ملك القدود وسيد الموشحات وحارس التراث (6-13)

• صباح يؤذّن بـ«حي على الجهاد» عبر إذاعة حلب في حرب أكتوبر 1973

• ملك الطرب يغني لفلسطين في مؤتمر القمة العربية بالجزائر

جمع صباح فخري الفن من أبوابه جميعها، ولم يتوانَ عن الغناء لأي قضية، وخاصة في المناسبات الوطنية المتعلقة بالوطن الأم سورية، والوطن العربي، وربطته مع مصر علاقة جيدة منذ التسعينيات، وكانت تلك العلاقة متمثلة بصداقته مع الموسيقار محمد عبدالوهاب، الذي كان حاضراً في حياة صباح الفنية، وخصوصاً في سورية التي كان يزورها موسيقار الأجيال باستمرار ويقيم فيها السهرات، مستمتعاً بصوت صباح فخري الرائع.

الأغنية الوطنية

قدم صباح فخري في أيام حرب تشرين (أكتوبر)عام 1973 الأذان، عبر إذاعة حلب: «حي على الجهاد، حي على الجهاد، الله أكبر»، ما حدا بالحكومة الإسرائيلية إلى إصدار أمر بحرق ألبوماته في الشوارع، كما أنه خلال حفل في الأردن أَوقف ابنه على باب المسرح للتأكد من جوازات سفر الحضور، خوفا من تسلل إسرائيليين إلى الداخل، وقام بطرد بعضهم ممن أرادوا حضور حفلته. ومع زملائه في الإذاعة، أعد صباح أغنية وطنية لحنها الأستاذ إبراهيم جودت، وتم التجهيز لها بسرعة، في صالون الإذاعة، بحشد كادر فني من العازفين والمرددين، وتم البث المباشر من إذاعة حلب، وتقول القصيدة:

وطني ونذرتُ له العهدَ

بدمي وبذلتُ له الجهد

أقسمت له قلباً ودما

ليكون المجد له عقدا

وطني حب يسري بدمي

وطني عنوان للشمم

وطني يا نبراس الأمم

إني أخلصت لك الوعدَ

ومن الأغاني الوطنية، التي غناها أغنية «أطل كالصبح»، بمناسبة عيد الجلاء، وشارك بأغنية موطني، وأغنية «وعيتك»، و«حب وطني يسري بدمي».

ويتحدث فخري بتفصيل أكثر عن الأغنية الوطنية في عدة مناسبات، ومنها مشاركته بمهرجان الاغنية الوطنية الاردنية، وقد عين وقتها رئيسا للجنة التحكيم. يقول فخري لصحيفة الدستور الأردنية: أنا أعرف الأغنية الوطنية في بلاد الشام، ويهمني العمل الفني الجيد، الذي يدعو الى الوحدة العربية ويتجاوز ما بذره الاستعمار فينا من تفرقة وانقسام. حقيقة أزور الاردن وأستمتع بالحوارات واللقاءات، وأحيانا أستفيد من وجهة نظر تقال هنا وهناك، وأحيانا أخرى تكون توصية لعمل قادم. ومهرجان الأغنية الأردنية الوطنية بحاجة إلى دعم من الدولة الأردنية، فهو مهم لإبراز الطاقات والمواهب. كنا نحفظ ونردد الاغنية الوطنية، ولا فرق بينها وبين الاغنية القومية، مثل أغنية «بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان»، وأغنية «موطني»، وأغنية «بلادي بلادي».

غنى صباح فخري لفلسطين عام 1948 أمام ميكروفون الاذاعة السورية، وكانت أغنية بعنوان «مرحب بالعربان»، كما غنى قصيدة الشاعر الفلسطيني عبدالرحيم محمود «سأحمل روحي على راحتي»، وغنى أيضا في مؤتمر القمة العربي الذي عقد بالجزائر. يضاف إلى ذلك أنه سجل أغنية على هامش القمة العربية، التي عقدت في دمشق، وهي من شعر السفير السوري بالقاهرة عيسى درويش.

ويكرر فخري دائماً أنه لم يغنّ لأشخاص بل لبلاد، مضيفاً أنه ليس من العيب أن تغني لأشخاص ما داموا يشكلون رموزا لشعوبهم، لكني أرى أن رئيس الدولة -أية دولة- هو أكبر من تناوله بالغناء، وأفضل الغناء للوطن.

كما يعتبر فخري الأغنية الوطنية باباً من أبواب الشعر، وكانت العرب تفخر بشعرها الوطني والسياسي. ويذكر أغنية فريد الأطرش «بساط الريح»، التي تذكر معظم البلاد العربية وتعبر عن الوحدة.

ويؤكد المطرب السوري صباح فخري، أنه كان أول مطرب عربي يشارك في قمة للزعماء والرؤساء العرب، عندما غنى في مؤتمر القمة العربية بالجزائر، ومما نذكره أيضا في سيرة حياته أنه كان رئيس مهرجان الرواد العرب في دمشق.

سهرة مع عبدالوهاب

تتحدث السيدة شذا نصار في كتابها «صباح فخري... سيرة وتراث»، عن إحدى السهرات النادرة والمميزة التي أقيمت في منزلها في الزبداني، وجمعت صباح فخري ومحمد عبدالوهاب ونهلة القدسي ونزار قباني وزوجته بلقيس، وتقول: اختار الموسيقار الكبير لنفسه مكاناً آمناً تحت سقف الشرفة العليا للبناء، فمن عادته ألا يجلس في مكان مكشوف. التف الجميع مقتربين منه، وجلس صباح غير بعيد عنه يداعب أوتار عوده. بدأت السهرة اللطيفة مع عمالقة الغناء والموسيقى والأدب. غمرت النشوة قلوب الحاضرين، وتجاوب كل بطريقته مع تغريد صباح، وعبر الجميع عن طربهم، بينما كان الموسيقار الكبير يردد «الله» كلما أقفل صباح جملة غنائية، ثم فوجئنا به ينادي: «يا علي بيه، يا علي بيه، اديني السيجار وحياة أبوك»، وهو زوج السيدة شذا.

فالتفت أبو تميم إلى السيدة نهلة وقال: سيجار؟! لأنه يعرف مدى كره عبدالوهاب للدخان، وتجنبه له على الدوام، فردت نهلة والابتسامة تعلو وجهها: «ما عليه، اديلو، ودا دليل أنو انطرب وسلطن، سوف يضعه بين شفتيه دون أن يدخنه». فقدم له أبو تميم علبة السيجار ليختار سيجاره المفضل، ففعل ووضعه بين أسنانه، وبعد قليل مع ازدياد طربه قال: «يا علي بيه، يا علي بيه، ولعلي». مع استغراب زوجته نهلة، فأشعل له السيجار واستمر الموسيقار عبدالوهاب بالاستماع بكل سلطنة إلى ما يجود به صوت صباح فخري الأخاذ.

وفي حديث لاحق، تحدث الفنان صباح فخري عن عدم تعاون الموسيقار محمد عبدالوهاب معه، فيما يخص تلحين القصيدة، فقال: الأستاذ محمد عبدالوهاب عظيم. ضمنياً ليس لديه رغبة في تلحين القصيدة، ولكنه تحجج بحجج واهية، قائلا إن الأزهر هو من لم يوافق على تلحين القصيدة: «كل شيء موقع فيك حتى ... لفتة الجيد واهتزاز النهود»، لكنني تساءلت: كيف يوافق الأزهر على تلحين «أفوت عليك بعد نص الليل لما تنامي»؟ لقد كانت حجة غير منطقية.

وعندما سئل صباح مرة: لماذا لم يستقر في مصر؟ فقال إنه أراد أن تأتي مصر ويأتي العالم إلى سورية وإلى حلب. وقد نجح.

لم يأخذ منه عبدالوهاب بداية موقفاً إيجابياً إلى أن سمعه في حلب، انقطعت الكهرباء فغنى صباح فخري طوال السهرة من دون ميكروفون، كأنه يمسك عشرة ميكروفونات، وكانت النتيجة أن قال عبدالوهاب: «انت لو جيت مصر حتقعد المطربين في البيت»، وأرسل عبدالحليم صحافياً إلى الأستاذ صباح متسائلاً: هل سيسكن مصر؟ فطمأن صباح حليماً. وكان يمتدح دائما أم كلثوم والسنباطي، وهو لا يقل عنهما شهرة وعبقرية في الموسيقى.

صباح في مصر

في أولى رحلات صباح فخري إلى مصر، في زيارة عادية، كانت هناك محاولة لإجراء حوار مع صباح على الهواء مباشرة، مع مذيعتين مصريتين في برنامج «النادي الدولي»، وقد سئل في الحلقة ما الذي يغنيه فقال: من التراث النفيس. وغنى في الحلقة وأسمعهم «السيد درويش- أبو العلا محمد- محمد عثمان»، وكل هذا ضمن البروفات. ثم سألته المذيعة: إحنا عندنا في مصر أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب وعبدالحليم حافظ، انتو في سورية عندكو مين؟ فشعر صباح وقتها بالاستخفاف، وقال إنْ وجدت في المقابلة مثل هذا السؤال فلن أكمل الحوار، وحاول صباح الخروج من الاستديو، إلا أنهم تمسكوا به وقالوا له: لن نسأل هذا السؤال، ولن يكون في اللقاء إلا ما تريد. وفي المقابلة على الهواء، بعد أن غنى وعزف واستمع له الناس، عادت المذيعة وسألت السؤال ذاته! وهنا تجنب فخري إصدار أي رد فعل أو إظهار أي توتر أمام الجمهور على الهواء، وبكل لباقة وذوق قال لها: الشعب السوري يقول: عندنا صباح فخري ومحمد خيري وكثر غيرهم. وأكمل المقابلة، وقرر وقتها عدم العودة إلى مصر، إلا أنه عاد مجددا إلى مصر بعد عشرين عاما عندما استدعته السيدة رتيبة الحفني، مديرة دار الأوبرا المصرية، وقالت له: مكانك هنا في الأوبرا.

ويتحدث فخري عن تلك الزيارة قائلا: كانت زيارتي الأولى في منتصف التسعينيات تقريباً، حيث اتصلت بي الدكتورة الراحلة رتيبة الحفني، وطلبت منّي المشاركة في مهرجان الموسيقى العربية في إحدى دوراته. وشاركت فعلاً، وكنت في غاية سعادتي أنّي على أرض الكنانة.

ويتابع: للتذكير، فإنّ الجمهور المصري مختلف جداً عن أية جماهير أخرى، فهو يستمع إلى الفن وكأنه يتذوقه. ليست مجرد آذان تسمع الكلمات والأداء واللحن. لا، فهو أعمق من ذلك بكثير. لهذا أنا أشعر بحالة خاصة وأنا أعيش وسط هذا الجمهور الراقي. لكن هناك شيئاً واحداً أفتقده في مصر، بمجرد أن نزلت إلى مطار القاهرة شعرت أن هناك شيئاً ما ناقصاً، ودمعت عيني رغماً عني. حبيبي وصديقي ورفيق العمر الفنان الكبير الراحل، محمد عبدالوهاب. كان صديقي بكل ما تحمله الكلمة من معنى. بيننا حكايات وقصص بعيداً عن الفن. كان يزورني دائماً في دمشق. كنا نسهر ونضحك ونتبادل أطراف الأحاديث الشائقة ونتحدّث عن الأيام الجميلة، التي لا أملّ منها أبداً معه. مصر فقدت الكثير بفقدانه، لكنّ الحياة لا تدوم لأحد، وربنا يحسن ختامنا جميعاً. لو كان عبدالوهاب سيستقبلني في المطار اليوم، لأحضرت له صندوقاً من «قراصية» حلب، فقد كان عاشقاً «للقراصية»، وكان يتناولها يومياً بعد العشاء.

ويضيف: «مصر فقدت أحد أهراماتها برحيل محمد عبدالوهاب».

ولا ينسى صباح فخري ذكرياته مع الموسيقار والفنان الكبير سيد مكاوي، ويتحدث عنه: «مكاوي صديقي وحبيبي، وكان دائم الزيارة عندي في البيت بسورية، وبيننا ود كبير وطعام وعشرة طيبة»، وبسؤاله عن موسيقار الأزمان فريد الأطرش يقول صباح فخري: «إن موسيقار الأجيال عبدالوهاب قال إن ثلاثة أرباع من ألحانه تزن ربع ألحان فريد الأطرش»، وأضاف: «فريد هرم كبير، يقف على قمة الهرم الغنائي بجوار عبدالحليم وعبدالوهاب وأم كلثوم».

كما يتذكر فخري صديق عمره وديع الصافي، ويقول عنه: «بكيت بعد رحيله، وهذا الرجل أعطى عمره كله لفنه وشعبه، وظل معطاء طول حياته، وبرحيله فقدنا هرما فنيا كبيرا». أما النجمة صباح فكان لها مكانة خاصة عنده، يحمل لها دائما كل الحب والمشاعر الطيبة النبيلة... وينهي حديثه عنهم بقوله: «الله يرحمهم بقدر ما أسعدونا وأكثر».

أما اليوم فصباح يطرب للحن أغنية محمد عبده «الأماكن»، مضيفا أن الفنان عبده لا يزال يحافظ على قدراته الفنية كما كانت، كاشفاً أنه لا تعجبه كل أغانيه بل معظمها، وكذلك الحال بالنسبة لأغاني فيروز التي لحنها الفنان فيلمون وهبي ذات الطرب، وربما أكثر من ألحان الاخوين رحباني اللذين منحاها نوعا آخر من الغناء. كما تعجبه ألحان زكريا أحمد مثل أغنية «بكرة السفر» وأغنية «يا صلاة الزين»، وغيرها.

لا يعرف الناس أنه صباح فخري لم يغن لشعراء الخليج باستثناء الوزير د. عبدالعزيز خوجة، ولا يعرف الناس أن صباح فخري يضع طلال مداح في كفة وبقية المطربين في كفة أخرى، خصوصاً في الخليج.

القدود الحلبية

يصر صباح فخري دائماً أن يكون المطرب مجتهدا مجدا وباحثا عن العلم، الذي يمكنه من إتقان الغناء بشكل جيد بكافة قوالبه من جهة اللغة والكلمة واللحن وغيرها، ولم يتوانَ فخري في أي مناسبة عن تعريف المغني أو الناس عموما بأصول الغناء وتاريخه. وفي فيديو نشره «معهد صباح فخري للغناء والموسيقى في حلب» يشرح فخري معنى القدود ببساطة لإيصال الجوهر إلى المُتلقّي والمُستَمِع، بعيداً من المُغالطات الشائعة. وفي هذا الإطار يقول إن حلب كان لها قصب السبق في إشهار هذا النوع من الغناء، أي أنها السبّاقة، ولذلك نُسِبَت القدود إلى «الناشر» وسُمّيت قدوداً حلبية، بينما القدود موجودة في مصر ولبنان والأردن وتونس وفي أيّ بلد عربي. الأخوان رحباني عاصي ومنصور كتبا «يا من يحنّ إليك فؤادي» التي غنّتها فيروز، علماً بأن كلماتها مختلفة عن «يا مال الشام»، لكن اللحن هو ذاته... و«أذكر الأيام يا حُلْوَ الهوى/ في حنايا الغاب عند الجدول/ حين كنّا والهوى حلو الغوى» (بصوت فيروز) كلماتها تختلف عن «بالذي أسكر من عذب اللمى» لكن اللحن يبقى ذاته. وفقاً لما يوضحه صباح فخري، القدود تتمثّل في قَدِّ الشِّعر، اللحن واحدٌ، فيما تتغيّر الكلمات وتتأرجح بين الصوفيّ والغَزَليّ.

معركة الهوية والجذور

يقول صباح إن المستعمر يسعى لطمس جذورنا من خلال الإعلام والمسلسلات والأفلام والأغاني والآلات الموسيقية الغربية (غير الشرقية) التي تشوه موسيقانا.

ويضيف حارس التراث: اللغة العربية هويتنا، والعامية ضد الهوية، ولابد من الوقوف سداً منيعاً في وجه العولمة والغزو الثقافي والانترنت، ولابد من تعريف الطفل خصوصية الهوية العربية والتاريخ العربي. لابد أن يعرف جذوره، بحيث لا يكون فارغاً، ويستقبل فقط ما يأتيه من الغرب.

ويتابع: إننا في حالة حرب لمسح هويتنا واجتثاث جذورنا، لنكون معلقين في الهواء. وللأسف هناك «مطربون» نسوا تاريخهم وتراثهم، ولهذا فهم يهربون من الغناء بلغتهم، متسائلاً: من يغني «الدور» في مصر الآن؟ لا أحد، للأسف.

شادي عباس