مواجهة التحديات العالمية من منطلق حقوق الإنسان

  • 26-07-2021

أعادت جائحة كوفيد19 تشكيل العالم لملايين الأشخاص؛ أو على الأصح، كشفت عن أوجه التفاوت الحاد الذي تعانيه المجتمعات فيما يتعلق بالعرق، والجنس، والانتماء الطبقي، وضاعف مهامها، وسلط أيضا الضوء على عدم قدرة العديد من الأنظمة السياسية على الاستجابة للوباء بطرق تحمي حقوق الإنسان الفردية وكرامته، ولن يعيد العالم البناء من هذه الأزمة، ولن تكون لديه أي فرصة لمواجهة التهديدات الوجودية الواسعة النطاق مثل تغير المناخ، حتى نتمكن مرة أخرى من غرس الشعور بالأمل في الحياة السياسية والمدنية.

ولحسن الحظ أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يتضمن بالفعل خريطة طريق ترشد البشرية نحو المضي قدما، إن هذا الإعلان الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1948 مُهم اليوم بقدر ما كان في خضم الدمار المادي والمعنوي الذي سببته الحرب العالمية الثانية.

وتنص المادة 1 من الإعلان بكل وضوح على حقيقة ثابتة: "يولد جميع البشر أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق"، ولتحقيق هذه الرؤية اليوم، يجب الضغط على القادة حتى يتجاوزوا حدود الكلام اللطيف، ويلتزموا بأفعال هادفة وقابلة للتطبيق وللقياس، وعلى وجه الخصوص، يجب أن يضمنوا التوزيع العالمي العادل للقاحات كوفيد19، وتقديم الدعم المالي الكافي للبلدان الأكثر عرضة لويلات تغير المناخ.

وقبل كل شيء، يجب على البلدان المرتفعة الدخل اتخاذ خطوات لتحقيق هدف التزام السوق المسبق الذي وضعته كافي (التحالف العالمي لللقاحات) وكوفاكس (مبادرة الوصول العالمي للقاحات كوفيد19) والمتمثل في توفير ما لا يقل عن مليار جرعة لقاح لأفقر بلدان العالم في موعد أقصاه 1 سبتمبر 2021، وأكثر من ملياري جرعة بحلول منتصف عام 2022.

إن تخزين البلدان الغنية للقاحات كوفيد19 لشعوبها سياسة غير مبررة أخلاقيا، كما أنها قصيرة النظر من الناحية الصحية والاقتصادية، إذ كلما طالت فترة استمرار فيروس كورونا وتحور في البلدان الفقيرة القليلة الموارد، أصبح تصدي البشرية التام للخطر الذي يتهدد الأرواح وسبل العيش بعيد المنال.

وفي السياق ذاته، يجب على قادة مجموعة السبع ومجموعة العشرين دعم الدعوات الموجهة إلى منظمة الصحة العالمية ومنظمة التجارة العالمية للترخيص الطوعي ونقل التكنولوجيا من أجل إنتاج اللقاحات، وإذا أخفقوا في ذلك، يجب أن يدعموا التنازل الفوري عن بعض حقوق الملكية الفكرية بموجب قواعد منظمة التجارة العالمية، وهي الخطوة التي أيدها الرئيس الأميركي، جو بايدن، في الآونة الأخيرة.

والمُؤسف أن قادة مجموعة السبع أخفقوا أثناء قمتهم الأخيرة في المملكة المتحدة في إظهار فهمهم لحجم مسؤوليتهم في معالجة التفاوتات المتفاقمة بسبب الوباء. وعلى نطاق أوسع، كشف كوفيد19عن مواطن الضعف في القومية الضيقة، والسياسات الشعبوية التي تحتقر الأدلة العلمية والتعاطف، ولا يمكن لأي دولة، بغض النظر عن قوتها أو حجمها، أن تتصدى للخطر الذي يهدد الصحة العامة بصورة فعالة بمفردها.

إنه لمن الضروري أن يتعلم القادة من أخطائهم وأن يلتزموا بتوصيات فريق الخبراء المستقل المعني بالتأهب للجائحة والاستجابة لها، وفقط النظم الصحية الممولة بصورة مناسبة، والمتكاملة، والمنظمة ستكون قادرة على تحمل الأوبئة وحالات الطوارئ الصحية في المستقبل.

ومع ذلك، في ظل الظروف الراهنة، أدى إخفاق العالم الغني في التصدي لكوفيد19 إلى زيادة عجز الثقة بين شمال الكرة الأرضية وجنوبها، وسيؤدي هذا بدوره إلى صعوبة التوصل إلى اتفاق في التجمع الدبلوماسي الدولي الحاسم الذي سينعقد مستقبلا: قمة المناخ كوب 26 في غلاسكو في نوفمبر.

وينبغي أن تعزز البلدان ما وضعته من أهداف لخفض الانبعاثات على المدى القريب قبل مؤتمر «كوب 26»، ومازلنا ننتظر أن تقوم بذلك الجهات الرئيسة المسببة للانبعاثات، وفضلا عن ذلك، ينبغي للدول الغنية إعادة بناء الثقة من خلال اتخاذ إجراءات تبين رفع مساهماتها في تمويل المناخ- بما في ذلك تخصيص حصة أكبر للتكيف- لتوفير 100 مليار دولار سنويا تم التعهد بها منذ فترة طويلة لمساعدة البلدان النامية على مكافحة الاحتباس الحراري وآثاره.

وهناك خيطان مشتركان يربطان بين التحديات المشتركة التي نواجهها في الدفاع عن حقوق الإنسان، والتغلب على الوباء، ومعالجة أزمة المناخ وهما: الحاجة إلى اليقظة ضد التراخي، ومسؤولية العمل من أجل الصالح العام. وفي هذه الأوقات العصيبة، يمكننا جميعا أن نستمد الإلهام من قائد لم يتزعزع أبدا في التزامه بحقوق الإنسان والعدالة، وهو نيلسون مانديلا.

ومن المفارقات التاريخية أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان اعتُمد في العام نفسه الذي أسست فيه جنوب إفريقيا نظام الفصل العنصري، ولكن مانديلا رأى قوة الإعلان وإمكاناته على الفور، وتحدث في عام 1997 بصفته رئيسا لجنوب إفريقيا، فقال: "في واحدة من أحلك لحظاتنا، كانت الكلمات البسيطة والنبيلة التي تضمنها الإعلان العالمي بمثابة بصيص أمل مفاجئ بالنسبة لجميع معارضي هذا النظام الخبيث".

إننا اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة تأكيد مبادئ الإعلان الخاصة بالتضامن والجهود المشتركة التي عبّر عنها مانديلا بقوة طوال حياته، واكتشافها من جديد، ومهمتنا الآن ليست "إعادة البناء بصورة أفضل"، لأننا لا نستطيع إعادة البناء من الوضع السابق الذي أنتج أنظمة غير منصفة وغير فعالة. بالأحرى، يجب أن "نتطلع إلى غد أفضل"، ونحشد جهودنا بالأمل والانضباط والتصميم لبناء عالم مستدام، وسلمي، وعادل للأجيال القادمة.

* ماري روبنسون رئيسة أيرلندا سابقا والمفوَضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وحاليا رئيسة منظمة الشيوخ.

«بروجيكت سنديكيت، 2021» بالاتفاق مع «الجريدة»

ماري روبنسون