كيف يستطيع بايدن توحيد الولايات المتحدة؟

أصبحت الولايات المتحدة اليوم مجتمعاً أكبر مما كانت عليه سابقاً، وهي تشمل نظاماً سياسياً معقداً وتنوعاً عرقياً ودينياً فريداً من نوعه، لكن يتبع البلد النمط نفسه من التحولات الديمغرافية، وردود الأفعال العنيفة التي تشهدها أماكن أخرى من العالم. نتيجةً لذلك، تُقدّم تجارب الدول الأصغر حجماً أمثلة مفيدة في هذا المجال، فهي تثبت أن الحكومات تستطيع أن تقمع بعض الجماعات، وتؤجج الانقسامات الاجتماعية أو تنجح في لَمّ شمل الناس وإعادة تعريف الوطن وتوحيده. عملياً، تكشف تلك التجارب أيضاً الطرق التي تسمح لبايدن بتحويل الشعْر في خطاباته إلى خطوات ملموسة تضمن الحُكم الرشيد وتساعده على تجنّب إخفاقات سلفه.

ما الذي يُميّز تلك الأماكن التي نجحت في تجاوز اختلافاتها؟ تشير الأدلة التاريخية إلى خمسة مجالات قد تستعملها المجتمعات لتأجيج الاضطرابات أو توسيع نطاق التعايش. إنها حالات تستحق أن يُقيّمها بايدن والبيت الأبيض.

1. الأيديولوجيا

تستطيع ايديولوجيا الدولة أن توحّد الشعوب المتعددة الانتماءات العرقية أو تزيد الانقسامات بينها. يتوقف كل شيء على الحدود التي ترسمها الدولة حول "شعبها" ومدى شمولية التعريف الذي تستعمله في هذا الإطار.

تؤيد المجتمعات التي تفضّل العودة إلى التعايش الأفكار التي تتجاوز الحدود العرقية والدينية. في سنغافورة مثلاً، تنشر الحكومة بطريقة استباقية رسالة عامة تهدف إلى توحيد شعبها وراء هوية مدنية واحدة، رغم استمرار شكلٍ سلس من الهيمنة الصينية هناك. وفي نيويورك، ساهمت حقوق التصويت المتساوية وفرص الوصول إلى الوظائف في الخدمة المدنية تاريخياً في دمج الشعب الإيرلندي الذي كان مكروهاً في السابق ومهّد هذا الوضع لموجات لاحقة من توافد المهاجرين البيض العرقيين.

انتخب عدد كبير من الأميركيين بايدن، لأنهم يريدون زيادة مظاهر المساواة وتوسيع هامش اللياقة العامة، أو ربما تعب هؤلاء بكل بساطة من الحروب الثقافية المشتعلة في البلد. سبق أن شدّد بايدن على ضرورة أن يكون المسؤولون في حكومته "مشابهين لأميركا"، وقد أعطى الأولوية للمساواة العرقية وسياسات الهجرة الإنسانية في أول تدابيره التنفيذية. لكن يجب أن يسعى بايدن الآن إلى نشر هدف مشترك وهوية موحّدة لاحتضان الوافدين الجدد والأميركيين البيض، الذين يسعون إلى تحسين مكانتهم وكانوا يدعمون خصمه.

2. التعليم

تملك الحكومات صلاحية تعليم الأولاد العلاقات الاجتماعية عبر برامج مدرسية شاملة أو حصرية. من واجب صانعي السياسة أن يتخذوا القرارات اللازمة حول اللغات الوطنية والاندماج في المدارس ومحتوى الكتب وشروط التجنيد العسكري. في المجتمعات التي تتجه نحو التعايش، تكون المدرسة تجربة تدريبية مهمة، لكونها تُعَرّف الأولاد على الاختلافات بينهم، لكنها تكشف لهم أيضاً عن القواسم المشتركة التي تجمعهم فيما يكبرون ويسعون إلى تحقيق شغفهم وتعلّم المواد نفسها.

تبقى قدرة إدارة بايدن على تغيير سياسات التعليم المحلية أو محتوى كتب التاريخ محدودة، لكن تستطيع الحكومة الفدرالية أن تزيد استثماراتها في الكليات عبر تجديد مهارات المعاهد التي تشكّل جسر تواصل بين العمال المستائين والقطاعات الجديدة. كذلك، يمكنها أن تعيد النظر بتعريف المدارس باعتبارها مراكز لتقديم الخدمات الاجتماعية والصحية والاجتماعية الشاملة إلى العائلات. تسهم هذه الأنواع من المبادرات في زيادة الترابط بين الفئات الاجتماعية المفككة، وتخفيف الإقصاء الاجتماعي وبناء معاقل للجماعات المحلية. كذلك، يستطيع بايدن أن يدعم برنامجاً للخدمات الوطنية لصالح الشباب الأميركي، علماً أن جزءاً من فئات المجتمع المدني الأميركي يؤيّده لمحاولة تحسين التفاعلات العابرة للحدود والتربية المدنية والتضامن الاجتماعي خدمةً للوطن أجمع. يستطيع أي برنامج جديد للخدمات الوطنية أن يقدم الإرشادات إلى الشباب أو الخدمات إلى الجماعات الأكثر ضعفاً. هذه الخطوة لن تساعد المشاركين على توحيد صفوفهم فحسب، بل إنها تسهم أيضاً في توحيد الجماعات التي يخدمونها.

3. الثقافة

قد تكون الثقافة أفضل طريقة لمعالجة الانقسامات في أي مجتمع. تتعدد العوامل القادرة على لمّ شمل الناس، منها الموسيقى، والطعام، والرياضة، والفنون، والأدب، وتجديد التقاليد العلمانية مثل عيد الشكر في الولايات المتحدة. وفي المجتمعات التي تفضّل خيار التعايش، يمكن إعطاء المواطنين قواسم مشتركة لتوحيد صفوفهم.

تكثر النشاطات الثقافية الأميركية التي تتجاوز الحدود السياسية والعرقية. لكن تستطيع الحكومات أن تدعم التقاليد التي تُرسّخ الانقسامات وتهاجم بعض الجماعات الفردية، كما حصل حين اتكل ترامب على الجدل المرتبط بوجود النصب التذكارية الكونفدرالية في الجنوب الأميركي، وعندما هاجم الرياضيين لأنهم ركعوا خلال النشيد الوطني كطريقة سلمية للاحتجاج. قد تكون هذه النقاشات مهمة من الناحية الرمزية، لكنّ تأجيجها يُمعِن في تقسيم البلد.

على مستوى الخطابات، يتعين على بايدن أن يتكل على تلك العوامل الثقافية التي تسمح للأميركيين باكتشاف قواسمهم المشتركة والاعتراف بها، على غرار الهوس بالرياضة، ومجموعة واسعة من المواهب الموسيقية، والشغف لتمضية الوقت في الخارج. في الوقت نفسه، تستطيع الوكالات الفدرالية المعنية بالفنون والعلوم الإنسانية أن تخصص مواردها للنشاطات التي تهدف إلى تهجين الثقافة الأميركية وتطويرها بطريقة مشتركة. قد تعمد وزارة الداخلية مثلاً إلى توحيد الأميركيين ضمن "وحدات خضراء" تُعنى بالملف المناخي للجمع بين محبّي الطبيعة والمحافظين بشكلٍ دائم.

4. التجارة

تستطيع العلاقات التجارية أن تعزز الخلافات الاجتماعية والفصل العنصري في القطاع الاقتصادي أو تتجاوزها لتحقيق المصلحة المشتركة.

في المجتمعات التي تسعى إلى التعايش، ترتكز الأسواق على شكلٍ من الترابط الذي يضمن التواصل بين مختلف المواطنين لتحقيق مكاسب مشتركة عبر عمليات البيع أو تقديم الخدمات أو النصائح المفيدة. تسهم أنظمة الترويج المبنية على حُكم الجدارة في تقليص مظاهر اللامساواة ومضاعفة أماكن العمل التي تصبح مراكز لتعزيز التواصل الاجتماعي وإنشاء أشكال بديلة من الانتماء. لهذا السبب، من واجب أرباب العمل البارزين أن يؤدوا دوراً مؤثراً في توحيد الوطن لأنهم يحظون اليوم بثقة الناس أكثر من الحكومة.

في عهد بايدن، يمكن أن تتضاعف برامج البنى التحتية التي تحمل اسم "إعادة البناء بشكلٍ أفضل" (Build Back Better) باعتبارها فرصاً لِمَدّ الجسور الاجتماعية بين الناس عبر الجمع بين شرائح متقاطعة من الولايات المتحدة لتحقيق هدف مشترك. يمكن استعمال المطارات والطرقات السريعة والأنفاق والجسور التي تبنيها تلك البرامج لشدّ أواصر البلد. كذلك، يستطيع البيت الأبيض أن يجمع بين عدد كبير من أرباب العمل لتشكيل ائتلاف من الشركات التي تتعهد بتطبيق مجموعة من أفضل الممارسات بهدف ترسيخ مبدأ التنوع وتكوين مفهوم مشترك عن أماكن العمل.

5. التهديدات

يتعلق المحور الخامس بميل الدولة إلى اعتبار التهديدات المطروحة خارجية، ما يدفعها إلى توحيد صفوفها، أو داخلية فتتفاقم الانقسامات فيها.

أعطى ترامب خلال عهده الرئاسي بُعداً خارجياً للتهديدات حين وضع الصين في مصاف أعداء الولايات المتحدة. لكن لم تنجح مقاربته في توحيد الأميركيين، لأنه ركّز معظم جهوده على استهداف أعدائه السياسيين الشخصيين محلياً. الأسوأ من ذلك هو أنه لام المقيمين في البلد، وتحديداً المهاجرين، على مشاكل الولايات المتحدة. وفق استطلاع حديث، يظن الأميركيون اليوم أن إخوتهم المواطنين يطرحون أكبر تهديد على البلد.

في المقابل، اعتبر بايدن "فيروس" كورونا أبرز مصيبة تجتاح الولايات المتحدة، فنجح بذلك في إيجاد تهديد خارجي لا يُسبب أي انقسامات داخلية. أدت النقاشات السياسية إلى تأجيج الجدل حول استعمال أقنعة الوجه وضوابط أخرى في مجال الصحة العامة خلال السنة الماضية، لكن يحاول الرئيس الآن أن يزيد اهتمام الرأي العام بتلقي اللقاح، لذا حرص على تحويل حملة تلقيح المواطنين (من المنتظر أن يصل عدد متلقي اللقاح إلى مليون ونصف يومياً) إلى إنجاز واعد وهدف وطني مشترك، حيث يؤدي كل فرد دوراً صغيراً.

يتعلق عامل مؤثر آخر اليوم بمشاعر العزلة والتهميش التي يشعر بها عدد كبير من الأميركيين. تستطيع وزارة الصحة والخدمات الإنسانية ومعاهد الصحة الوطنية أن تستكشف تأثير الوحدة على الراحة النفسية والجسدية، وتبدأ بمعالجة غياب التماسك بين الناس باعتباره أزمة صحية عامة ومشكلة مرتبطة بالتضامن الوطني في آن.

التسامح والتواضع

تُعتبر هذه التوصيات غير مثيرة للجدل نسبياً، وتُلزِم كل واحدة منها الحكومة بمساعدة الناس. في هذا السياق، دعا بايدن في خطاب تنصيبه إلى "فتح أرواحنا بدل التمسك بقلوب متحجّرة"، و"إظهار بعض التسامح والتواضع"، و"وضع أنفسنا مكان الآخر". يمكن تطبيق هذه الدعوات على مستوى الولايات إذا قرر رؤساء البلديات والحكام المحليون تنفيذ تلك التوصيات أيضاً.

لكن بايدن يستطيع أن يتخذ خطوة شاملة أخرى مثل ترسيخ الوحدة الوطنية، باعتبارها جزءاً من معايير الحُكم، مثلما فعل سابقاً في ملف الاستدامة البيئية.

الوحدة قيمة أساسية في الحياة اليومية، لذا من المنطقي أن تترسخ بأفضل طريقة في الأماكن التي نقصدها باستمرار مثل المدارس، وأماكن العمل، والحدائق، ومتاجر البقالة، ودور العبادة، والمراكز الصحية. تدير الحكومة جزءاً كبيراً من تلك الأماكن أو تؤثر على طريقة إدارتها على الأقل. في نهاية المطاف، يُفترض أن يسعى الأميركيون وقادتهم إلى توسيع معنى "الهوية" الأميركية. لا يقتصر هذا المعنى على حاملي الجنسية الأميركية، بل يتعلق أيضاً بطبيعة الجماعات التي نريد تقاسم التجارب المشتركة معها، فنعتبرها امتداداً لنا ونتعاطف مع مشاكلها، حتى أننا قد نتوقع منها أن تصغي إلى مشاكلنا في المقابل.

شرائح المجتمع

على مر العقود، انحسرت شرائح المجتمع التي نُبادلها هذه المشاعر. قد يكون القلق من أي تغيير ديمغرافي مرتقب حقيقياً، لكننا أصبحنا أكثر عزلة أيضاً غداة إغلاق دور العبادة والحانات وإفلاس الصحف المحلية وزيادة دوام العمل. في غضون ذلك، نجح عالم الإنترنت في تجزئة حياتنا الاجتماعية، وتحويلها إلى ثقافات فرعية أكثر اختلافاً وتضييق جماعات الناس التي نعتبرها مشابهة لنا، ونستطيع التواصل معها. أخيراً، تعمّقت المظاهر الفاصلة بين الناس خلال زمن الوباء.

تحولات ديمغرافية

لكن على عكس المجتمعات الأخرى التي شهدت تحولات ديمغرافية كبرى، تبقى الولايات المتحدة دولة شاسعة وتتسم بتنوع عرقي وديني وثقافي لا يُضاهى. إنها نقطة قوة بارزة، لكونها تعني أن سياساتنا لا تتمحور حول مواجهة بين الجماعات العرقية أو الدينية. قد تكون الاختلافات ومظاهر الفصل على أساس عرقي موجودة، لكن ترتكز الولايات المتحدة على علاقات متداخلة أكثر من أي وقت مضى وقد شكّلت حركة الهجرة جزءاً محورياً من تاريخنا الوطني منذ نشوء البلد. كذلك، يتقاسم الناس في الولايات المتحدة تجربة أميركية أساسية: نحن ندرك جميعاً الرحلة التي خاضتها عائلاتنا للوصول إلى هذا البلد، ونعرف الأحلام التي نطاردها والصراعات التي واجهناها جميعاً في مرحلة معينة. وعلى عكس المجتمعات الأخرى التي خضعت للدراسة، لدينا مجموعة أكثر غنى من الموارد لترسيخ وحدتنا.

لن تكون هذه العملية سهلة، لأن ترسيخ الوحدة الوطنية يتطلب جهوداً تمتد على عقود عدة ولا يمكن أن تقتصر على مبادرة من إدارة بايدن. بل يجب أن تصبح راسخة في عمل الحكومة الدائم على جميع المستويات، وهي ظاهرة تغيب عن جميع الدول التي خضعت للدراسة وخاضت تجارب مشابهة.

المؤسسات المؤثرة

في مطلق الأحوال، يستطيع بايدن اليوم أن يتكل على الأساس الأخلاقي والمؤسسات المؤثرة وسيرته الشخصية لوضع الولايات المتحدة على طريق التعايش المستقبلي. لكن لا يمكن تحقيق هذا الهدف عبر إلقاء خطاب عاطفي بكل بساطة، بل يتطلب تنفيذه خطوات متفانية لحماية وإنشاء مؤسسات لها مكانة ومقتنيات متساوية. كذلك، تستلزم هذه العملية مستوى من الانضباط لمقاومة الإغراءات والامتناع عن المشاركة في الحروب الثقافية التي شهدها البلد في آخر عشرين سنة وأمعنت في ترسيخ انقساماتنا لتحقيق مكاسب انتخابية على المدى القصير. تُعتبر هذه الوحدة وجهود إعادة ابتكار البلد أعظم تحدي اجتماعي في هذا العصر.

جاستن جيست - تايم