صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 5069

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

استعادة الردع

  • 25-05-2022

الردع وثيق الصِـلة بكل أشكال المواجهة، سواء في عالم الأعمال أو في ساحة المعركة، والعديد من هذه الديناميكيات حاضرة في الصراع الروسي الأوكراني، فقد كانت علاقات الطاقة التي تتسم بالاتكالية المتبادلة بين روسيا وأوروبا تعتبر رادعا قويا على الجانبين؛ لكنها فشلت بكل وضوح.

بينما يجتمع في بروكسل قادة منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) العسكريون لمناقشة الحرب الدائرة في أوكرانيا، تتمثل القضية الأخرى التي تشغل أذهانهم في المفهوم الاستراتيجي القادم للحلف، والذي سيحدد أولوياته لسنوات مقبلة، وهنا أظهر سلوك روسيا أن إعادة تأسيس الردع يجب أن تؤدي دورا مركزيا.

عندما بدأت روسيا تحشد قواتها على حدود أوكرانيا في أواخر العام المنصرم، شرعت على طريق العدوان ليس ضد أوكرانيا فحسب بل أيضا ضد ما تسميه الغرب «الجمعي»، وخاصة الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، فكانت روسيا تسعى إلى ردع أوكرانيا والغرب عن التعاون المتزايد، في حين كان الغرب يحاول ردع روسيا عن العدوان، ويأتي الغزو اللاحق نتيجة لفشل الردع الذريع.

حشد الأوكرانيون دفاعات مبهرة، واستمر الاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي، وشركاء وحلفاء غربيون آخرون في تشديد العقوبات الاقتصادية والمالية وتقديم المساعدات، لكننا انزلقنا إلى حلقة بالغة الخطورة من التصعيد، إذ يتطلب الوضع سبل ردع يمكن التعويل عليها وتذهب إلى ما هو أبعد كثيرا من «المظلة النووية» التقليدية.

في كل الأحوال، لا ينحصر الردع في الحرب النووية، فالردع وثيق الصِـلة بكل أشكال المواجهة، سواء في عالم الأعمال أو في ساحة المعركة، والعديد من هذه الديناميكيات حاضرة في الصراع الحالي، فقد كانت علاقات الطاقة التي تتسم بالاتكالية المتبادلة بين روسيا وأوروبا تعتبر رادعا قويا على الجانبين؛ لكنها فشلت بكل وضوح.

يدور الردع حول إقناع أحد الخصوم بأن الامتناع عن القيام بشيء ما يحقق مصالحه على أفضل نحو، ففي مستهل الأمر، حاولت روسيا ردع أوكرانيا والغرب بنشر قواتها على طول الحدود الأوكرانية، ولكن في حين كانت تنشر قواتها، أذاعت الولايات المتحدة وحلفاؤها في حلف شمال الأطلسي معلومات استخباراتية وبيانات يومية تكشف تحركات القوات الروسية، وأظهر هذا للكرملين بوضوح أن خصومه يعرفون ماذا يفعل على وجه التحديد، وتُـعَـد مثل هذه الإشارات أول عناصر الردع.

يتمثل عنصر أساسي آخر من عناصر الردع في الاعتقاد بأن الـخـصم يتمتع بما يلزم من الإرادة والقدرة لتصعيد التدابير إذا لم يغير الطرف الآخر مساره، وعندما أعلنت روسيا سلسلة من المطالب المصممة لتسليط الضوء على نقاط ضعف أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي- من وضع أوكرانيا كدولة إلى البنية الأمنية الأوروبية في عموم الأمر- لم يجد جمهورها في تهديداتها أي مصداقية.

باستثناء الولايات المتحدة، تصور قليلون أن روسيا قد تُـقـدِم على شن غزو كامل النطاق أو تستمر في إطلاق التهديدات ضد الناتو والدول المحايدة، ومع ذلك، نفذت روسيا الغزو بالفعل وأطلقت منذ ذلك الحين تهديدات نووية مستترة بل حتى أجرت اختبارا على صاروخ فرط صوتي جديد.

على نحو مماثل، لم يأخذ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على محمل الجد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني أولاف شولتز، وغيرهما من قادة الغرب عندما أعربوا عن نيتهم دعم أوكرانيا، واستمع الكرملين إلى هذه التصريحات، لكنه سمع أيضا العديد من القادة الآخرين، بمن فيهم الرئيس الأميركي جو بايدن، يقولون إنهم لا يعتزمون إرسال قوات للدفاع عن دولة خارج عضوية الناتو، وعلى هذا فقد قررت روسيا شن غزوتها، لكنها فوجئت بنطاق وشِـدة الرد الغربي.

من جانبها، كانت استراتيجية الردع التي تبنتها أوكرانيا تتلخص أساسا في إبراز صورة لذاتها كدولة تنتمي بالفعل إلى الغرب، ورغم أن الكرملين لم يقتنع، فمن الواضح أن روسيا استهانت بالوحدة الأوكرانية وقدرة وكفاءة الجيش الأوكراني، حتى برغم أنها كانت تحارب قوات أوكرانية منذ توغلاتها في البلاد عام 2014.

يذكرنا دفاع أوكرانيا البطولي عن الذات بأن أناسا عاديون يعيشون خارج ساحة المعركة وعالَـم المال والأعمال، بعيدا عن العقوبات والمؤسسات: فالحرب تدور رحاها بينهم، وهم الذين سيقررون نتيجتها النهائية، ورغم أن إرادة الأوكرانيين في الدفاع عن حياتهم، وديارهم، ومُـثُـلـهم لم تردع القيادات الروسية بعد، فإن الأمر لا يخلو من أدلة قوية تشير إلى أن هذه الإرادة أثنت عددا كبيرا من الجنود الروس عن القتال.

بالنظر إلى المستقبل، يجب أن يصبح الردع الغربي هدفا استراتيجيا أساسيا وبالتالي أكثر شمولا، بما في ذلك كل العناصر المهمة، وقد اتخذ وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن خطوة في هذا الاتجاه عندما أعلن أن أحد أهداف أميركا الآن يتلخص في «إضعاف روسيا إلى الحد الذي تعجز معه عن القيام بذلك النوع من الأفعال التي ارتكبتها في غزو أوكرانيا»، وستعمل فاتورة الإقراض بقيمة 33 مليار دولار أميركي التي وقعها بايدن في التاسع من مايو على تعزيز هذا الهدف.

لكن هذا لا يكفي، يجب أن يكون الردع هدفا شعبيا يحظى بدعم شعبي واسع النطاق، كما يجب أن يكون مدعوما من قِـبَـل دول أخرى، لأن التعاون الدولي يشكل ضرورة أساسية لضمان أمن الدول الأصغر حجما، والأكثر ضعفا، ويتطلب تحقيق مثل هذا الدعم العريض النطاق قيادة فعّـالة مُـلهِـمة من ذلك النوع الذي أظهره الرئيس الأوكراني فولودومير زيلينسكي. لقد نجح في حشد الشعب الأوكراني بل أيضا العالم الغربي بالكامل، ويُـحـسِـن القادة الآخرون صنعا بأن يحذوا حذوه.

أخيرا، من الأهمية بمكان أن نتذكر أين يتناسب الردع في السياق الأعرض للعولمة، لقد اكتسبت روسيا الجرأة بفضل الاتكالية الاقتصادية المتبادلة التي رعتها، وجرى تمكينها بفعل وضعها كعضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يتمتع بحق النقض، ويجب أن يشمل الردع تدابير إما لتحييد أو احتواء هذين العاملين.

الواقع أن الحرب التي تدور رحاها في أوكرانيا كانت نتيجة لعدم كفاية الردع، وفي النهاية لن يتسنى إحلال السلام في غياب هذا الردع.

* روبرت سميث نائب القائد الأعلى للقوات المتحالفة في أوروبا في منظمة حلف شمال الأطلسي، وإيلانا بيت إيل خبيرة استراتيجية ومؤرخة، وكبيرة الزملاء المشاركين في شبكة القيادة الأوروبية.

● روبرت سميث وإيلانا بيت إيل - بروجيكت سنديكيت