صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 5075

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

المرأة وإنتاج المعرفة الدينية (1) النسوية السعودية نموذجاً

  • 21-02-2022

دعا الشيخ حسن الصفار المرأة للمشاركة في إنتاج المعرفة الدينية في خطبة جمعة بالقطيف، فما أهمية الدعوة؟ وما المقصود بإنتاج المعرفة الدينية؟

أهمية هذه الدعوة أن المرأة في مجتمعاتنا مغيبة ومبعدة عن إنتاج المعرفة الدينية، كون العلماء والمشايخ هم المتصدرون للإفتاء، وهم المهيمنون على المرجعية الدينية للدولة والمجتمع، وهذا أول عالم دين يدعو المرأة لإنتاج المعرفة الدينية.

الشيخ الصفار رائد في طروحاته الإصلاحية، سبق أن دعا إلى تضمين الخطاب الديني البعد الإنساني ليحتضن الإنسان لكونه إنساناً فحسب، ذكراً أو أنثى، مسلماً أو غير مسلم.

وعلى المستوى المعرفي، فإن المكتبة العربية فقيرة في هذا الميدان، إذ لم أَجِد بحثاً حول حول دور المرأة في إنتاج الخطاب الديني غير بحث د. هتون أجواد الفاسي (سؤال الحرية الأكاديمية في جامعات الخليج) و(المرأة والمعرفة الدينية في الإسلام، مركز المسبار 2018).

أما المقصود بإنتاج المعرفة الدينية، فهو استقلال المرأة بفهم النص الديني وإنتاجه خارج هيمنة الفهم الديني للرجل، فما أهمية ذلك؟

استقلالية المرأة في إنتاج المعرفة الدينية كسر لاحتكار وهيمنة الفهم الذكوري للدين، إنها الشرط الضروري لتحرير عقلها ورفع وعيها بحقوقها ودورها المجتمعي وتفكيك نظام الوصاية.

لن تنال المرأة حقوق المواطنة الكاملة إذا اكتفت بموقف المتفرج اتكالاً على دفاع دعاة الإصلاح الرجال، يجب أن تساهم في ميدان الإصلاح وتستقل بإنتاج المعرفة الدينية كما كانت أم المؤمنين السيدة عائشة تساهم في إنتاج المعرفة الدينية وتستدرك بشجاعة على الصحابة أخطاءهم في المرويات الحديثية.

على المرأة ألا تكون تابعة متلقية للمعرفة الدينية، ولا ترضى بوضعية المواطنة المنقوصة هذه معركتها هي، حقوقها وحقوق أطفالها، مجتمعاتنا ظالمة، هي مع القوي وصاحب النفوذ والغني، تهمش الضعيف والفقير ومن لا ظهير له من قبيلة أو طائفة، لكن ما ضاع حق وراءه مطالب، وعندنا (الحركة النسوية السعودية) نموذج ناجح للاستقلالية.

كانت المرأة السعودية تعاني وضعية مجتمعية مهمشة، تقاسي ظلمات عدة: المجتمع، الدولة، السلطة الدينية، كانت كائناً تابعاً ناقصاً قاصراً، لكنها رفضت التهميش، كافحت بشجاعة وضحت.

بدأت المرأة السعودية كفاحها قبل (3) عقود، بالمطالبة بقيادة السيارة، تطورت إلى حركة مطالبة بالمواطنة الكاملة، وبين البداية والنهاية قصة تروى.

اعتمدت الحركة أسلوبين:

1- أسلوب التظاهر: عام 1990 شهدت الرياض أول مظاهرة نسائية للمطالبة بقيادة السيارة.

2- وسائل التواصل الاجتماعي: من لحظة الربيع العربي، اكتسبت المطالبة زخماً جديداً وتحولت إلى حركة نشطة منظمة وبرز نموذج "المرأة السعودية الناشطة" في الفضاء العام يتبنى أسلوب الحراك باستقلال عن الدولة يبني علاقته معها على أساس "المواطنة" لا "الرعاية الأبوية" كما في حملة "أنا ولية أمري" تعبيراً عن المطالبة بالمواطنة الكاملة، بدأت الحملة بالتوسع مع هاشتاغ "سعوديات نطالب بإسقاط الولاية"، وتحولت إلى حملة شعبية ضخمة شملت قطاعاً مجتمعياً عريضاً ومتنوعاً: ناشطات، حقوقيات، صحافيات، عضوات الشورى، مهاجرات، شابات عاديات.

كانت حملة الولاية هي الأكبر والأطول في التاريخ الحقوقي النسائي، وقدمت رؤى حول الدين والمجتمع مخالفة للرؤى السائدة والموظفة كتبريرات لحقوق مواطنة ناقصة.

ركزت الحملة على توعية المجتمع بأن قضيتهن "سياسية" لا "اجتماعية" أو "دينية" وأن الدولة هي المسؤول الرئيس عن وضعهن كمواطنات من الدرجة الثانية لا المجتمع أو الإسلام، وقد تعرضن لحملات التشويه والتجريح، أوقف بعضهن واعتقلن ومنعن من السفر، لكنهن ناضلن حتى أذن فجر عهد جديد للمرأة والمجتمع السعودي، نفضت الدولة السعودية الرابعة غبار الماضي، وتبنت مسار الانفتاح الاجتماعي، وعاد المجتمع إلى الحياة الطبيعية السوية كبقية مجتمعات العالم، وحققت الحركة مطالبها، وكسبت الدولة استثمار طاقات شبابها وشاباتها في تفعيل رؤية 2030. (راجع: البحث التوثيقي الفذ لنورة الدعيجي: قراءة في تحولات الحركة النسوية السعودية، من الهامش إلى المركز: التنمية في هوامش الخليج)

نجحت النسوية السعودية في تحقيق نقلة نوعية من الهامش إلى المركز، لتصبح نموذجاً ملهماً... يتبع.

*كاتب قطري

د. عبدالحميد الأنصاري