صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 5143

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

ورحلت يا نوفل

  • 23-09-2022

نعم رحلت يا نوفل... هكذا وعلى حين غرة غادرتنا، رحلت من دار الفناء والشقاء إلى دار الخلود والبقاء، رحلت ولم يكن بيني وبينك وداع ولم تترك لي كلمات أحبس دفئها وصداها في عروقي، ولم تترك لي نظرة أغمض عليها عيني وأحاسيسي، فقط كلمات عابرة يا نوفل مني ومنك لا أكثر، قلت لك سأذهب إلى تونس وقلت سأذهب إلى أبوظبي، هكذا بصورة عابرة وكأنها لحظات ومض برق في ليلة حالك سوادها، كسواد ليلي بفراقك، لحظات وكأنني وأنت في محطة قطارات سريعة، وكل أمورنا كانت على عجل، ولم يدر بخلدي أو خلدك أنه اللقاء الأخير، ثم اتجهنا للمسجد وكعادتك تحملنا بسيارتك منذ أكثر من خمس وثلاثين سنة إلى المسجد، وكنا نطلق عليها سيارة المسجد.

رحلت يا نوفل، وبقينا بعدك نتجرع ألم وحزن فراقك، ليس اعتراضاً على مشيئة الله وقدره، لكن محبتنا لك فوق كل وصف وخيال، يشيد بك الجميع الآن، ووصفك بما أنت أهل له، ولكنهم لا يعرفون عنك إلا غيضاً من فيض، ولا يعرفونك كما نعرفك، لا يعرفون نوفل بخصاله الحميدة وشمائله الفريدة، صاحب الطاعة والأيادي البيضاء الحانية، نعم يعرفون نوفل الإنسان، ولكنهم لا يعلمون أن ليس كل إنسان «نوفل»، نوفل الذي كل يُردد ذكره بمحاسن الأخلاق وأكرمها، نوفل الطيب الوقور الرزين بعقله وصفاته.

أكثر من أربعة عقود يا نوفل ونحن معك، عرفناك في السراء والضراء، والأفراح والأتراح والعسر واللين، كنت أنت نوفل كما عرفتك لم تغيرك السنون إلا لما هو أبهى وأروع وأجمل، رحلت يا نوفل بصمت وهدوء وفي غفلة منا، كأنك أشفقت علينا من أن نرى احتضارك، تحملت مرضك وأخفيته عنا، تآكلت أحشاؤك وبصبرك المعهود وصلابتك وقوة إيمانك، وأحسب أنك لم ترد أن نشاركك العذاب والألم فآثرتنا على روحك، تلك الروح الطيبة الطاهرة، فلم تشأ أن تعذبنا، ولكن عذاب فراقك كان أصعب.

أربعة عقود يا نوفل بدأناها بريعان الشباب وزهرته وعنفوانه، تشاركنا الأحلام والآمال والآلام، ومضينا سوياً سالمين آمنين في مرحلة الكهولة التي ابتلعتها مشاغل الحياة وسيرورة الزمن، يداً بيد وقلباً على قلب، تشاركنا كل شيء بأخوة صادقة، لم أسمع منك يوماً كلمة تسوءني أو تجرحني، وعلى أعتاب الشيخوخة كنت أنت أول المغادرين، تركتنا يا نوفل لوحشة الأيام وألم الغياب ولوعته وحسرته، التي تهزمنا حتى إن أظهرنا أو تجملنا بالصبر، غيبك الموت الذي لا راد له، ولكن من يغيب ذكراك يا نوفل؟!

أربعون عاماً أمضيناها في جنبات الجهراء وأكنافها، وفي (الصبية) وفضائها وفي (المطلاع) وقيعانها، ولندن وشوارعها، وفي الديار المقدسة ورحابها مكة والمدينة، وفي جدة وشقرا وأشيقر، وكنا على اتفاق أنا وأنت وصالح للذهاب إلى (الزلفي)، ولكن لانشغالك بعمل إنساني تقوم به انتظرناك لتنتهي منه ثم نشد الرحال، والآن كيف سنذهب من دونك، غبت يا نوفل فُحرم ثرى (الزلفي) من وطأة قدمك، تلك القدم التي لم تسر بك إلى خزي أو عار أو خديعة، أو إيذاء جار، فأسأل الله أن يجنبها عذاب النار.

لم أكتب يا نوفل مقالة منذ عشر سنين، زهداً ومللاً، ولا رغبة لي في الكتابة، وكنت أعتقد أحياناً أن مشاعري وأفكاري توقفت وانتهى مداد أحاسيسي التي قد تكون جفت، إلى أن كان خبر وفاتك المفجع، سمعته من صالح المكلوم والمهموم والمحزون، كان صوت صالح متقطعاً مليئاً بالألم والحسرة، صالح المؤمن الصابر دائماً، وفي لحظة قاتلة غالب حزنه وبالكاد قال لي: (نوفل توفي)، صرخت قلت: (لا لا لا لا) هكذا دون شعور مني، فتبعثر بذلك كياني ودخلت في حزن موجع وألم لا يعلم حدوده إلا الله.

هكذا يا نوفل كانت فاجعتي بك، فلم نتوادع ولم أحضنك حتى أملأ روحي منك، هكذا غيبك الموت عنا، هكذا فقدناك فأتعبنا فقدك، وفي المقبرة رجوتهم مستعطفاً ومتضرعاً وباكياً أن أرى وجهك قبل دفنك، وكان لي ما أردت، وفي تلك اللحظة الساحقة لروحي وحزني، أحسست بهزة وجدانية عنيفة، وأنا أتلقى نور وجهك وكأنك تبتسم لي، وتودعني وأنت مغمض العينين، بقلب توقف وروح صعدت إلى بارئها، هكذا غادرتنا يا نوفل، دون وداع وعلم منا أو منك، هكذا أراك مغمض العينين لا ترد لي صوتاً ولا حتى همساً، وزاد ذلك كله من حزني وألم إخواني وإخوانك حيث دموع (صالح) التي فاضت وهو العصي على الدموع، والذي كان هو دائماً من يواسيني في كل مصائبي فمن يواسيني وإياه على غيابك الأبدي يا نوفل، أما حمد فكان يحاول أن يهدئنا ويعزينا وأعلم علم اليقين أنه يهرب بمشاعره حتى لا يُبكي الجميع، لذلك فهو يدفنها ويظهر التجلد، أما محمد فقطع نحيبه المكتوم قلبي وروحي، وعندما احتضنني شعرت بأنني وإياه طفلان جمعنا البكاء والحزن على راحل كبير المقام جليل ومهاب، إنه أنت يا نوفل.

أربعون عاماً معك يا نوفل، عرفتك بها عز المعرفة، لذلك فنحن شهود الله عليك في أرضه، ولا نزكيك على الله، فو الله وبالله وتالله لم أرَ إنساناً صبوراً مثلك، عطوفاً رحيماً مثل قلبك، تحملت إعاقتك وكل المصائب التي واجهتك، بقلب وإيمان قويين فلم تكن قانطاً أو متشائماً أو حقوداً أو حسوداً، بل كنت مقبلاً على الحياة، مصلياً صائماً، والله يا نوفل أقولها على رؤوس الأشهاد لم تغدر بقريب، ولم تخذل سائلاً أو غريباً، وكنت دائماً الحبيب اللبيب، لذلك كنت أسميك الحكيم، لأنك تفصل دائماً بين خلافاتنا مزحها وجدها.

أربعون عاماً يا نوفل لم تجزع لمصيبة، ولم تهزمك نائبة، ولم تكسر عزيمتك كارثة، بل كنت أصلبنا عند المصائب، وأقوانا في مواجهة المصاعب، بعزم لا يلين، وفكر رائع رزين، وتواسينا في جراحنا وآلامنا، وإن أنسى فلا أنسى عندما كنت واقفاً في ممر مستشفى الجهراء، أغالب دموعي وضياعي وحسرتي على والدي، وأتيت تواسينا وتقبل رأسي، ولأول مرة في حياتي أرى دمعتك في عيونك، لأنك إنسان صبور وتتجلد في أقسى المواقف وعظائم الأمور، ولكن في ذلك اليوم كانت عيونك دامعة، تلك العيون التي أرجو أن يسعدها الله بمناظر جنته وظلالها الوارفة، ورؤية نبينا صلى الله عليه وسلم.

رحلت يا نوفل، وما أقسى رحيلك وما أصعب غيابك، ليس قنوطاً ولا جزعاً، لكنني أتساءل كيف سنواجه الأيام القادمة دون وجودك، وأنت تعرف أنه من عادتنا في الديوانية والمخيم لكل منا مكان يجلس فيه، اليوم من يجلس مكانك، أم من يعوضك غيابك؟ لا أحد يعوضه يا نوفل.

أربعون عاماً يا نوفل تتهادى أمامي الآن تحاصرني بذكرياتها وشجونها، ويشاغلني أنينها وتنتزع الحسرة من فؤادي انتزاعاً، ليكون النحيب مصيرها والدموع مآلها، تلك الدموع التي تخذلني دائماً في المواقف الأليمة، وأحاول أن أكابد فيضانها وجريانها، ولكن في وفاتك يا نوفل أقول لنفسي لماذا لا أذرفها؟ فإذا لم أبكك فمن أبكي يا نوفل؟ لماذا أشح بدموع على عزيز وحبيب مثلك؟

رحلت يا نوفل، ويعلم الله منذ علمت برحيلك فالسهاد رفيق ليلي، يشقيني ويسهرني، ويقتلع كل فرحة وسعادة اختزلها في روحي، وأجد الأنين يتردد صداه وألمه في جنبات صدري، وفي الحلم أراك بهدوئك وسكينتك، ولولا رحمة الله بي لكان من أمري ما كان من سوء الأحوال.

رحلت يا نوفل، فأسال الله جلت قدرته أن يتغمدك بواسع رحمته وعظيم مغفرته، وأن يجازيك عن الإحسان إحساناً، وعن الذنب غفراناً، ويجعلك مع الأنبياء والصديقين والصالحين، ويجعل أعمالك الصالحة وذكرك الحسن، ومحبتنا ودعاءنا في ميزان أعمالك، رحمك الله يا أبا عبدالكريم.

د. سعود هلال الحربي