عندما فقد الشعر الوزن والقافية (1-4)

  • 28-07-2021

رحلت في أواخر الشهر الماضي، يونيو 2021، إحدى الشخصيات العراقية الأدبية النسائية البارزة، الشاعرة "لميعة عباس عمارة"، عن عمر يناهز 92 عاما، فقد ولدت عام 1929، وجاء لقبها من مدينة "العمارة" جنوبي العراق.

وفي استثناء نادر عن واقع حياة الأدباء وصفت "الجريدة" في 20/ 6/ 2021، حياة "لميعة" أنها "ليست من اللواتي عانين كثيرا من شظف العيش، إذ ولدت لعائلة صابئية مندائية عريقة ببغداد، وكان عمها صانغ فضة معروفا". وأضافت الصحيفة أن رحلة الشاعرة مع الكتابة بدأت في الثانية عشرة من عمرها، حيث كانت ترسل قصائدها الى الشاعر اللبناني "إيليا أبي ماضي" الذي كان صديقاً لوالدها، وبمجرد أن قرأ "أبو ماضي" شعرها أبدى إعجابه به وتنبأ لها بمستقبل أدبي زاهر.

اهتم الأدباء والفنانون في العراق بالشاعرة "لميعة عباس عمارة" الملقبة بأيقونة الشعر العراقي، ونشرت الكاتبة المعروفة "أنعام كجة جي" قبل أعوام، في الذكرى الخمسين لرحيل الشاعر "بدر شاكر السياب" (1926-1964) مقالا عن قصيدة رائد الشعر العربي المعاصر المعروفة "أنشودة المطر"، التي تبدأ بالتغزل "عيناك غابتا نخيل ساعة السحر، أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر"، فهل كانت المعنية الطالبة في دار المعلمين العالية بكلية الآداب ببغداد، "لميعة عمارة عباس" أم فتاة أخرى؟ كما تساءلت الكاتبة "أنعام كجة جي" قبل أن تضيف: "ففي تلك الأيام الملتهبة بالنشاط السياسي من أربعينيات القرن الماضي، كان يكفي أن تبتسم طالبة جامعية لكي تجد أكثر من قصيدة طوع يديها، كتبها لها زميل من شعراء دار المعلمين العالية، وما أكثرهم، ولعل السياب، الطالب الريفي القادم من الجنوب، كان أشعرهم وأكثرهم استعدادا للوقوع في شراك نظرات وابتسامات بنات المدينة، لقد استطلف الكثيرات وكتب لهن القصائد. يكفي أن تقع عيناه على وجه صبوح فتولد القصيدة، وكان بينهن من تتقبل القصيدة، لا صاحبها، ربما لأنه كان قليل الحظ من الوسامة، مهموما بالكتب والنضال يحمل أوراقه في جيب سترته ويتوسط حلقات الرفاق والرفيقات لكي يقرأ عليهم ما ألهمه شيطان الشعر في الليلة السابقة".

(الشرق الأوسط، 18/ 12/ 2014).

من أثرى المقابلات الصحافية مع الشاعرة "لميعة عباس عمارة" تلك التي أجرتها الأديبة "سعدية مفرح" في (القبس) عام 2002 وكانت الشاعرة "لميعة" قد هاجرت الى الولايات المتحدة عام 1978 واستقرت وأصدرت عدة دواوين.

المقابلة سلطت بعض الأضواء على أحوال الأدب والأدباء العرب رجاله ونساؤه، وبخاصة الشعر الحديث وعلاقة الشعراء والنقد الأدبي وغيره.

أبدت الشاعرة "لميعة" رأيا خاصا في شاعرية المرأة والرجل فقالت: "أنا أؤمن أن المرأة لا يمكن أن تصل إلى العبقرية لأنها لا تملك ذلك القدر من الأنانية التي يملكها الرجل". وأوضحت قائلة: "فالمرأة تضحي بوقتها من أجل إسعاد الآخرين في المجتمع حولها، أما الرجل فهمه عمله فقط، فهو مخدوم في البيت ومتفرغ حتى إن كان في عمله، ولكن المرأة لم تصادف مثل هذا التفرغ، والتي صادفت مثل هذا التفرغ هي المرأة التي أبدعت مثل مدام كوري التي تفرغت الى العمل، وحياتها الخاصة لم تأخذ منها الكثير، خصوصا أن شريك حياتها كان يعمل معها وفي اهتمامها نفسه، وهذه الحالة نادراً ما تحدث في محيط النساء.

والمبدع بشكل عام لا يشترط فيه أن يكون مرفها ماديا فهو يحتاج إلى أن يقوم بأعمال كثيرة، وأنا شخصيا خلال إقامتي في أميركا في السنوات الأخيرة وقبلها خلال إقامتي في باريس كنت أفتقد أن أكون السيدة المخدومة". (القبس، 2/ 1/ 2002).

سألتها الأديبة "مفرح" عن تأثير جمال وأناقة الشاعرة وعن علاقتها بالشاعر "بدر شاكر السياب"، وهل يضايقها مثل هذا السؤال فأجابت: "كثيرون قالوا إنها ناجحة لأن إلقاءها جيد، أو لأن حضورها جيد، وأنا أعتقد أن هذا "الاتهام" وحده اعتراف بالفضل، ويقولون إنها جميلة، ويقولون إن صوتها جميل. وأنا أقول إن كل هذه الأقاويل والاتهامات التي توجه إلي هي حسنات، فلماذا أدافع عنها أو أنفيها؟"، ولكنها قالت إن مما يضايقها السؤال التقليدي عن علاقتها بالسياب: "طبعا يضايقني أنهم يحاولون خصوصا الشعراء الكبار منهم يحاولون تحجيمي وإبعادي عن دائرة الضوء، على الرغم من أنني متواضعة جدا ولا أزاحمهم ولا أرد عليهم ولا أتكلم عن نجاحاتي كما يتكلمون، وأنا أعترف أنني مقصرة في حق نفسي ومساهمة في التعتيم على نفسي إنهم يريدون القول إنني مجرد امرأة جميلة أو إن أهميتها تعود إلى حب بدر شاكر السياب لي ذات يوم ولكنهم فشلوا".

كيف تنظر اليوم- عام 2002- إلى تلك العلاقة ببدر شاكر السياب؟ أجابت: "لقد كان بدر إنسانا عظيما، وأنا آسفة لأنني لم أستطع أن ألبي طلبه بالارتباط لأنني كنت حريصة أن أبقى شخصية مستقلة فارتباط شاعر بشاعرة يلغيها".

وسألتها الأستاذة سعدية مفرح: هل تريدين أن تقولي إن هذا هو السبب الوحيد لعدم ارتباطكما بالزواج؟ فأجابت الشاعرة: "لا فهناك أسباب أخرى منها حياتنا الاجتماعية التي وقفت حائلا بيننا، هو كان إنسانا ينتمي إلى بيئة يحتاجه فيها أهله، وهذا أيضا ينطبق عليّ، أي أن كلاً منا كان مكلفا برعاية عائلة ولسنا أحراراً لاتخاذ قرارنا بالزواج في مثل ذلك العمر، وأنا لست نادمة على ذلك، لقد قطعنا ما بيننا من علاقة عاطفية، ونحن في الذروة، فبقيت الأماني جميلة والصورة طرية لم يهزمها الملل والتكرار والروتين، لقد بقيت الأشياء بجمالها، وهذا هو موقف الفنان من الحياة، فهو يجب أن يحتفظ بالأشياء وهو في الذروة".

وانفتح الباب في المقابلة للحديث عما يسمى "النقد الأدبي" في الثقافة الأدبية العربية المعاصرة، وفيه ما فيه من الجد والهزل والاعتدال والتحامل، سألتها الأديبة "سعدية" عن موقف النقاد منها، "هل تهيَّبَ النقاد الكتابة عنها حتى لا يتهموا بأنهم يجاملون امرأة جميلة"؟ فأجابت: "نعم هذا ما حدث معي، لقد تهيبوا الكتابة عني خوفا من هذا الاتهام، بل خوفا من زوجاتهم الغيورات". وهاجمت بشكل غير مباشر الشاعر "عبدالوهاب البياتي"، وأضافت أنها "عانت من الاضطهاد بسبب السياسة وأنها اضطرت للجوء آنذاك إلى ألمانيا الشرقية: "ولجأت إلى ألمانيا الشرقة، فحكيت لهم عن ظروفي والتهديدات التي وصلتني بالقتل في بلدي، وطلبت منهم أن أعمل بالتدريس، وعلى الرغم من أن الصديق عزيز شريف قد مدحني عندهم كثيراً، فإنهم سألوني أنت كنت منتمية إلى الحزب الشيوعي أم لا؟ فقلت: لا، عندها قرروا أن يضعوني في مخيم بائس وكريه للإقامة فيه، مما دفعني للهرب إلى ألمانيا الغربية في الليلة نفسها لأنني لم أحتمل المكان، وأنا متأكدة أنهم كانوا سيضعونني على رأسهم لو كنت شيوعية. ودعيني أخبرك أكثر من هذا فأنا أتذكر أن هناك بعض الأسماء التي فرضت على اتحاد الكتاب لدينا آنذاك على الرغم من تواضع موهبتهم فقط لأنهم شيوعيون، وهذا ينطبق على الأحزاب الأخرى أيضا، وأنا لم أدخل في لعبة الأحزاب، ولا في لعبة أخرى حدثني عنها الشاعر الراحل بلند الحيدري عندما قال لي إن الأمر يتطلب أن أكتب عن شاعر معين وهذا الشاعر يكتب بالمقابل عني والنتيجة أننا نصبح كلنا شعراء كبارا".

(القبس، 2/ 1/ 2002).

قالت الشاعرة عن شخصية الشاعر العراقي البارز "الجواهري": "أنا أحب الجواهري، ولكنه كان يستفزني لأنه كان يعتقد أنني لا أقرأ الكتب الجادة"، وتكمل قائلة: "لذلك استغللت فرصة قراءتي لأحد دواوينه الصادرة في ذلك الوقت لأخبره بأنني وجدت فيه بعض الملاحظات النقدية، وعندما قرأ هذه الملاحظات التي كنت قد دونتها في ورقة أعجب بها والتفت إلى من حوله من أصدقائه النقاد مثل محمد مهدي المخزومي وعلي جواد الطاهر، وقال لهم: كيف فاتتكم هذه الأشياء من ديواني"؟

وتناولت المقابلة بشكل خاص الشاعرة العراقية "نازك الملائكة" التي يعتبرها البعض رائدة الشعر العربي الحديث أو الحر وحاولت الشاعرة "لميعة" أن تعتذر عن أي سوء فهم بحق الشاعرة الملائكة، وتقدمت بتحليل نفسي لشخصية "نازك الملائكة". قالت إن رجال عصرها لم ينظروا إليها كما كانت تتوقع، في اعتقاد الشاعرة "لميعة عباس عمارة" التي تضيف: "وتتلخص هذه النقطة في أن المرأة عندما تشعر أنها غير مرغوب بها من الرجال أو أنها غير محبوبة لن يكفي احترام كل العالم لها أن يملأ فراغ قلبها.

نازك عبقرية وإنسانة عظيمة وشاعرة كبيرة، بل هي عندي أكبر الشاعرات، ولكن نظرة الرجل إليها سببت لها هذه العقدة النفسية التي مازالت تعانيها شعور المرأة أنها فقط محترمة وفقط مقدرة لموهبتها لا لأنها امرأة شعور تتعرض له المرأة فتصاب بعدة أمراض نفسية".

وأضافت الشاعرة "لميعة": "وأنا بصراحة أشعر بالأسف عندما أرى أن المرأة لا تقيم من قبل الشكل إلا من خلال شكلها، أنا مع نازك ولكن ضد هذه النظرة السطحية إلى المرأة العظيمة التي حولتها الى امرأة كئيبة.

ولو درسنا شعر نازك لاستخرجنا الكثير من كلمات الكآبة والظلام والتشاؤم من قصائدها، وكل ذلك مبعثه شيء واحد وهو أن المرأة التي تشعر أنها موضع إعجاب كأنثى تختلف عن المرأة التي تشعر أنها موضع إعجاب لعبقريتها فقط".

وسألتها الأديبة "سعدية مفرح" عما إذا كانت "نازك الملائكة" تغار منها أو العكس فأجابت: "أبداً نازك لا تغار من أحد، وعندما كانت تشعر بالمرارة تجاه شخص ما كانت تكتم هذه المرأة عندها من الكبرياء الكثير بحيث لا تظهر استياءها من أحد أبداً".

وسألتها سعدية مفرح: وهل كنت أنت تغارين من نازك"؟ فأجابت: "أبداً لأن حياتي مليئة، فأنا لا آسف على شيء، وبالقليل الذي كتبته حققت وجودي كامرأة، لقد تزوجت مبكراً وأنجبت الأبناء، وعرفت الحب بأجمل ساعاته، فلا آسف لأن النقاد لم يكتبوا عني كما كتبوا عن نازك مثلا".

يتبع غداً،،،

خليل علي حيدر