رجاء الجداوي... نجمة الأناقة في السينما المصرية (1 - 5)

كان عام 1958، بداية دخول الفنانة رجاء الجداوي إلى عالم الأضواء والشهرة، وحصلت على «وشاح سمراء القاهرة» في كرنفال أقيم بحديقة الأندلس في القاهرة، ونالت من خلاله لاحقاً لقب «ملكة جمال حوض البحر الأبيض المتوسط»، كما فازت بلقب «ملكة جمال القطن المصري»، وحازت أيضاً جائزة «ملكة القطن المصري» في مسابقة ثقافية باعتباره أشهر المنتجات المصرية التي كان يجري تصديرها في خمسينيات القرن العشرين، وفازت باللقب بعد نجاحها في الإجابة عن سؤال حول أنواع القطن المختلفة والفرق بينها.

إشاعة حب

واتجهت «سمراء القاهرة» للعمل في مجال عروض الأزياء، ولفتت انتباه المخرج أحمد بدرخان، لتخوض تجربتها الأولى في عالم التمثيل بدور صغير في فيلم «غريبة» (1958)، وتقف أمام الكاميرا مع النجوم أحمد مظهر، وأحمد رمزي وعماد حمدي وزوزو ماضي، واختار لها بدرخان اسم «رجاء» حتى لا يتشابه اسمها مع اسم بطلة الفيلم المطربة نجاة الصغيرة.

ودارت أحداث الفيلم حول ابنة وحيدة لأب حريص على عدم الزواج إكراماً لها، وقد طلَّق أمها التي تزوجت من رجل مرموق، وتسافر إلى أمها وينتهز والدها الفرصة ليتزوج من امرأة أخرى، وتشعر الفتاة بأن منزل أمها لا يوافقها، خصوصاً بسبب المضايقات المتكررة من أخيها لأمها، وتحاول الأم مع زوجها مساعدتها للتخلص من عزلتها، وإقناعها بالزواج من ابن الجيران، وبداية حياة جديدة.

وفي هذا الفيلم كشفت الممثلة الصاعدة عن موهبتها في تلقائية الأداء، ما جعل المخرج هنري بركات يرشحها لتلعب دور «خديجة» في فيلم «دعاء الكروان» (1958)، المأخوذ عن قصة لعميد الأدب العربي طه حسين، وتلك المرة وقفت أمام سيدة الشاشة فاتن حمامة وأحمد مظهر وزهرة العلا وأمينة رزق وعبدالعليم خطّاب.

لعبت رجاء دور الفتاة المرحة في فيلم «غريبة»، بينما في «دعاء الكروان» جسّدت دور الفتاة الطيبة التي تساعد آمنة (فاتن حمامة) على تخطي أزمتها، ورغم ظهورها في مشاهد قليلة، فإنها تركت انطباعاً جيداً لدى جمهور الفيلم، وعادت للظهور على الشاشة مرة أخرى في فيلم «إشاعة حب» عام 1960، للمخرج فطين عبدالوهاب، ولعبت دور الفتاة الأرستقراطية «زيزي» أمام النجمة سعاد حسني وعمر الشريف ويوسف وهبي وعبدالمنعم إبراهيم.

وفي ذلك الوقت استطاعت رجاء أن تحقق نجوميتها في مجال آخر، وصارت من أشهر عارضات الأزياء في مصر، وتصدرت صورها صفحات الجرائد والمجلات الفنية، وظلت تمارس التمثيل كهواية، بينما كرّست اهتمامها للمشاركة في عروض الأزياء، من دون أن تقطع الخيط الرفيع الذي يربطها بشاشة السينما، ولعل نجمة الأناقة كانت تبحث عن فرصة حقيقية، لتثبت أنها جديرة بأدوار البطولة، لكنها مثل سائر الفنانين الكبار، أظهرت براعة فائقة في الأدوار التي جسدتها، من دون أن تكترث بمساحة الدور المعروض عليها.

طريق الفن

بدأت رحلة رجاء الجداوي، بمولدها في 6 سبتمبر 1938، في مدينة الإسماعيلية (شمال شرقي القاهرة)، لأسرة عربية ميسورة الحال تعود أصولها إلى ينبُع في غربي الجزيرة العربية، من أب من أصل حجازي وأم من أصل نجدي، وكان جدها الأكبر «الجداوي» يعمل في تجارة البحر بين مصر والحجاز، واستقر في مدينة السويس بعد أن تزوج منها، وأنجب جدها «حسن» بينما جدها الثاني من مواليد السعودية، وكان يملك صندلاً بحرياً قبل الانتقال والعيش في السويس، ولا تزال لهم أصول تعيش في السعودية حتى اليوم.

واهتم جدها حسن (والد أبيها) بتنشئة أطفاله على العادات والتقاليد الأصيلة، فزوّج ابنه «علي» بالسيدة فاطمة النبوية وهي ابنة رجل من العقيلات من منطقة عنيزة في القصيم، فأنجبت رجاء، وبعد فترة انفصلت أمها عن أبيها، وانتقلت الطفلة ذات الثلاثة أعوام برفقه شقيقها الأصغر «فاروق» للإقامة مع خالتها الفنانة تحية كاريوكا التي تولت رعايتهما بعد طلاق والدتها.

لعبت المصادفة دوراً كبيراً في حياة الطفلة الصغيرة، وتفتح وعيها على عالم مختلف، وباتت خالتها مثلها الأعلى، ووجدت عندها الحنان والرعاية، والتحقت بمدرسة «الفرنسيسكان، وبقيت معها حتى بلغت 14 عاماً، وقررت أن تتخلى عن حياتها المرفهة، وتبحث عن عمل، للوقوف إلى جانب والدتها في أزمتها، بعدما أفقدتها قرارات التأميم في مصر إبان عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر ممتلكاتها.

وقطعت الجداوي دراستها في المدرسة الفرنسية، بعد أن حازت المركز السادس على «القُطر المصري»، ما كان سيؤهلها للفوز بمنحة لإكمال دراستها في فرنسا، إلا أنها خلفت كل ذلك وراءها، ولجأت إلى أحد أصدقاء خالتها تحية، الذي وظفها كمحاسبة في «كراج» لشركة نقلٍ عام يملكها.

قطار النجومية

وتتابع التحوُّل في نمط حياة الجداوي بعمرٍ مبكر، وشاء القدر أن تعيش بعيداً عن والديها، وبدلاً من أن تذهب إلى فرنسا، ذهبت إلى «الكراج» وتلك النقلة من مدرسة داخلية ومربية إيطالية، إلى العمل بكراج، دفعتها للتوازن النفسي، بينما قد يتسبب لغيرها بخلل نفسي رهيب، ولكنها قررت أن تترك منزل خالتها، رغم أنها كانت بمثابة الأم التي ربتها، وتدين لها بالكثير، واختارت أن تحقق ذاتها كفتاة ناضجة، ولديها قدر كاف من التعليم، مع إجادتها الإنكليزية والفرنسية والإيطالية.

وبعد فترة قصيرة من عملها كمحاسبة في «الكراج» وخلال حضورها مع والدتها إحدى الحفلات على ضفاف النيل، اختيرت بالمصادفة للفوز بلقب «سمراء القاهرة»، حينما جرى تسليط الأضواء الكاشفة على الحضور لاختيار فتاة لنيل اللقب، بسبب عدم رضا اللجنة عن الفتيات اللواتي تقدمن رسمياً للمسابقة، وتأهلت بهذا الفوز للمشاركة في منافسات «ملكة القطن المصري»، فشاركت فيها بالفعل وعينها على الجائزة التي كان من شأنها أن تعيد قطار العمر إلى مساره نحو النجومية والشهرة.

في تلك الفترة، تعاملت عارضة الأزياء مع السينما كضيفة شرف، وشاركت في بداية الستينيات بأدوار صغيرة في عدة أفلام، منها «مخلب القط» و«الفرسان الثلاثة» و«الضوء الخافت» (1961)، و«القاهرة في الليل» (1963)، والأخير قام بإخراجه محمد سالم، وبطولة شادية وصباح ونادية لطفي وفؤاد المهندس، ومها صبري وليلى طاهر، ودارت أحداثه في إطار غنائي حول مجموعة من الشباب (ثلاثي أضواء المسرح) يحاولون مقابلة الفنانة صباح لكن انشغالها يجعلها تؤجل المقابلة، وفي أثناء تواجدهم بمبنى التلفزيون يقومون بالعديد من المغامرات الكوميدية.

أزمة كاريوكا

عاشت رجاء مع خالتها 11 عاماً، وظلت ترعاها كابنة لها، وعوّضتها عن حرمانها من الأمومة، وبعد رحيل الفنانة تحية كاريوكا بعدة سنوات، جسّدت الجداوي دورها في مسلسل «السندريلا» (2006)، للمخرج سمير سيف، ودارت أحداثه حول قصة الفنانة سعاد حسني، وشارك في بطولته منى زكي ومدحت صالح.

واعترضت رجاء وورثة الفنانة الراحلة تحية كاريوكا على تقديم سيرتها في عمل تلفزيوني، وطالبوا بعرض السيناريو عليهم قبل التصوير حتى لا يُساء إليها. كما هددوا القائمين على العمل بمقاضاتهم في حال بدء التصوير من دون الاطلاع على السيناريو.

وفي ذلك الوقت رشحت الفنانة وفاء عامر لتقوم بدور «كاريوكا» وخضعت لتدريبات مكثفة في الرقص والاستعراضات مع الفنان عاطف عوض، وبدأ تصوير المسلسل في عام 2011، تأليف فتحي الجندي وإخراج عمر الشيخ، وشارك في بطولته عزت أبوعوف، وأيتن عامر، وفادية عبدالغني.

وواجهت الشركة المنتجة أزمة تسويقية كبيرة بعدما رفض عدد كبير من القنوات الفضائية شراء حق عرض المسلسل في رمضان خلال عام 2012، بدعوى أن بطلته ليست من نجمات الصف الأول، وهو الأمر الذي سيؤثر سلباً في نسبة المشاهدة والإعلانات في هذه المحطات، لذلك، رفضت القنوات شراء المسلسل، ما تسبب في أزمة كبيرة لشركة الإنتاج، لكنها أجرت مفاوضات جديدة مع محطات أخرى، وظهر المسلسل على الشاشة في ماراثون هائل من المسلسلات، وتميز بتكلفة إنتاجية ضخمة، لكن الأزمة التسويقية قللت من ارتفاع نسبة المشاهدة.

في تلك الأثناء، أبدت رجاء الجداوي، استياءها من مسلسل ‹كاريوكا› الذي يرصد حياة خالتها، ورأت أن قصة المسلسل بعيدة كل البعد عن حياتها الحقيقية، وكل ما يجري مشاهدته في المسلسل لم يحدث، مثل ظهور شقيق كاريوكا وهو يلقمها الطعام والشراب وهي جالسة بجوار الحائط، ومشهد تواجدها في منزل الراقصة بديعة مصابني وهي تقبل يدها وكأنها خادمة لديها، والحقيقة أن كاريوكا حينما ذهبت إلى منزل مصابني جعلت منها نجمة في أسرع وقت.

وقبل بدء تصوير هذا المسلسل ذهبت رجاء إلى مؤلف العمل فتحي الجندي وطلبت أن تقرأ السيناريو، لكن المؤلف تجاهل كلامها تماماً، واستاءت لعدم لجوئه إلى عائلة كاريوكا لجمع المعلومات عن حياتها، لا سيما أن العديد من أفراد أسرتها ما زالوا على قيد الحياة، وأن الورثة الشرعيين أقاموا بالفعل منذ فترة دعوى قضائية ضد القائمين على العمل الذي لا يمسّ حياة كاريوكا بأي شيء، وأنها ليست معترضة على تجسيد زميلتها وفاء عامر لشخصية كاريوكا، لأنها فنانة موهوبة ومجتهدة.

وطلب المؤلف فتحي الجندي وأسرة المسلسل من الجداوي أن تؤجل اعتراضها حتى مشاهدة كل الحلقات، لأن معلوماته التي جمعها عن شخصية «تحية كاريوكا» والفترة التاريخية التي عاشتها استند فيها إلى مذكرات الراقصة الراحلة مع المفكر إدوارد سعيد والكاتب صالح مرسي، والإعلامي إمام عمر.

عرّافة تنبأت بموتها في حادثة عالمية!

في مفارقة عجيبة، توقعت سيدة تقرأ الوَدع (عرّافة) وفاة رجاء الجداوي في حادثة عالمية، وذلك في عام 1960، حين كان يجري تصوير مشاهد فيلم «إشاعة حب» في فيلا عبدالرحمن باشا لطفي بمدينة بورسعيد. وأثناء التصوير لمح مصمم ديكورات الفيلم عثمان حسين هذه العرافة تقف على باب الفيلا حاملة سلة في يدها، فتوجه إليها وعرف أنها تقرأ الودع وكانت تحمل في يدها سلة بداخلها قواقع. وكان ذلك في رابع أيام تصوير الفيلم، وطلبت منه مقابلة سعاد حسني لكنه اعتذر لها وتركها، ثم لاحظ أنها لا تزال واقفة أمام الفيلا، وخلال استراحة التصوير تحدث عن ذلك الموقف أمام نجوم العمل، فلم يمانعوا دخولها على سبيل التجربة، فأدخلها مصمم الديكور وجلسوا في حديقة الفيلا، وبدأت بالحديث مع رجاء الجداوي وأخبرتها أنها سترى الكثير في حياتها وستسمع أخبار صديقاتها وأبناء صديقاتها، فقالت لها رجاء: «هل تقصدين أنني سأعيش حتى أصبح عجوزاً؟». فقالت العرافة: سنموت جميعاً يا ابنتي»، وتابعت: «قد يكون ميعادك في حرب كبيرة مثل الحرب العالمية الثانية، أو في هوجة بحر لا يستطيع أحد صدها». ويبدو أن النبوءة تحققت بعد 60 عاماً مع رحيل رجاء متأثرة بإصابتها بفيروس كورونا الذي شكل جائحة عالمية.

«عارضة مصر الأولى» بأمر الرئيس عبدالناصر

كانت رجاء الجداوي على موعد مع الحظ، في أحد أيام عام 1958، حيث كان بين أعضاء لجنة تحكيم مسابقة «ملكة القطن المصري»، المخرج هنري بركات، الذي اختارها لدور «خديجة بنت المأمور» في فيلم «دعاء الكروان» كما لفتت أنظار مصمم الأزياء اليوناني «بيير كولوفاس»، فقرر تأهيلها للدخول إلى عالم عروض الأزياء، وبذلك تكون هذه المصادفة بوابتها لبناء مسيرتها المهنية الممتدة على مدى أكثر من 60 عاماً، كممثلة وعارضة أزياء.

وفي عام 1961 مثلت رجاء الجداوي مصر في الهند، لتقديم عروض أزياء تروج للقطن المصري، وتزامنت مع زيارة رسمية للرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وحينما اكتشف بالمصادفة أنها عارضة الأزياء المصرية الوحيدة إلى جانب أجنبيات في الوفد المصري، وجَه بتكليفها لتدريب عارضات أزياء مصريات، بحيث يكون تمثيل البلاد بالمحافل الدولية حكراً على المصريين، وبذلك أصبحت رجاء لسنواتٍ طويلة «عارضة مصر الأولى».

أحمد الجمَّال