لماذا احتاج سكان ميانمار إلى انقلاب عسكري للتحرك؟

طوال سنوات، كانت نشاطات ثينزار شونلي يي ضد وحشية جيش ميانمار تُقابَل في أفضل الأحوال بحماس فاتر، أو تجعلها في أسوأ الأحوال عرضة لصدام مع أقوى الجهات محلياً، بما في ذلك أونغ سان سو كي.

لكن غداة تسلّم الجيش للسلطة عبر انقلاب صادم قبل أيام، واحتجاز سو كي، وإعادة البلد إلى النظام الدكتاتوري، وجدت شونلي يي نفسها فجأةً وسط حشود من المتظاهرين الذين يلوّحون بالأعلام ويرفضون الحُكم العسكري.

في الأيام التي تلت الانقلاب، نظّم مئات آلاف الناس مسيرات حاشدة في أنحاء البلد، وفي المدن التجارية على الحدود الصينية وأعلى البلدات في التلال، وحتى في العاصمة الضخمة التي بُنِيت جزئياً لحماية القادة من مظاهر الاستياء الشعبي كتلك الحاصلة اليوم.

لكنّ التظاهرات التي نظمتها ثينزار شونلي يي لدعم الصحافيين ورفض الانتهاكات بحق الأقليات والمطالبة بإنهاء الصراعات الداخلية المتعددة في ميانمار لم تجذب إلا حشوداً صغيرة، وكانت تتألف في معظمها من معارضين شباب وعدد صغير من المراسلين. لماذا لم تكن تلك التجاوزات والأعمال الوحشية التي ارتكبها الجنرالات النافذون حتى الآن، بما في ذلك المزاعم المرتبطة بحصول تطهير عرقي وإبادة جماعية، كافية لتحريك الناس؟ تتساءل شونلي يي: ألم يسمع هؤلاء المحتجون يوماً بحصول تلك الانتهاكات؟

في بلدٍ خرج في عام 2011 من حُكم عسكري مريع وعزلة تامة امتدت على عقود، أدى الانقلاب هذا الشهر إلى تأجيج الغضب تجاه القوات المسلحة وتعبئة الجيل الشاب من المحتجين. أعلن دكتاتور البلد الجديد، مين أونج هلاينج، أنه سيتجاوز نتائج الانتخابات الديمقراطية التي شهدها العام الماضي وخسر فيها الحزب الموالي للجيش، ويتسلم السلطة بنفسه لضمان إرساء "نظام ديمقراطي حقيقي ومنضبط". رداً على هذا التحرك، أعلن الرئيس الأميركي جو بايدن منذ أيام أن الولايات المتحدة ستفرض عقوبات جديدة ومستهدفة ضد عناصر الجيش المسؤولين عن ذلك الانقلاب وعائلاتهم، وتمنع الجنرالات من الوصول إلى الأموال المخصصة لحكومة ميانمار في الولايات المتحدة وتصل قيمتها إلى مليار دولار.

لكنّ الانقلاب الأخير دفع البعض في ميانمار إلى إعادة النظر بدرجة قبول الجيش في المجتمع رغم سلوكه المشين، وهو شيء لم تُحققه الحملة الوحشية ضد جماعة الروهينغا، علماً بأن القوات المسلّحة تواجه راهناً تُهَماً بارتكاب إبادة جماعية ضدها.

وبدأ الناس فجأةً يميّزون بين الشركات العسكرية الراسخة في الاقتصاد المحلي والكيانات الأخرى، وتلاحقت الدعوات إلى مقاطعة الماركات العسكرية والمتاجر التي يملكها أشخاص كانوا يدعمون المجلس العسكري. كذلك، لجأ ممثلون إلى مواقع التواصل الاجتماعي للتعبير عن دعمهم للتظاهرات، مع أنهم ما كانوا يعارضون سابقاً تصوير مسلسلات كوميدية وأفلام مع شركة إنتاج تملكها ابنة قائد الجيش المعروفة في الأوساط الاجتماعية في مدينة يانغون. برزت أيضاً ردة فعل تجارية دولية، فأنهت شركة البيرة اليابانية "كيرين" شراكتها مع مصنع البيرة المدعوم من الجيش في ميانمار بعد إبرام الاتفاق معه حين كانت القوات المسلحة لا تزال تخضع للعقوبات الأميركية. حتى أن بعض المتاجر في ميانمار أوقف تخزين البيرة بالكامل. كذلك، انسحب رجل أعمال بارز في سنغافورة من هذه الاستثمارات، مع أنه كان يملك حصة كبيرة في شركة السجائر التابعة للجيش.

هذه التحولات المفاجئة ليست محصورة في قطاع الأعمال. فقد تجمّع المحتجون منذ أيام أمام مكتب الأمم المتحدة في يانغون لمطالبة هذه الهيئة الدولية بالتحرك، مع أن الحكومات المحلية المتلاحقة ومعظم الرأي العام اعتادوا شيطنتها طوال سنوات باعتبارها منحازة ضد ميانمار، لأنها تنتقد سجل البلد في مجال حقوق الإنسان، لا سيما طريقة تعامله مع جماعة الروهينغا. حتى أن إدارة سو كي اتّهمت العاملين في الأمم المتحدة بمساعدة الإرهابيين ومنعت مبعوث حقوق الإنسان التابع لها من دخول البلد.

في غضون ذلك، انتشرت عبر صفحات "فيسبوك" و"تويتر" دعوات تطالب وسائل الإعلام بإخبار العالم بحقيقة ما يحصل في ميانمار. لكنّ المراسلين الذين يحصدون الإشادة اليوم كانوا قد تعرّضوا لهجوم متكرر من الرأي العام والجيش والحكومة، وحتى زملائهم، في ظل تدهور حرية الصحافة في السنوات الأخيرة. وقال أحد مستشاري سو كي، وهو قيد الاعتقال راهناً، إن تغطية أزمة الروهينغا ارتكزت على "أخبار كاذبة". كذلك، اضطرت صحافية فائزة بجائزة "بوليتزر" للهرب من البلد حفاظاً على سلامتها منذ ثلاث سنوات.

قد تحمل هذه التحولات المدوّية بعض التناقضات لكنها جعلت الناشطين من أمثال ثينزار شونلي يي يشعرون بخيبة أمل. بعد يوم على التظاهرات التي شاركت فيها شونلي يي، وجدت هذه الأخيرة صعوبة في احتواء مشاعرها في لحظات معينة، فقالت: "كان الناس يعرفون هذه المسائل كلها منذ وقت طويل، ومع ذلك لم يثوروا ضدها".

تضيف شونلي يي أن الظلم الذي يشعر به الناس في أنحاء ميانمار هو ما تتعرّض له الأقليات العرقية منذ فترة طويلة، ولطالما تجاهله الناس في يانغون، أكبر مدينة في البلد، لا سيما أغلبية "بامار" العرقية. كانت تلك الأقليات تخبر العالم وميانمار بأن الجيش ليس محقاً في ما يفعله، وأن الناس يتعرضون للقتل، لكنّ سكان ميانمار لم يهتموا بذلك.

طوال عقود، تعرّضت الأقليات العرقية التي تتكلم لغاتها الخاصة وتحمل ثقافات مختلفة في ميانمار لحملة متعددة الجبهات لمحو هويتها الحقيقية. يشمل جزء من هذه الحملة غير الرسمية اعتداءات وانتهاكات على يد الجيش الذي تطغى عليه جماعة "بامار"، لكن تحمل جوانب أخرى طابعاً خبيثاً أيضاً، ولو أنها أقل عنفاً: يهدف تدمير المواقع الدينية غير البورمية وقمع اللغات والتقاليد الأخرى إلى طمس الهوية التي تختلف عن جماعة بامار. حين تسلمت "الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية" برئاسة سو كي السلطة في عام 2015، تمنى الكثيرون أن تُرسّخ القيادة الجديدة المصالحة في البلد وتدافع عن الأقليات العرقية. لكنها عمدت إلى تهميش الكثيرين وبقيت على مسافة من الجماعات الأخرى. ثارت حفيظة الجماعات العرقية بعد بناء سلسلة مثيرة للجدل من التماثيل الجديدة لتكريم والدها، بطل الاستقلال الراحل أونغ سان، فنظّم بعضهم الاحتجاجات وقوبل المتظاهرون بالعنف من جانب الشرطة.

في غضون ذلك، تابع الجيش سجله المبني على انتهاكات مريعة لحقوق الإنسان. في عام 2017، أطلق اعتداءات في ولاية "راخين" ودفع مئات آلاف المسلمين من جماعة الروهينغا إلى الهرب عبر الحدود نحو بنغلادش المجاورة. وقفت سو كي إلى جانب الجيش وذهبت إلى حد الدفاع عن تحركاته في لاهاي. كان حضورها هناك الأبرز على الإطلاق، مع أنها لم تكن المرة الأولى التي تدافع فيها عن الجيش. في شهر أبريل الماضي، أشادت بالجيش أيضاً حين أغرق بلدات في غرب البلاد بالمدفعيات والقنابل، مما أسفر عن مقتل بعض المواطنين وتهجير آخرين.

تتمتع سو كي بسلطة لها طابع ديني أكثر مما هو سياسي. يوضح كينيث وونغ، مُحاضِر في اللغة البورمية في جامعة كاليفورنيا - بيركلي، أن الناس يصفونها باللغة البورمية بكلمة "آو زي" التي تشير إلى سلطة معيّنة مبنية على الاحترام والإعجاب. تشتق هذه الصفة جزئياً من علاقتها بوالدها. لطالما اعتبرت دعمها للجيش مبنياً على إرثه كمؤسس لجيش ميانمار. وكان دفاعها عن تصرفات الجيش يحظى بتأييد محلي دوماً على اعتبار أنه شكل من الدفاع عن الوطن، مع أنه أدى بكل بساطة إلى ترسيخ نظرية المؤامرة التي تضع "ميانمار في مواجهة العالم".

باستثناء مجموعة صغيرة من الناشطين وبعض المنظمات العرقية، لم تلقَ أزمة الروهينغا تعاطفاً كبيراً داخل ميانمار: لم تندلع تظاهرات حاشدة، ولم تنتشر الدعوات لتلقي الدعم من الأمم المتحدة. بل إن العكس صحيح! فقد واجه كل من دق ناقوس الخطر أو انتقد سو كي تهديدات، وأصبح عرضة للاستهداف. تلقّت ثينزار شونلي يي سيلاً من المكالمات الهاتفية بعد تسريب رقم هاتفها باعتباره يعود إلى امرأة تقدّم خدمات جنسية. ثم زاد الوضع سوءاً حين تحولت تلك المكالمات والرسائل إلى تهديدات بالاغتصاب والقتل.

لكن في الأيام الأخيرة، انضم أطباء وضباط شرطة وأصحاب الحيوانات الغريبة ورجال مفتولو العضلات إلى التظاهرات المعارِضة للانقلاب، إلى جانب الأقليات العرقية والدينية. تقول إستير زي ناو، ناشطة شابة من الجماعة العرقية "كاشين" شاركت في قيادة واحدة من أولى التظاهرات ضد الانقلاب في الأسبوع الماضي: "أنا غاضبة من تفشي الجهل وسط أغلبية الناس في الماضي، لكن يسرّني الآن أن أنضم إلى المعركة معهم، بعدما أدركوا الحقيقة". على غرار عدد كبير من الناس، تخشى زي ناو أن تتكثف حملة القمع ضد الشعب ويتدهور سجل حقوق الإنسان في ظل الحُكم العسكري، لكنها ترى بصيص أمل هذه المرة: رغم التركيز على إطلاق سراح سو كي وتصحيح نتائج انتخابات السنة الماضية، بدأ البعض ينشر اليوم مجموعة أوسع من المطالب، بما في ذلك إلغاء الدستور الذي صاغه الجيش في عام 2008، وتشكيل حكومة فيها تمثيل عرقي إضافي، وتحرير جميع المعتقلين السياسيين. تضيف زي ناو: "نحن نعيش أزمة حقيقية طبعاً، لكنها فرصة أيضاً لدعم أجندة سياسية جديدة من أجل الجيل الجديد".

كان جزء من المحتجين في الأيام الأخيرة ينتمي إلى جماعة الروهينغا، فنظموا مسيرة في أنحاء مدينة يانغون وحملوا لافتات لتأكيد هويتهم. يرفض معظم الناس في ميانمار الاعتراف بهذه الجماعة، لكن خين ماونج لوين، (أحد المحتجين من الروهينغا)، أعلن أن الترحيب الحار الذي تلقوه أثّر به كثيراً. شكلت تلك التظاهرة برأيه لحظة نادرة من المساواة: "لقد خرج البلد كله للاحتجاج ضد الجيش. نحن ننتمي إلى هذا البلد أيضاً، ولهذا السبب قررنا المشاركة". هو يؤكد أن أحداً لم ينعتهم بعبارة "البنغال" على مر اليوم كله: يحمل هذا المصطلح معنىً سلبياً، ويستعمله معظم الناس في ميانمار للدلالة على تراجع مكانة جماعة الروهينغا باعتبارها دخيلة على البلد.

برزت أيضاً لحظات واعدة أخرى. على "تويتر"، اعتذر أحد سكان "يانغون" من يانغي لي، المقررة الخاصة السابقة للأمم المتحدة في ميانمار، بعدما منعتها حكومة سو كي من دخول البلد وشتمها الرهبان المتطرفون. فردّت لي عليه وقَبِلت الاعتذار. يقول شخص رفض الإفصاح عن اسمه نظراً إلى الوضع السياسي الراهن إن الناس باتوا يدركون اليوم أن يانغي لي امرأة لطيفة، وهي تحمل نوايا حسنة وتريد أن يتحسن وضع ميانمار. شعرت لي بالدهشة من كمّ الرسائل وعبارات الاعتذار العلنية التي تلقّتها وتمنّت أن تكون هذه اللحظة فرصة مناسبة كي تنضج حركة الديمقراطية في ميانمار.

حتى الآن، تجنبت السلطات استعمال القوة المفرطة التي استخدمتها في الماضي لإخماد الاحتجاجات الشعبية، مع أن الشرطة في مدينة ماندالاي الشمالية أطلقت الرصاص الحي.

في هذا السياق، يقول خين زاو وين، معتقل سياسي سابق ومدير معهد "تامباديبا" في يانغون: "إنها واحدة من اللحظات النادرة التي يفكر فيها شعب ميانمار كله بطريقة واحدة. لقد كان رفض الانقلاب كفيلاً بِلَمّ شمل الناس، بما في ذلك المسلمون وجماعة الروهينغا. تجاوز الشعب في هذه اللحظة الشخصيات السياسية الفردية والاعتبارات الحزبية وبدأوا يشكّلون حركة ديمقراطية أكثر تنوعاً. هذا التضامن والتماسك الاجتماعي الكبير لا يُقدَّران بثمن ولا بدّ من الاستفادة منهما".

تيموثي ماكلولين – ذا أتلانتيك