- وهي أقوى عضلات لديها يمكن للنحلات توليد حرارة جسم تصل إلى 44° س".

يستخدم النحل هذه المهارة في مختلف أنواع المهام، من تدفئة الخلية إلى تكثيف العسل، حتى إنه يستخدمها للدفاع عن القفير وصد المهاجمين، مثل الدبابير Hornet. يمكن أن تصل حرارة جسم نحل العسل القصوى إلى درجة أعلى قليلا من حرارة الدبابير، ويستخدم ذلك لمصلحته بتشكيل كرة دفاعية حول أي مهاجم، فتجعله يموت شيا. يقول هارت: "يهز النحل عضلات أجنحته، فيرفع درجة حرارة الكرة حتى النقطة التي تقتل معها الحرارة الدبور. إنه عمل وحشي، لكنه فعال".

المهم بالنسبة إلى النحل هو منع الدبابير من العودة إلى عشها، وأن ترشد مزيداً من المهاجمين إلى القفير. إذ يمكن لهجوم الدبابير أن يقضي على مستعمرة نحل العسل في غضون ساعات.

* د. کلیر آشر Claire Asher

كاتبة علمية حاصلة على درجة الدكتوراه في علم الوراثة والتطور والبيئة. شاركت في تأليف كتاب عالم أخضر شجاع Brave Green World (منشورات press MIT).

المصدر: مجلة مدار

سلسلة مقالات تنشر بالتنسيق مع التقدم العلمي للنشر.

تابع قراءة الموضوع عبر الموقع الإلكتروني:

www.aspdkw.com

د. كلير آشر*