د. محمد الفيلي : عمر حكومة تصريف الأعمال يتجاوز أسبوعين ولا نصوص تمنع حضورها جلسات البرلمان

  • 01-12-2021

حكومة تصريف العاجل من الأمور، هي تطبيق لفكرة استمرار الدولة والحكومة مقرونة بفكرة ‏الضرورة.

الحكومة في أي نظام سياسي من الممكن أن تستقيل، كما من الممكن أن تتم إقالتها. هذه ‏النتيجة لا تؤثر على وجود حقيقة أخرى، وهي ضرورة استمرار حياة الجماعة. وهذا الاستمرار ‏يحتاج بطبيعة الحال إلى وجود حكومة تُشرف على استمرار المصالح العامة في إشباع الحاجات ‏العامة، ووجوب حماية النظام العام، وهذان العنصران هما مبرر وجود الحكومات. إما أن نعيّن ‏حكومة جديدة لإدارة المرحلة الانتقالية بين نهاية عُمر الحكومة السابقة وبداية عمل الحكومة ‏الجديدة، أو أن نكلف الحكومة السابقة إدارة الأعمال لحين تعيين الحكومة الجديدة. الحل الأخير ‏أكثر واقعية، لذلك أخذت به أكثر الدساتير المقارنة، ومنها الدستور الكويتي في المادة 103، وهي تقرر: «إذا تخلَّى رئيس مجلس الوزراء أو الوزير عن منصبه لأي سبب من الأسباب يستمر ‏في تصريف العاجل من شؤون منصبه لحين تعيين خلفه».

ونلاحظ في هذا الصدد، أن حكم المادتين 101 و102 ومتطلبات واقع النظام البرلماني يقودنا للقول إن خروج الوزير من ‏الوزارة نتيجة سحب الثقة منه لا يستقيم مع استمراره في تصريف العاجل من الأمور، ذلك أن ‏مجلس الوزراء يملك تكليف وزير آخر ضمن أعضاء الحكومة تصريف أمور الوزارة. أما ‏نهاية ولاية رئيس مجلس الوزراء، فهي تقود بحكم اللزوم لوجوب تطبيق أحكام المادة 103 من ‏الدستور. ‏

حكومة تصريف العاجل من الأمور هي ابتداء حكومة، وهذا يعني أنها تتولى الاختصاصات ‏المنوطة بالحكومة، غير أن ربط وجودها بالعاجل من الأمور يقود إلى تقليص اختصاصاتها، ‏ربطاً بما هو من «العاجل من الأمور»، ما هو نطاق العاجل من الأمور؟ وإلى متى تظل باقية ‏لتصريف العاجل من الأمور؟ هل هناك ميعاد لا يجوز لها أن تتجاوزه؟

أولاً: اختصاصاتها: في الدساتير المقارنة يستخدم تعبير «العاجل من الأمور»، ويستخدم تعبير ‏‏»الأمور المعتادة أو الدارجة» أيضاً، فهل من أثر لذلك من حيث نطاق الاختصاص؟

لم أجد ‏إشارة في الأعمال التحضيرية للدستور تساعد في التفرقة بين المصطلحين من حيث النطاق، لكن أظن أن العاجل من الأمور أوسع من المعتاد منها، لأن المعتاد هو تسيير الأنشطة المرتبطة ‏بإشباع الحاجات العامة والضبط الإداري، فهذه أمور حتمية لا يستقيم القول بوجود حكومة دون ‏إشباعها، فهي أمر يدخل في إطار العاجل من الأمور. وهذا الفهم يمكن إسناده بحقيقة أن ‏استحباب الأخذ بالنظام البرلماني الكامل يقود واقعياً، كما سنرى، إلى إمكان استطالة أمد تشكيل ‏الحكومة الجديدة. إمكان استطالة أمد تشكيل الحكومة لا يستقيم مع القول إن نطاق العاجل من ‏الأمور ينحصر في العاجل من الأمور «المعتادة».

ويجب أن نعترف بأن التحليل السابق تحليل ‏نظري بحت، لعدم اطلاعنا على موقف القضاء الكويتي من هذا الأمر مع اختصاصه به، كما ‏سنرى. ولتحديد نطاق العاجل من الأمور يلزم الانطلاق من اختصاصات الحكومة.‏

اختصاصات الحكومة واسعة، لكن يمكن وضع ثلاثة أطر لها:‏

•‏ اختصاصات إدارية، وهي إشباع الحاجات العامة، من خلال تسيير المرافق والمصالح ‏العمومية، وتحقيق الضبط الإداري (أمن عام، صحة عامة، سكينة).‏

•‏ العلاقة الدستورية بالسُّلطات العامة داخل الدولة (البرلمان والقضاء)‏.

•‏ علاقة الدولة بالدول الأخرى.‏

الاختصاص الإداري

إذا تبنينا القول إن استمرار المرافق العامة بانتظام واطراد و‏تحقيق الضبط الإداري من مبررات وجود الحكومة، وإن تخفيض نطاق هذه الوظيفة ‏يؤدي إلى إلحاق الضرر بفكرة وجود الدولة، فهذا يعني قولنا إن إشباع هذه الحاجات من ‏العاجل من الأمور، ما دُمنا في إطار الإشباع المعتاد لها، ولم نتجاوزه. وهذا يعني أيضاً أن القدر المتجاوز للإشباع العادي للحاجات العامة يجب لمقبولية إشباعه بواسطة ‏حكومة العاجل من الأمور أن يكون عاجلاً، بمعنى أن عدم صدور القرار يؤدي إلى ضرر ‏بالغ يلحق بالمرافق العامة، أو أن التراخي في تحقيقه يؤدي إلى فوات مصلحة بالغة ‏الأهمية.

تطبيق الفكرة السابقة يعني أن المشاريع الجديدة والتعيينات الجديدة وإنهاء ‏العلاقة الوظيفية في غير حالة التأديب، مثل الإحالة للتقاعد، يجب لانعقاد الاختصاص ‏لحكومة تصريف العاجل من الأمور باتخاذها أن يكون الأمر عاجلاً، بمعنى أن عدم اتخاذ ‏القرار يلحق بالمرافق العامة ضرراً بالغاً، أو على الأقل ضرراً محققاً.‏

الاختصاص السياسي الداخلي

يدخل في هذا الإطار إدارة علاقة الحكومة بالبرلمان، وإدارة علاقة الحكومة بالقضاء.‏

‏ إدارة علاقة الحكومة بالبرلمان

في النظام البرلماني، ولتحقيق الرقابة المتبادلة بين ‏السُّلطات مع تعاونها، تمتلك الحكومة أدوات تستخدمها في علاقتها بالبرلمان. فهي تدعوه ‏للانعقاد، مع إمكان تنظيم هذا الاختصاص، من خلال فرض مواعيد حتمية، كما أنها تفض ‏أدوار الانعقاد وفق إطار محدد في الدستور، وهي تقدم مشاريع القوانين. كما تستطيع ‏حل المجلس، وفق قواعد مقررة بالدستور. وفي النموذج الكويتي تشارك أيضاً في ‏الكثير من أعمال المجلس النيابي، باعتبارها عضواً فيه. الأصل أنها لا تمارس من هذه ‏الاختصاصات إلا ما كان عاجلاً، أي ما كان لازماً للسير المعتاد للمؤسسات الدستورية، ‏مثل دعوة البرلمان للانعقاد، أو دعوة الناخبين للانتخاب في حالة نهاية الفصل التشريعي. ‏أما حل المجلس المنتخب، فهو ليس مما هو لازم للسير المعتاد للمؤسسة البرلمانية، وبالتالي ‏لا يجوز ممارسته، إلا إذا كان صدور القرار معدوداً بالنظر لظروفه أمراً عاجلاً، وعدم ‏صدوره يلحق ضرراً بالسير المعتاد للمؤسسة النيابية. ونفس الحكم ينصرف ‏للاختصاص التشريعي، فليس من المقبول أن تتقدم بمشاريع قوانين لا يعتبر تقديمها من ‏العاجل من الأمور. أما ما كان لازماً للسير المعتاد للمؤسسة البرلمانية، فهو يتضمنه ‏مفهوم العاجل من الأمور، وهو يشمل بطبيعة الحال السير المنتظم للمؤسسات الدستورية ‏خارج إطار الحكومة المستقيلة.

يجب أن نتذكر أن الاستقالة محلها الحكومة القائمة عند ‏الاستقالة فقط، وليس بقية المؤسسات الدستورية، والتي هي قائمة، لا يجوز أن يتأثر ‏وجودها إلا وفق حُكم خاص بالدستور، وأن يكون تأثرها في هذه الحالة استثناء، والاستثناء لا يجوز التوسع في تفسيره.

ومن باب الاستطراد، نلاحظ أن بعض أدوات ‏الرقابة البرلمانية سوف تتأثر واقعياً، فالاستجواب - وفق الدستور الكويتي - يمكن أن يؤدي ‏لطرح الثقة بالوزير، أو إعلان عدم إمكان التعاون مع رئيس مجلس الوزراء، وهو أمر قد ‏يؤدي للاستقالة الحكومية، في حين أن الحكومة مستقيلة، ولا يمكن دفع المستقيل ‏للاستقالة، لأن من شروط تحقق الاستقالة شغل المنصب المُستقال منه.‏

علاقة الحكومة بالقضاء

مبدأ استقلال القضاء يرد عليه إمكان التنظيم من قِبل المشرّع ‏العادي، والأخير يجعل المرسوم من أدوات تعيين القضاة، كما أن المرسوم أداة مقررة في ‏الدستور لممارسة العفو عن العقوبة. ونظن أن معيار السير المعتاد للمؤسسات الدستورية ‏يصلح تبنيه في التعيينات القضائية، بما معناه ما كان لازماً للسير المعتاد لمرفق القضاء ‏يشمله معيار العاجل من الأمور، وما تجاوز مستلزمات السير المعتاد ينظر فيه بتمعن، ‏لتقرير أنه قد صدر مستنداً لأمر عاجل لا ينتظر، أو أن سبب القرار لا يتحقق فيه هذا ‏الوصف. أما عن العفو عن العقوبة، فهو استثناء على مبدأ المساواة أمام القضاء، ووجوب ‏تنفيذ أحكامه، وعليه فإن ممارسته من قِبل حكومة تصريف العاجل من الأمور تخرج عن ‏الأمور المعتادة التي من الطبيعي أن تمارسها هذه الحكومة، ويلزم الوقوف عند كل قرار ‏لتقرير مدى سلامة انطباق العاجل من الأمور، مثل: إصلاح الأخطاء القضائية، وضرورة ‏تحقيق السلم الاجتماعي.‏

إدارة علاقة الدولة بالدول الأخرى

الحكومة تدير علاقة الدولة بالدول الأخرى، من ‏خلال ثلاث صور: التمثيل الدبلوماسي بإرسال الممثلين في الخارج واستقبال ‏ممثلي الدول الأجنبية، عقد المعاهدات الدولية، وإعلان الحرب، علما بأن الدستور الكويتي ‏يحرم الحرب الهجومية، ويجيز الدفاعية فقط.

قد يكون معيار السير المعتاد للمؤسسات ‏مناسباً في هذا الإطار أيضاً، فالعاجل من الأمور يشمل ضمان السير المعتاد لعلاقة الدولة ‏بالدول الأخرى. أما ما زاد على ذلك، فيجب الوقوف عنده، لتقرير إن كان عاجلاً يلحق الدولة ‏بعدم اتخاذه ضرر بالغ، أو يفوتها كسب عظيم أم لا.‏

بعد هذا العرض نخلص إلى أن نطاق اختصاص حكومة العاجل من الأمور ‏يتضمن ما هو لازم للسير المعتاد للمؤسسات الدستورية، وما يزيد عليه إن كان عدم اتخاذه ‏يلحق الضرر أو يفوت كسباً مهماً. وأعمال الحكومة يجب ألا تتجاوز هذا الحد، ويكون ‏ذلك تحت رقابة القضاء، لأن الالتزام بحدود الاختصاص من عناصر مشروعية القرار ‏الإداري، وهي مشروعية يراقبها القاضي الدستوري في القرارات التنظيمية، ويراقبها القاضي ‏الإداري أيضاً في حدود اختصاصه، بالإلغاء والتعويض، كما أن الرقابة البرلمانية من المنطقي ‏أن تكون موجودة، حتى مع القول بعدم جدوى تحريك المسؤولية السياسية. ‏

إذا وصلنا إلى القول إن نطاق اختصاص الحكومة في فترة تصريف العاجل من الأمور ‏يمكن تحديده، فما هو أمد وجودها؟ ‏

ثانياً: مدتها: تحديد اختصاصات حكومة تصريف العاجل من الأمور راجع لكونها حكومة ‏انتقالية تعمل لحين تسلم الحكومة العادية زمام الأمور. السؤال هو: هل يلزم أن يتم تشكيل ‏الحكومة الجديدة في ميعاد محدد؟

في الواقع لا يوجد بالدستور ميعاد محدد. الطبيعة ‏المؤقتة لحكومة تصريف العاجل من الأمور تستلزم أن يتم تشكيل الحكومة العادية في أسرع ‏وقت، لكن لا توجد ترجمة رقمية لعبارة أسرع وقت.

ونلاحظ في هذا الصدد، أن حكومة ‏تصريف العاجل من الأمور التي تنشأ نتيجة استقالة الحكومة بعد ظهور نتيجة الانتخابات ‏البرلمانية لا يمتد أمد تشكيلها لأكثر من أسبوعين، وهو ميعاد اجتماع المجلس بعد انتخاب ‏أعضائه.

وفق حكم المادة 57 من الدستور، والتي تقر: «يُعاد تشكيل الوزارة على النحو ‏المبين بالمادة السابقة عند بدء كل فصل تشريعي لمجلس الأمة» يلزم على الحكومة أن ‏تستقيل تمهيداً لتعيين حكومة تتسق مع توجهات المجلس الجديد. وقد استقر العمل إلى الآن ‏أن رئيس مجلس الوزراء المكلف تشكيل الحكومة الجديدة يتقدم مع الوزراء الذين اختارهم و‏صدر مرسوم بتعيينهم أمام مجلس الأمة، حتى لو لم يكتمل العدد المأمول، ثم يُكمل عدد الوزراء ‏بعد أداء فريقه للقسم أمام مجلس الأمة، وهو إذا لم يفعل ذلك، فلن يستطيع حضور جلسة ‏افتتاح مجلس الأمة، لأنه من دون فريقه الوزاري لا تتوافر فيه صفة رئيس مجلس الوزراء.

كي ‏تتضح الصورة يلزم تذكر موقف الدستور الكويتي من النظام البرلماني، والوقوف أمام قضية ‏مرتبطة واقعياً بقضية تشكيل الحكومة، مع أنها ليست جزءاً من الموضوع من الناحية المنهجية، ‏وهي حضور الحكومة المستقيلة لجلسات مجلس الأمة في الكويت.‏

في الختام نعتقد أن وجود حكومة تصريف العاجل من الأمور أثناء الفصل التشريعي أضحى من أدوات إدارة العلاقة بين مجلس الأمة والحكومة، لارتباطه بحقيقة الحاجة لاستقالة ‏الحكومة، بغرض إعادة تشكيلها وفق الواقع المتغير لطبيعة المكون البرلماني، خصوصاً مع ‏غياب الأغلبية البرلمانية المبنية على برنامج سياسي، وضعف الكتل البرلمانية التي تتشكل ‏وفق برنامج سياسي قابل للتنفيذ، وهذا الواقع يجعل تحديد مدة لعُمر حكومة تصريف العاجل ‏من الأمور غير متيسر.

ونلاحظ أيضاً، أن إعادة تشكيل الحكومة قد يكون في بعض ‏الأحيان أكثر فاعلية من مجرد التدوير الوزاري. ونسجل أيضاً قناعتنا، أن المشكلة الأساسية ‏لا تكمن في طول مدة بقاء حكومة العاجل من الأمور بقدر تأثير غيابها على جلسات مجلس ‏الأمة، وبالتالي على انتظام سير المؤسسة البرلمانية، وهو ما يستدعي التعامل بجدية مع ‏الموضوع من هذه الزاوية لمصلحة السُّلطتين التنفيذية والتشريعية معاً، فمد مدة تشكيل الحكومة ‏الجديدة دون وجود حد أدنى مقبول من الرقابة السياسية على الحكومة الانتقالية يجعل القبول ‏السياسي وقبول الرأي العام بالوضع غير مريح على المدى البعيد، مع أنه في واقع الحال ‏أصبح ضمن أدوات ترتيب العلاقة البرلمانية- الحكومية.‏

الدستور والنظام البرلماني

عن موقف الدستور الكويتي من النظام البرلماني يقول د. الفيلي إنه لضمان استقرار الحكومة وعدم إسقاطها ‏من قِبل البرلمان يستلزم النظام البرلماني حصول الحكومة على ثقة البرلمان عند تشكيلها، ‏وأن تستمر هذه الثقة بعد ذلك.

أفضل طريقة واقعية للحصول على هذه النتيجة، هي ‏أن يتم اختيار الوزراء من الأغلبية البرلمانية، أو بقبول منها. فإن لم تفرز الانتخابات ‏أغلبية واضحة يلزم أن ينشأ ائتلاف من الكتل البرلمانية يجعل من الكتلة المؤتلفة أغلبية في ‏البرلمان. إذاً نحتاج لأغلبية ناتجة عن إرادة الناخبين أو مرتبة نتيجة التوفيق بين كتل ‏موجودة. والكتل البرلمانية، والمذكرة التفسيرية للدستور تعترف بوجودها داخل ‏البرلمان تحتاج، لضبط وجودها، لتنظيم لها من خلال الأحزاب أو الجماعات السياسية، ‏وهو أمر كان محل تردد من صانع الدستور الكويتي، وقد تجنب أخذ موقف حاسم فيه، ‏مفضلاً ترحيل الموضوع للمستقبل.

نتيجة لهذا الموقف تبنى الدستور في موضوع ‏العلاقة بين السُّلطات نظاماً ينطلق من النمط البرلماني، مع قبول بقدر من الابتعاد عنه، ومع اعتبار أن الابتعاد عنه حالة مؤقتة، بدليل أن المذكرة التفسيرية له، وقد صدرت عن ‏السُّلطة التأسيسية، تعتبره الأصل المنشود.

إذاً قدر من الابتعاد عن النظام البرلماني ‏مقبول، والاقتراب منه مأمول. موقف الدستور يعني أن تشكيل الحكومة من الأغلبية ‏البرلمانية ليس واجباً، لكن عدم قبول أغلبية البرلمان بها سوف يؤدي إلى سقوطها لاحقاً، لذلك يلزم عند اختيارها استطلاع موقف البرلمان منها. عدم وجود أغلبية تقبل بالحكومة ‏أو لا ترفض وجودها يعني اختيار الوزراء بما يماثل صنع كتلة تتماشى مع توقعات ‏توجهات أعضاء البرلمان. هذا من الممكن أن يتم بسرعة، كما يمكن أن يطول وقت ‏حدوثه وفق واقع الحال ومهارة رئيس مجلس الوزراء، والذي يلزم عليه أن يختار فريقاً ‏متجانساً ربطاً بخطة لعمل الفريق الحكومي يقدمها لمجلس الأمة فور تشكيل حكومته. ‏وإلى حين نجاحه بتحقيق هذه المهمة الدقيقة تستمر حكومة تصريف العاجل من الأمور ‏بعملها تحت حد من الرقابة يمارسها البرلمان والقضاء.

ونلاحظ أن الانتقال لمزيد من ‏البرلمانية لا يقلل من إمكان تأخر تشكيل الحكومة، بل قد يزيد من هذه الاحتمالية إذا لم ‏تفرز الانتخابات أغلبية واضحة، وهذه الأغلبية يجب أن يكون أساس وجودها برنامج ‏سياسي يصلح أن يكون برنامجاً تنفيذياً للحكومة.

والنماذج البرلمانية المقارنة تمدنا ‏بحالات يصل المدى الزمني لتشكيل كتلة مؤتلفة إلى عام كامل، نتيجة عدم وجود أغلبية ‏لكتلة من الكتل في البرلمان.

من الناحية العملية كان رئيس مجلس الوزراء المكلف ‏تشكيل الحكومة الجديدة بالكويت ينجح في مهمته خلال مدة لا تتجاوز الأسبوعين، حتى ‏لو كانت حكومة تصريف العاجل من الأمور تعمل أثناء فصل تشريعي قائم. لكن هذا ‏العمل لم يستقر، وتجاوز عُمر إحدى حكومات تصريف العاجل من الأمور خمسين يوماً، ‏فقد استقالت الحكومة في 25 نوفمبر 2008، وبقيت تصرّف العاجل من الأمور حتى 22 ‏يناير 2009، وكان رئيسها هو الشيخ ناصر المحمد، وكان هو أيضاً المكلف تشكيل ‏الحكومة الجديدة.

بعد هذه الواقعة أصبح عُمر حكومات تصريف العاجل من الأمور ‏أثناء الفصل التشريعي يتجاوز بشكل عام مدة الأسبوعين، علماً بأن العمل استقر على أن ‏حكومة تصريف العاجل من الأمور لا تحضر اجتماعات مجلس الأمة، باعتبار أن ‏اختصاصها محدود، كما أن العمل استقر على أن المجلس لا يعقد جلساته عند غياب ‏الحكومة.‏

حضور الجلسات

بشأن حضور حكومة تصريف العاجل من الأمور جلسات مجلس الأمة يذكر د. الفيلي أنه لا يوجد نص في ‏الدستور يقرر عدم جواز حضور حكومة العاجل من الأمور جلسات مجلس الأمة العادية. كما أن السير المعتاد للمؤسسات الدستورية، وهو أمر مهم كما استمرار عمل المرافق ‏العامة بانتظام واضطراد، يقود للقول بوجوب حضورها جلسات مجلس الأمة. وهذا ‏يعني أن حضور جلسات مجلس الأمة جزء من اختصاصاتها. لكن العمل استقر على ‏عدم حضور الحكومة في هذه الفترة لجلسات مجلس الأمة العادية، واقتصار حضورها ‏على الجلسات الخاصة، إذا قررت أن الموضوع ينطبق عليه وصف العاجل.

ازدياد عدد ‏حكومات تصريف العاجل من الأمور أثناء الفصل التشريعي مؤخراً، وازدياد مدة بقائها، ‏يجعل غيابها مؤثراً على استقرار عمل مجلس الأمة، لأهمية دورها في التشريع والرقابة‏‏.

وإذا كان موضوع أثر غياب الحكومة على صحة الجلسات ليس موضوع البحث، وفق ‏العنوان المطروح، فإن استقرار العمل على اعتبار أن حضور الحكومة من شروط صحة ‏انعقاد جلسات مجلس الأمة يزيد من الأثر السلبي لغياب حكومة تصريف العاجل من ‏الأمور على حسن سير المؤسسة البرلمانية في فترة وجود حكومة تصريف العاجل من ‏الأمور. ‏