صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 5140

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

مصاحف صنعاء والمشككون في القرآن (6)

  • 15-08-2022

لماذا يركز بعض مناهج البحث الغربي في تاريخنا الإسلامي عامة، وفِي الدراسات القرآنية خاصة، على المصادر الهامشية والشاذة والغريبة وغيرها من المصادر الضعيفة في التراث الإسلامي، بأكثر من اعتمادهم على الرسمي والمعتمد والسائد والمعروف عند علماء المسلمين؟!

تقييم المنهج التشكيكي

تساءلت في المقال السابق: لماذا يركز خبراء المخطوطات القرآنية الغربيون على القرآن «المخطوط» ويتجاهلون القرآن «المحفوظ» المنقول تواتراً عبر صدور آلاف المسلمين من جيل إلى جيل؟

أولاً: ذلك أمر طبيعي، بحكم مناهج علم نقد النصوص التي درسوها وتمرسوا بها، إذ مجال هذا العلم التعامل مع المخطوط المادي الملموس، ولا علاقة له بالمحفوظ في الصدور.

ثانياً: علاقة المسلمين بقرآنهم غير علاقة الغربيين به، المسلمون مؤمنون بأن القرآن الذي يتلونه هو القرآن الذي نقل إليهم عن طريق «التواتر» الجماعي الذي لا يحتمل التواطؤ على الكذب، وهو القرآن نفسه المتلو في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام والصحابة رضوان الله عليهم دون زيادة أو نقص، فالقرآن الذي يقرأه المسلم في إندونسيا اليوم هو القرآن نفسه الذي يقرأه المسلم في أميركا، هو القرآن الذي نزل على الرسول عليه الصلاة والسلام قبل 14 قرناً، لكن علاقة الغربيين بالقرآن مختلفة، هم ليسوا مؤمنين، ومن الطبيعي أن يثيروا الجدل في صحة وسلامة النقل، ويتشككوا في إيمان المسلمين القطعي بالقرآن «المحفوظ».

إن الاهتمام الغربي بالمخطوطات القرآنية والتي صارت حقلاً معرفياً تعقد من أجله المؤتمرات وتنشأ له معاهد يتخصص فيه باحثون في الغرب، ترجع جذوره التاريخية إلى قرنين من الزمان، وبدءاً من كتاب «تاريخ القرآن» لثيودور نولدكه وتلامذته، مؤسسي المدرسة الألمانية الفيولوجية التاريخية، وهناك جدل تاريخي بين الباحثين الغربيين المتخصصين في الدراسات القرآنية هم أنفسهم حول مناهج دراسة النص القرآني وصدقيته وتأويله، عبر 4 مراحل تاريخية مختلفة، لا يكادون يتفقون على منهج بحثي واحد، فهناك نقد تاريخي للنص القرآني، وهناك نقد غربي للنقد الغربي نفسه من قبل الباحثين الغربيين أنفسهم.

التساؤل الثاني: إذا تفهمنا أسباب اهتمام الغربيين بالقرآن «المخطوط» دون «المحفوظ» في الصدور، فلماذا التركيز على نص ممسوح في مخطوطة واحدة، مع أنها لا تشكل قرآناً مكتملاً بل أوراقاً متفرقة، للتشكيك في صحة وسلامة نقل القرآن كله، دون جميع مخطوطات المصاحف في العالم والمقدرة بـ 250 ألف مخطوطة، تنتمي إلى العصور الإسلامية قبل ظهور الطباعة، وتتوزع في متاحف العالم ومكتباته، وكلها متفقة مع الرسم العثماني؟!

لماذا التمسك بنص ممسوح في مخطوطة «صنعاء» لمجرد وجود بعض الاختلافات دون سائر المخطوطات المتفقة مع الرسم العثماني؟!

يقولون: هذا النص الممسوح هو الأقدم، لكن هذا احتمالي لا قطعي، وهناك من الباحثين الغربيين من ينازع هذا القول، مثل البروفسور البريطاني ديفيد توماس، وهو أستاذ مختص بالمسيحية والإسلام بجامعة برمنغهام الذي أكد أن مخطوطة «برمنغهام» أقدم من مخطوطة «صنعاء» بناء على تقنية الكربون المشع، وقد كتبت بحبر يظهر البدايات الأولى للكتابة العربية التي استخدم فيها الخط الحجازي، ويمكن تحديد عمرها بدرجة عالية من الثقة تصل إلى 96 في المئة بعقدين بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، وهي متفقة مع القرآن الذي بين أيدينا (راجع: العربية نت 23 يوليو 2015)

التساؤل الثالث: لماذا يركز بعض مناهج البحث الغربي في تاريخنا الإسلامي عامة، وفِي الدراسات القرآنية خاصة، على المصادر الهامشية والشاذة والغريبة وغيرها من المصادر الضعيفة في التراث الإسلامي، بأكثر من اعتمادهم على الرسمي والمعتمد والسائد والمعروف عند علماء المسلمين؟!

أتصور أن هذا الأمر يرجع إلى تشكيكهم في المصادر المعتمدة للمسلمين، فيبحثون عن الشاذ والمتفرد والغريب والهامشي والضعيف، ظناً أن «الحقيقة التاريخية» تكمن في «الهامشي» لا «الرئيسي»!

لكن هذا المنهج البحثي التشكيكي في المصادر الرئيسية المعروفة في التراث الإسلامي لحساب الهامشي والشاذ والضعيف، معناه عدم إمكان معرفة الماضي وضياع «الحقيقة التاريخية» وإلى فوضى معرفية تستحيل فيها المعرفة التاريخية، كما تقول الباحثة الألمانية أنجليكا نويفرت التي تصف هذا المنهج: بأنه غير عقلاني وغير منطقي (انظر موقع: القرآن جزء من أوروبا) كما أن مؤداه أن «لا نثق في شيء من أخبار الماضين»، وهذا معناه عدم إمكان الإفادة من التاريخ دروساً وعبراً.

يتبع

* كاتب قطري

د. عبدالحميد الأنصاري