شاعر التمرد والحزن الذي سكن الإنسان العربي (7-16)

ننتقل إلى السبعينيات في حياة الماغوط، الذي عمل في دمشق رئيساً لتحرير مجلة «الشرطة»، حيث نشر كثيراً من المقالات الناقدة في صفحة خاصة من المجلة تحت عنوان «الورقة الأخيرة»، وأغناها بتلك المقالات الثقافية والحكايات الساخرة، التي كانت حديث الناس وقتها، نظرا لرشاقتها اللغوية التي تحبس أنفاس القارئ.

وفي تلك الفترة، وجد الماغوط وسائل أخرى للتعبير عن أفكاره التي يكتبها، لتكون أوضح وأكثر حدة، فكانت مسرحياته على التوالي «ضيعة تشرين» و»غربة»، وفيهما أراد الماغوط مخاطبة العامة ببساطة دون تعقيد. كما أراد أيضا الكتابة إلى العامة، فاستبطن وجدان وأحزان الإنسان العربي، وزاوج بين العنصر التجريبي والشعبي في كتابة كوميديات ساخرة وباكية في آن معاً.

«ضيعة تشرين»

«ضيعة تشرين» 1974 مسرحية سورية كوميدية سياسية، تدور أحداثها قبل حرب تشرين حرب 1973 في سورية وبعدها، وانعكاس نتائجها على كل من الإنسان السوري وعلى المواطن العربي، ألفها محمد الماغوط ولحن أغانيها الفنان عبدالفتاح سكر، أما الإخراج فكان من نصيب المخرج التلفزيوني الراحل خلدون المالح، وقد تم إنتاجها عام 1974 وعرضت في سورية وغالبية دول الوطن العربي. يذكر أن هذه المسرحية لم تطبع ومُثلت على المسرح عام 1973-1974 والأداء كان لفنانين نجوم سوريين هم: دريد لحام (غوار الطوشة)، ونهاد قلعي (المختار)، وملك سكر (زينة)، وأسامة الروماني (نايف)، وعمر حجو (أبو نارة)، وصباح الجزائري (غندورة)، وياسر العظمة (الناطور)، وفاديا خطاب (زوجة غوار)، وشاكر بريخان (الأستاذ)، وحسام تحسين بيك (الصحافي).

وفي تلك الفترة تم تشكيل دستور جديد لسورية. ونأخذ هنا مقطعا اشتهرت به المسرحية:

«شو يعني بيك؟ مين حكمك على هالمساكين؟ ولك الدستور... أنو دستور؟ دستور الضيعة... ورجيني الدستور... الدستور بالخِرج... وين الخِرج؟ عالحمار... وين الحمار؟ موقوف... ليش؟ أكل الدستور...

(لك كيف انهضم معه هيك دستور؟!)» وهي أشهر جملة للفنان دريد لحام من المسرحية.

غربة

انتقل الماغوط من ضيعة تشرين إلى رصد طبيعة التحولات في المشهد السياسي والاجتماعي العربي عام 1976 في مسرحية غربة، راسماً ملامح هذا الواقع في إطار كوميدي ساخر، ورشحت المسرحية لأن تكون واحدة من أهم المسرحيات العربية، التي تجسد واقع الأمة العربية ككل خلال القرن العشرين.

كما أن العديد من أحداث المسرحية يصلح تطبيقه على أي سياق سياسي في كل زمان ومكان، وهي تتلخص في هروب الفنان نهاد قلعي من ضيعته (قريته)، وتوجهه نحو ضيعة أخرى مختارها (عمدتها) دريد لحام، طالباً البقاء والاستقرار فيها، غير أن طلبه قوبل بالرفض، ولكن نهاد قلعي لم يستسلم وحاول بشتى الطرق المكوث في تلك الضيعة وعدم الرجوع لضيعته الأصلية، فسأل دريد لحام عن إمكانية وجود أي حل للبقاء في هذه الضيعة، فأخبره الأخير بأنه يمكنه البقاء فيها بشرط واحد فقط؛ وهو أن يكون لاجئاً سياسياً، فلما سأل عن كيفية أن يكون لاجئاً سياسياً، أجابوه: «يجب أن تشتم بلدك!»، فما كان من بطل المسرحية إلا المسارعة والجهر بشتم بلده بدون تردد، وهو ما أعقبه تهنئة مختار الضيعة له قائلاً: « ... الآن أصبحت لاجئاً سياسياً!».

والمسرحية سورية اجتماعية وسياسية، وتدور أحداثها في قرية «ضيعة» اسمها غربة يحكمها بيك يقوم باستعباد المواطنين وسلب خيراتهم وتركهم يعانون التخلف. التأليف: محمد الماغوط ودريد لحام، والإخراج: دريد لحام وخلدون المالح. والممثلون: دريد لحام، ونهاد قلعي، وأسامة الروماني، وصباح الجزائري، وعمر حجو، وسامية الجزائري، وشاكر بريخان، وعبدالهادي الصباغ، وحسام تحسين بيك، وياسر العظمة، وخديجة العبد، وصباح خطاب، ومها المصري، ومحمد الشيخ نجيب، وأيمن بهنسي. كلمات الأغاني والألحان: شاكر بريخان، وشاركت في العرض فرقة تشرين السورية.

وفي «عيد الكذب»، وهو أحد أهم المقاطع الحوارية في المسرحية، يقول الشعب:

والكذب بيفش القلب.. متلو متل الغنية.. والصدق ما عادلو درب.. بضيعة غربة المنسية... عالعين موليتين.. وسطعش مولاية.. حكيت الصدق عالصبح... بالفلقة رجلاية

ويرد أبو أحمد (أسامة الروماني) بموال: أوووف.. الصدق مالو حيل.. يسند عواميدو.. والكذب باعو طويل.. ما أطولا إيدو... يايايابا.

يعود الشعب مجددا: ...كل عام وانتو بخير.. يا هالغربة الشمالية... وان شالله تضلو بخير.. يا هالغربة القبلية.

فيتابع أبو شحادة (عمر حجو): يالله نبدا العيد يالله.

يأتي البيك (دريد لحام): باسم الشعب والدستور... باسم النحلة والدبور.. باسم الازدهار.. والتقدم السار.. نفتتح هذا العيد... يا وجهاء الكذابين... صفولي جنب الحكومة.. أكذب واحد فيكن... بياخد كاس الدولة.

الشعب (هاتفاً): الكاس للحكومة... الكاس للحكومة...

البيك: ... شكراً على هالثقة.. بس اليوم مخصص إلكن... وإلنا طول السنة كلا... ولازمنا شي يوم أمومة.

صحيفة تشرين

عمل شاعرنا في السبعينيات إضافة إلى نتاجه المسرحي في صحيفة تشرين السورية، حيث يعتبر واحدا من الكبار الذين ساهموا في تحديد هوية وطبيعة وتوجه الجريدة في نشأتها وصدورها وتطورها في منتصف السبعينيات، حين تناوب مع الكاتب القاص زكريا تامر على كتابة زاوية يومية، ليشكلا ظاهرة فريدة في تاريخ الصحافة السورية في القرن العشرين، تعادل في مواقفها صحيفة كاملة في عام 1975 وما بعد، أما زاوية جريدة تشرين اليومية المخصصة للماغوط فكانت بعنوان «عزف منفرد». (كتاب «محمد الماغوط، شاعر الغضب والحب»).

ومن أهم الاقتباسات مما كتبه تامر: «الموتى لا يقرأون كتباً، إنّما هم يعبُرُون العالم ليلًا، ويطرقون أبواب بيوتهم القديمة بقبضات ليس لها لحم، وينادون الأهل، وينادون الأعداء دونما جواب». ومن مجموعة «دمشق الحرائق» يقول: «لكي يكون الإنسان سعيداً يجب أن يكون له شيءٌ ما ملكه ويخصه وحده». ومن «صهيل الجواد الأبيض» يقول: «قال بصوتٍ باردٍ قاسٍ: لماذا ولدتَ ما دمتَ بريئاً؟ جئتَ إلى هذا العالم كي تهلكَ وستهلكُ دونَ احتجاجٍ، أنتَ مجرمٌ وكُنّا نراقبك منذ أمدٍ طويلٍ؛ فالناس المشبوهون نعرفهم بسرعة ولا يستطيعون خداعنا».

بيان تشرين

بتاريخ 20 أبريل عام 1976 صدر بيان مشترك من قبل الكاتبين زكريا تامر ومحمد الماغوط في العدد 163 من جريدة «تشرين»، وكان هذا البيان ولا يزال وثيقة عمل للصحافة الحرة، التي تعمل من أجل هدف سامٍ يرتاح له العاملون في الصحافة من جهة، والمواطنون من جهة أخرى، ولابد من قراءة ما ورد فيه من إبداع في التعبير عن الحالة الأدبية والصحافية في الوقت ذاته، وجاء في هذا البيان:

«في هذا اليوم الأغر، نفتتح هذه الزاوية التي سنتعاقب على كتابتها بدءاً من يوم غد، بعزف مزدوج، حرصاً منا على تقديم صورة طازجة للتضامن، تكون قدوة لمن تناسوا محاسن وحدة الصف العربي، ونؤكد من خلالها أيضاً إحساسنا بالمسؤولية تجاه الكلمة والقارئ. ‏

إن أحوال القراء في بلدنا باتت، بفضل بعض الكتاب الأوثان وعابدي الأوثان، لا تختلف كثيراً عن أحوال الهنود الحمر قديماً، إنهم محاصرون كجنود طارق بن زياد، البحر من ورائهم والعدو من أمامهم، ليس لهم إلا الصبر والندم إذا ما قرأوا، أو الإحساس بالذنب والتقصير إذا ما أحجموا، ولذلك فإن مخاطبة القارئ واكتساب وده مهمة شاقة وصعبة كمحاولة اكتساب ود العصافير الدورية، ولكن النزيهة ستنتصر في النهاية، لأن قائليها هم الأغصان التي تحط عليها عصافير الدوري وليسوا الصيادين الذين يغدرون بها. ‏

صحيح أن الكلمة لا تستطيع أن تهز عموداً أو أن تبني السدود والمعامل والمستشفيات، ولكنها تستطيع ان تنبه الغافل وتوقظ النائم وتحرض المستكين، فمهمتها ان تصرخ ان هناك جوعا وجائعين، ولكنها لا تستطيع ان تبني فرناً أو مطعما، أن تعلن أن هناك مرضى ومشردين ولكنها لا تستطيع أن تبني مستوصفا أو مأوى للعجزة. ‏

تستطيع الكلمة أن تحرض على إشعال النار في البنى المتداعية، ولكنها لا تستطيع أن تكون اليد التي تحمل العاصفة.

‏ وكل من يقول بغير ذلك مزايد من رأسه حتى أخمص قدميه، وهو في النتيجة مضلل للحقيقة، وحفرة أمام الزهور المتجهة إلى أدغال الأميين. الكلمة إذا أريد لها أن تكون مصادفة، وتلعب دورها كاملاً في المجتمع يجب أن تفضح أول ما تفضح أولئك الذين يلعبون على حبالها والسكاكين في أيديهم، وما يطمئن أن قصة القرد الذي نشر الغصن الذي يجلس عليه لا تزال ماثلة في الأذهان. ‏

لن نعد القراء بأكثر مما نستطيع، ولن نغرقهم في مزيد من الآمال والأحلام، فما أنتج حتى اليوم من كلام عربي لم يترك فرصة لمستزيد، ولكننا نؤكد لهم، لجياع الكلمات الحرة الصادقة أننا لن نغشهم، لن نستخدم الحصى في قدورنا المغلقة، وحين نبصر كأساً مليئاً حتى منتصفه بالماء، فسنحاول ان نصفه دونما كذب، ولن نتجاهل الماء، ولكننا في الوقت نفسه لن نتجاهل القسم الفارغ، مؤمنين أن اطلاق النار على كل ما هو سلبي في حياتنا هو وحده واجب الكلمة، بعيداً عن الرياء والزلفى.

‏ وبالمقابل لا نريد اعطاء الدروس لأحد في الحب أو الوفاء أو الصحافة، فلو كنا من هواة الدروس والتدريس لواظبنا على دراستنا منذ الصغر، ولزرنا المركز الثقافي العربي ولو مرة في الشهر. ولكننا نحاول ان نلفت النظر، وإعادة الاعتبار إلى بعض القيم الأدبية التي كادت تندثر ملامحها كالعملة الورقية من كثرة التداول والاستعمال في بقاليات الأدب والمتأدبين. ‏

والثمن الذي نطلبه لا يوجد في درج المحاسب، بل في ابتسامة عامل أو زفرة ارتياح من مواطن لا نعرفه ولا يعرفنا»./محمد الماغوط- زكريا تامر.

في عام 1978، انتقل الماغوط ليكتب «أليس في بلاد العجائب»، في مجلة المستقبل الأسبوعية الصادرة في باريس، وكان لمشاركاته دور كبير في انتشار «المستقبل»، على نحو بارز وشائع في سورية.

«كاسك يا وطن»

يستمر الماغوط في عطائه المسرحي الكوميدي الساخر والهادف، ليكتب في عام 1979 مسرحيته «كاسك يا وطن» التي لا تزال عالقة في الأذهان، في كل مناسبة نستحضرها، خصوصا ًفي ظل الأوضاع السائدة عموما في المنطقة. وتعتبر من أشهر المسرحيات الكوميدية العربية الناقدة والهادفة، إذ حققت نجاحاً كبيراً في شتّى أرجاء العالم العربي والمغتربات. وهي من تأليف الكاتب والشاعر محمد الماغوط، ومن إخراج خلدون المالح، والبطولة للنجم السوري القدير دريد لحام. ولا تزال كلمات هذه المسرحية تصدح في أذهاننا، وتجعلنا نتوقّف عند الزمن الذي أطلقت فيه وزمننا الحاليّ.

اعتبرها البعض بمثابة اختراق للحالة الأمنية والقبضة الحديدية، التي كان يمر بها الوطن العربي، حيث إن الموافقة عليها وإجازتها من الدولة السورية في حينه بمكوناتها الأمنية المختلفة، شكلت حالة تحول في التقاط نظام الحكم لحالات التغير والاختلاجات النفسية الدفينة لدى الشعوب.

الممثلون: هالة شوكت، وعمر حجو، وصباح الجزائري، وشاكر بريخان، وحسام تحسين بيك، وسوزان فخري، ونبيل خزام، وهيام طعمة، وسمير حلمي، وسلمى المصري، وعمر بدرخات.

تامر... جواد أبيض صاهل

زكريا تامر هو أديب وصحافي سوري من حي البحصة الدمشقي، ولد عام 1931م وترك المدرسة في سنّ متقدمة من حياته، وهو في الثالثة عشرة من عمره عام 1944، وتنقّل بين عدّة أعمال أهمّها مهنة الحدادة التي زاولها منذ تركه للمدرسة، وإن تنقّل بين عدّة مهن، لكنّها تبقى مهنته التي وُسِمَ بها، وقد بدأ الكتابة عام 1958م وكان وقتها ما يزال حدّاداً فكتب مجموعته القصصيّة الأولى «صهيل الجواد الأبيض»، وبعدها بعامين اضطُرَّ لترك العمل بسبب أزمة طالت البلاد كلّها وأسفرت عن بطالة كبيرة، وقبل ذلك كان قد تعرّف على يوسف الخال، ومن هناك بدأ طريقه. «صهيل الجواد الأبيض» هي المجموعة القصصيّة الأولى له، وتدور في إطار مأساوي ينبع من ذات الكاتب المثقلة بالحزن. ومن مؤلفات زكريا تامر: «ربيع في الرماد»، وهي مجموعة قصصية تحكي خفايا عالم دمشق، وأيضاً «دمشق الحرائق» وهي أضخم مجموعاته القصصية التي يحكي فيها على لسان أبطال كُثر واقع الإنسان الدمشقي، و«هجاء القتيل لقاتله» وهي مجموعة مقالات قصيرة، و«النمور في اليوم العاشر» وهي مجموعة قصصية أقرب إلى أن تكون سياسية، وأيضاً: الرعد، ونداء نوح، وسنضحك، والحصرم، وتكسير ركب، والقنفذ، وندم الحصان، ولماذا سكت النهر، والجراد في المدينة.

شادي عباس