رثاء رقّة المشاعر

  • 14-07-2021

لن أتحدث عن الشاعر والأديب علي السبتي، لكونه نشر أول قصيدة له عام 1955، ولن أكتب عن دواوينه الشعرية التي جاءت تباعاً، ولا عن كتاباته الأدبية والفكرية والاجتماعية في الصحافة والمجلات الكويتية منذ الخمسينيات وحتى مطلع الألفية الثالثة، ولن أتطرق إلى مشاركته في مؤتمر أدباء العرب الذي عقد بالكويت عام 1958، ولن أُكتب عن حماسته الشديدة لتأسيس رابطة الأدباء في الكويت، لكونه أحد الموقّعين على إشهارها عام 1964!

سيكون الحديث هنا عن الجوانب الإنسانية والاجتماعية التي وجدتها في هذا الرجل ولا تزال عالقة بالذهن، وكأنني أشاهد فيلماً جميلاً، بل وأعيد مشاهدته بين الحين والآخر!

هذه الشخصية عرفتها قبل ثلاثين عاماً بداخل غرفة صغيرة، لا يتجاوز طولها في عرضها ستة أمتار مربعة، بداخل مبنى رابطة الأدباء الكويتيين، ورغم صغر مساحة هذه الغرفة المتواضعة، فإنها ضخمة وكبيرة وثريّة بعقول الموجودين بداخلها، وكان لكل هؤلاء القامات الأدبية الكبيرة مكان محدد وزاوية تُشعره بالراحة لتعوّده الجلوس في نفس المكان يومياً، وهذه الطريقة متّبعة في عموم دواوين الكويت!

خلال وجودي المستمر بداخل هذا المجتمع الصغير الذي ضمّ النخبة من باحثي ومؤرخي ومفكري وشعراء وأدباء الكويت - وهذا الكلام قبل ثلاثين عاماً - لاحظت شباباً صغاراً في السنّ يدخلون هذه الغرفة على استحياء، ويجلسون بأدب جمّ بجانب الشاعر والأديب علي السبتي، ويدور حديث ثنائي بينهم، ويتكرر هذا المشهد باستمرار.

ومع مرور الأيام، عرفت أن السبتي يُعتبر أباً روحياً لهؤلاء الشباب، ويستشيرونه في أعمالهم الأدبية والشعرية ويوجّههم إلى الخط والطريق الصحيح، دون أن ينتقص أو يقلّل من شأن أعمالهم، بل يرفع من معنوياتهم للاستمرار في الكتابة، وقد أصبح هؤلاء الشباب، فيما بعد، شعراء وكتّاب قصة مرموقين، وتولى بعض منهم مسؤولية إدارة الرابطة، بمشاركتهم في عضوية مجالس الإدارة، ويدينون دائماً بالفضل للشاعر والأديب علي السبتي.

جانب آخر لفت نظري، هو علاقته المتواضعة مع المستخدمين في الرابطة، ومدّ يد العون والمساعدة المالية لهؤلاء المستخدمين البسطاء، وقد شاهدته مرراً يجالسهم في حديقة الرابطة، مثل أي صديق آخر، وهنا يتجلّى جانب التواضع وعدم التعالي أو الغرور، فما أجمل هذه المشاعر الطيبة، في حين نجد من البعض الكبرياء والتعالي والغرور حتى على الزّملاء!

ووصلت علاقة هذا الإنسان الإنسانية أنه كتب قصيدة طويلة عندما شاهد المستخدم أحمد متولي يعتني بأشجار البرتقال بحديقة الرابطة، ونشر القصيدة في مجلة العربي، مع الإشادة بدور هذا المستخدم وإخلاصه!

جوانب أخرى تلمّستها وهي تتدفق وتُعبّر عن رقّة مشاعر الشاعر والأديب السبتي، وذلك عندما سألته عن أحوال مدينة الكويت القديمة، حيث إنه من مواليد 1935، فكان يقول: تؤلمني جداً حياة أهل البحر القاسية والمخاطر الجمّة التي كانت تصادفهم عند الغوص في البحر لاقتلاع الرزق من فم الأسماك المفترسة!

ويضيف: ويزيد ألمي أكثر عند مشاهدتي أولئك الرجال في البرد القارس وهم حُفاة وأقدامهم مشققة وتسيل منها الدماء عند تكسير الصخور من البحر لاستخدامها في بناء البيوت الطينية!

ولمن أراد الإبحار في شعر السبتي عن أحوال الماضي، فسوف يجد الكثير من الأبيات الشعرية، مدافعاً بها عن أصحاب الفئات المُعدمة الضعيفة والفقيرة بالمجتمع الكويتي في الماضي!

قبل الختام، أرفع رسالة من القلب إلى أصحاب القرار في كويتنا المعطاء، للتذكير بأننا فقدنا الأسبوع الماضي الشاعر والأديب علي السبتي، وقبلهُ بشهر الشاعر والأديب عبدالرزاق العدساني، وقبل ذلك بأشهر الأستاذ والمؤرخ خالد سالم الأنصاري، وواجب على الدولة إطلاق هذه الأسماء على أماكن تليق بمكاناتهم وبما قدّموه للكويت، ونسأل الله الرحمة والمغفرة للجميع.