صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4900

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

«مثل برقٍ خبا»... سيرة مثقف جوّال

واصل الكاتب العراقي المقيم في الدنمارك، شاكر الأنباري، سَيره على درب الدهشة والإمتاع، إلى أن وصل أخيراً إلى محطة مهمة في مشواره الثقافي والإبداعي، عبر إصداره كتاباً جديداً بعنوان «مثل برقٍ خبا»، الذي ذيّله بعنوان آخر يضيء محتوي هذا العمل الشائق: «سيرة ثقافية لكاتب جوّال»، وفيه يحكي فصولاً من حياته التي أثمرت باقة كتب متنوعة بين القصة والرواية والمقال... إلخ، وكذا أهمية القراءة عموماً بالنسبة إلى البشر.

يُلخِّص كتاب "مثل برقٍ خبا"، الصادر عن دار تأويل للنشر والتوزيع، تجربة الكاتب شاكر الأنباري في الكتابة، وما رافقها من انتقالات حياتية في الزمان والمكان، وما أنتجت تلك التجربة من روايات، وقصص، ومقالات، وعمل تحريري وإعلامي، ووجهات نظر في الأحداث التي عاصرها، أو كان شاهداً عليها، أو مشاركاً فيها على امتداد نحو أربعين سنة.

وهذا الكتاب هو سيرة مثقّف عراقي جوّال عاش في أكثر من بلد، وتمثّل أكثر من لغة وثقافة، وظل الكتاب رفيقاً دائما في تلك الرحلة الشاقة، رحلة الحياة، قراءة وتأليفاً ونقداً وترجمة.

عن القراءة وأنواعها، وجذوة التمرد الأولى، والابتداء كل مرة من الصفر، والمنطقة الخضراء، وشارع المتنبي، والمشاهير في إصداراتهم. عن الأحلام المتغيرة بين عقد وعقد، وكيف استحالت إلى أوهام. عن البدايات الأولى، والمسير المتعثّر لبلوغ التوازن الروحي، وصياغة رؤية فردية حول السرد وأنماطه، ومنه الرواية.

يجد القارئ، من خلال تلك الخلطة السردية الحرة، رؤية عامة حكمت الكاتب وتبعها في مسيرته الإبداعية خاصة، حتى بلغت خمس مجموعات قصصية، وإحدى عشرة رواية منشورة. قصص، وحكايات، ومتون، وهوامش، وآراء، وشروحات، وكل ما يصوغ الجوهر الروحي للفرد منذ ولادته وحتى مماته.


ويعتقد الأنباري من جانبه، أن هذه السيرة تهمّ الأجيال الجديدة في العراق وهي لم تعش تجربة مماثلة، ولن تعيش، لأن التاريخ لا يكرّر نفسه، وقد جرت مياه كثيرة في أرض الرافدين خلال الأربعين سنة الماضية. تغيرت وجوه، وانمحت مدن، وتحطمت أحلام، وغادر الصحب والخلّان نحو السماء.

ويركِّز المؤلف على أهمية القراءة في حياتنا، إذ يقول في مقطع من الكتاب: "أظن أن الإيمان بجدوى وضرورة قراءة الكتب، هاجس شائع تحت الظروف كلها. البشرية تحمل هذه البديهية في جيناتها. هو تفاعل داخلي شبيه بالإدمان على مخدر ما. وإدمان القراءة يكاد يشبه إدمان الكحول. مدمنو الكحول إن لم يجدوا ما يشربونه يتجهون في حالات شاذة إلى البدائل، قناني العطور، البنزين، الأدوية المصنوعة من السوائل المهدئة، وهكذا. هو وباء جميل على أية حال". يواصل: "صديق لي سُجن أكثر من سنة في سجن (إيفين) سيئ السمعة منذ الشاه حتى الآن، أي بعد مجيء الخميني للسلطة، قال إنه اضطر بسبب شحة الكتب إلى قراءة كتب الأدعية، ومنها دعاء كميت، وحياة الأئمة، ونهج البلاغة وفتاوى الخميني، وغير ذلك من كتب، فهي الوحيدة المتوافرة لديهم.

صديقي كان علمانياً لا يطيق كلمة الأديان والمذاهب. صديق آخر وجد نفسه في مدينة سويدية منعزلة فيها مكتبة عامة، بين كتبها نسخ باللغة العربية، فكان يقضي ساعات كل يوم يقرأ محمد عبدالحليم عبدالله، وجرجي زيدان، وجبران خليل جبران، والمنفلوطي، ثم التهم نجيب محفوظ كما لو كان يلتهم قرصاً من البيتزا الإيطالية".

وبحسب الأنباري، فإن "ما يهم هو القراءة فقط. وفي مرحلة طفولة القراءة، وكما جربتها أنا نفسي، كان المرء يلتهم كل ما تقع عليه يداه من كتب. ألف ليلة وليلة، كتب طه حسين، وروايات ديستويفسكي، وأجاثا كريستي، وأرسين لوبين، وتولستوي، وهمنغواي، وماركس، ولينين، ولا يتحوّل إلى قارئ انتقائي إلا بعد أن تقلّبه تجارب الحياة رأساً على عقب. حينها يستطيع تمييز العميق من السطحي، المفتعل من الحقيقي. والكتب تتحول أحياناً إلى هوس، خاصة حين تكون بديلاً عن حياة ضيقة، وشاحبة، ومنغلقة، وتعيسة".

● القاهرة - أحمد الجمَّال