صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 5099

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

ما السبب وراء أهمية الانتخابات الرئاسية في إيطاليا؟

  • 28-11-2021

تُـعَـد إيطاليا الحلقة الأضعف في منطقة اليورو، وهذا يعني أن عملية صنع السياسات الإيطالية ستكون أساسية لبقاء الاتحاد الأوروبي وازدهاره في السنوات المقبلة، وإذا عادت الأحزاب الشعبوية إلى السلطة في ظل مستويات الدين والعجز المرتفعة بشدة بالفعل، فقد يصبح استمرار إيطاليا في عضوية منطقة اليورو موضع شك.

في شهر يناير 2022، سيدلي أعضاء البرلمان الإيطالي (ومعهم الممثلون الإقليميون) بأصواتهم السرية لانتخاب الرئيس التالي للبلاد، وسيخلف اختيار البرلمان عواقب أوسع كثيرا مما قد يتصوره أغلب الناس. الواقع أننا اعتبرنا الانتخابات الرئاسية الإيطالية أحد ثلاثة اقتراعات يمكنها أن تحدد مصير الاتحاد الأوروبي في السنوات المقبلة يتمثل الاقتراعان الآخران في الانتخابات الفدرالية الألمانية التي عقدت في سبتمبر والانتخابات الرئاسية والبرلمانية الفرنسية التي من المقرر أن تعقد في أبريل ويونيو من عام المقبل على التوالي.

من المعتقد في عموم الأمر أن الرئيس الإيطالي يؤدي دورا مراسميا فقط (مثل الرئيس الألماني)، وفي الواقع، على الرغم من أن الدستور الإيطالي ينص على أن الجمهورية ديمقراطية برلمانية- حيث تعتمد الحكومة على ثقة الهيئة التشريعية المنتخبة- فإن هذا النظام لا يُـعـمَـل به إلا أثناء فترات "الهدوء" النسبي، وعندما تهيمن على النظام السياسي أحزاب قائمة بوظيفتها على النحو الواجب وقادرة على تأمين أغلبية قوية في البرلمان، يصبح الدور الذي يضطلع به الرئيس هامشيا نسبيا، ولكن في فترات "الاضطراب"، عندما يتمكن الضعف من النظام السياسي ويعجز عن تسليم حلول قابلة للتطبيق، يصبح الرئيس الحل المنقذ في اللحظة الأخيرة.

تتمثل الأداتان الأكثر أهمية تحت تصرف الرئيس في سلطة تعيين رئيس الوزراء والموافقة على حكومة رئيس الوزراء؛ وسلطة حل البرلمان بعد "الاستماع" إلى رئيسي المجلسين، وعلاوة على ذلك، بصفته الموقع الفعلي على جميع القوانين والمراسيم، يتمتع الرئيس الإيطالي أيضا بسلطة إعادة التشريعات إلى البرلمان، كما يشغل الرئيس منصب القائد العام للجيش ومنصب رئيس الهيئة الحاكمة للسلطة القضائية.

نظرا لهذه الأدوار، أصبح من المسلم به لفترة طويلة أن هناك خطين للقيادة في إيطاليا: الأول يرأسه رئيس الوزراء، الذي يمارس السلطة من خلال وزراء الحكومة والنظام السياسي في عموم الأمر، حيث إن رئيس الوزراء مسؤول رسميا عن الشؤون الداخلية وهو يخلف أعظم الأثر على حياة الناس اليومية، والشرعية السياسية هي المفتاح لعمل هذا المنصب على الوجه اللائق.

الخط الثاني للقيادة أكثر مؤسسية (وضمنية) من كونه سياسيا، فالرئيس مسؤول عن علاقة إيطاليا مع أوروبا (بما في ذلك التزامها بمعاهدات وقواعد الاتحاد الأوروبي) ومع حلفاء مثل الولايات المتحدة، ويمارس الرئيس نفوذه من خلال الهياكل التكنوقراطية في وزارة الاقتصاد والمالية، وخصوصاً مكتب المحاسبة القوي وبنك إيطاليا، وفي مناسبات سابقة عندما بدا النظام السياسي الإيطالي وكأنه ينحرف باتجاه مواقف شعبوية معادية لأوروبا، كان الرئيس هو الذي طمأن الحلفاء إلى التزام إيطاليا المستمر بالاتفاقيات الدولية.

تأتي الانتخابات الرئاسية المقبلة في إيطاليا في لحظة حاسمة، وبعد الموافقة على تلقي ما يقرب من 200 مليار يورو (225 مليار دولار أميركي) في هيئة مِـنَـح مشروطة وقروض رخيصة من صندوق الاتحاد الأوروبي للجيل القادم والذي تبلغ قيمته 750 مليار يورو، ستشرع إيطاليا في تنفيذ برنامج إصلاحي طموح للفترة من 2022 إلى 2026، ومن خلال إثبات إمكانية إعادة التوزيع داخل الاتحاد الأوروبي بكفاءة وفعالية، من الممكن أن تغير إيطاليا سياسات الاتحاد الأوروبي جوهريا، مما يمهد الساحة لآلية إعادة توزيع دائمة وإنشاء اتحاد مالي.

ستكون التداعيات فيما يتصل بالسياسات عميقة، وسيصبح لدى الاتحاد الأوروبي قدر أعظم من الوسائل لربط الدعم المالي بالإصلاح البنيوي الوطني، بهدف زيادة إمكانات نمو الكتلة، وفي الوقت ذاته، ستؤدي السياسة النقدية دورا أصغر نسبيا، مع تركيز البنك المركزي الأوروبي بشكل قصري تقريبا على السيطرة على التضخم، بدلا من ملاحقة تدابير الباب الخلفي لتقاسم المخاطر في غياب الخزانة المشتركة.

ولكن إذا أثبتت إيطاليا أنها غير قادرة على إنفاق أموال الاتحاد الأوروبي بشكل فَـعّـال، فسيتذكر التاريخ صندوق الاتحاد الأوروبي للجيل القادم على أنه ممارسة لمرة واحدة، وسيظل توفير الحوافز الاقتصادية مهمة يضطلع بها صناع السياسات المالية على المستوى الوطني والبنك المركزي الأوروبي.

لذا، من الأهمية بمكان أن تنجح إيطاليا في جعل اقتصادها أكثر قدرة على المنافسة وأكثر كفاءة، ولا شك أن هذه النتيجة ليست مؤكدة، بالنظر إلى سجل إيطاليا السابق الرديء نسبيا في توظيف أموال الاتحاد الأوروبي، ويرجع قدر كبير من السبب وراء موافقة المفوضية الأوروبي على خطة التعافي في إيطاليا إلى حقيقة مفادها أن رئيس البنك المركزي الأوروبي السابق ماريو دراجي أصبح الآن رئيس وزراء إيطاليا، والسؤال إذاً هو كيف يمكن ضمان استمرار دراجي في الاضطلاع بدور رائد في تنفيذ أجندة الإصلاح.

في الإجابة عن هذا السؤال، يمكننا الرجوع إلى مدرستين فكريتين:

الأولى تعتبر دراجي مؤهلا للاستمرار في العمل كرئيس للوزراء على الأقل حتى نهاية البرلمان الحالي في فبراير 2023، وهذا من شأنه أن يسمح له بالإشراف على التنفيذ الأولي للخطة في حين تناور الأحزاب الوسطية لتوفير المنصة السياسية الكفيلة بتزويده بأغلبية جديدة في الانتخابات العامة المقبلة، وبهذا يصبح أمامه حتى عام 2023- وربما حتى عام 2028- لتنفيذ أجندة الجيل القادم من الاتحاد الأوروبي.

وترى المدرسة الفكرية الثانية أنه من الأفضل لدراجي أن يصبح رئيسا، فمن أعلى التسلسل القيادي إلى المرتبة الثانية، سيكون قادرا على الإشراف على العديد من عناصر خطة الإصلاح طوال السنوات السبع القادمة، مما يضمن التزام إيطاليا بمعاهدات الاتحاد الأوروبي- نصاً وروحاً- حتى لو فازت بالسلطة حكومة متشككة في أوروبا في عام 2023.

يبدو الخيار الأول أسهل، لأن الحكومة الحالية لن تتأثر بانتخابات عام 2022 الرئاسية؛ لكنها قد تواجه مشاكل في العام التالي، حيث لا يوجد ما يضمن عودة دراجي كرئيس للوزراء، أما السيناريو الثاني فيعتمد على فوز دراجي بالاقتراع السري على الرئاسة، وهو ما لا يمكن ضمانه أيضا؛ لكنه سيحافظ على وجوده كرئيس للدولة طوال السنوات السبع القادمة، وفي اعتقادنا أن هذا يبدو أفضل.

تظل إيطاليا تُـعَـد الحلقة الأضعف في منطقة اليورو، وهذا يعني أن عملية صنع السياسات الإيطالية- وصناع القرار الذين يقفون من ورائها- ستكون أساسية لبقاء الاتحاد الأوروبي وازدهاره في السنوات المقبلة، وإذا عادت الأحزاب الشعبوية إلى السلطة في ظل مستويات الدين والعجز المرتفعة بشدة بالفعل، فقد يصبح استمرار إيطاليا في عضوية منطقة اليورو موضع شك، مما ينذر بجميع أشكال الارتباك والانقطاع في الأسواق، وبعيداً كل البعد عن كونه مجرد طقس شكلي، لن نجد من العبارات ما يكفي للتأكيد على مدى أهمية التصويت الرئاسي المقبل في إيطاليا.

* نورييل روبيني الرئيس التنفيذي لمؤسسة Roubini Macro Associates، وهو المؤسس المشارك لموقع TheBoomBust.com. وبرونيلو روزا الرئيس التنفيذي لشركة Rosa & Roubini Associates، وأستاذ زائر في جامعة بوكوني.