صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4841

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

هل يصنع الإعلام الإلكتروني جيلاً لا يعرف تاريخ وطنه؟ (2-2)

  • 01-08-2021

لو سكت قانون حماية الوحدة الوطنية عن شمول أحكامه بحظر الدعوة إلى كراهية المقيمين، أسوة بالكويتيين، لكان ذلك منطوياً على دعوة من المشرع إلى إباحة كراهية المقيمين وازدرائهم، وهو ما لا يليق بدولة الكويت، إمارة الإنسانية أو بمشرعها، ولأصبح أشبه بالقوانين العنصرية التي كانت تطبق في جنوب إفريقيا، قبل نصف قرن، وتسببت في مقاطعة العالم كله لهذه الدولة حتى ألغيت هذه القوانين.

تناولت في مقال الأحد الماضي تعريف الإنسان مقارنة بسائر الكائنات الحية، فقلت إنه كائن حي ذو تاريخ، فهو دائم التطور وكل جيل يبدأ من حيث انتهى الذين سبقوه، ليضيف جديداً، وهذا هو التقدم، وقلت في هذا المقال إن الكويت، الدولة والإمارة، كانت في أصل نشأتها مجتمعا موحداً من أجناس متعددة وجماعات متفرقة، قدمت من الأراضي السعودية ومن العراق وإيران، لتعيش معا في محبة ومودة وسلامة في خيمة القرين.

وحدة الوطن واستقراره

والثابت من نص المذكرة التفسيرية للدستور، أنها في تجسيدها لهذه الحقيقة، تحدثت عن وحدة الوطن واستقراره، والوطن هو شخص اعتباري يضم على أرضه أشخاصا طبيعيين، هم جميع سكان الكويت، لأن الأمن الوطني يشملهم جميعا، وحماية وحدة الوطن هو مفهوم أعمق وأشمل من قصر هذه الحماية على فئة من هؤلاء السكان، ولو كانوا ينتمون بجنسياتهم إلى الدولة، فضلا عن أنه يصنع شرخا غائرا وعميقا في الوطن.

ويعزز هذا المعنى ويؤكده أصل عام قررته المادة (29) من الدستور، فيما نصت عليه من "أن الناس سواسية في الكرامة الإنسانية، وهم متساوون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة".

ولأن الأمن الوطني والأمن الاجتماعي هما من النتائج الرئيسة التي تحققها وحدة الوطن واستقراره، فقد خاطب الدستور جميع سكان الكويت بهما فيما تنص عليه الماده (49) من الدستور من أن: "مراعاة النظام العام واحترام الآداب العامة، واجب على جميع سكان الكويت، والنظام العام هو أمن الكويت الوطني والصحي والاجتماعي".

قانون الوحدة الوطنية

ومن هذا المفهوم الأعمق والأعم والأشمل لوحدة الوطن واستقراره، حرص قانون الوحدة الوطنية رقم 19 لسنة 2012 على الالتزام بهذا المفهوم باعتباره العمود الفقري للدستور، فوحدة الوطن لا تقبل التجزئة أو القسمة، لأن هدفها هو استتباب أمن البلاد، أمنياً واقتصادياً واجتماعياً، لذلك حظر قانون الوحدة الوطنية كل دعوة أو حض على كراهية أو ازدراء أي فئه من فئات المجتمع... إلخ.

وعاقب القانون كل من يرتكب هذا الفعل بالحبس مدة لا تزيد على سبع سنوات وغرامة لا تقل عن عشرة آلاف دينار، ولا تزيد على مئة ألف دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين، كما عاقب القانون الشخص الاعتباري الذي ترتكب الجريمة من خلاله بغرامة لا تقل عن عشرة آلاف دينار ولا تزيد على مئتي ألف دينار، ويجوز الحكم بإلغاء الترخيص بمزاولة هذا النشاط.

والثابت من نصوص هذا القانون، أن الدعوة أو الحض على كراهية أي فئة من فئات المجتمع، وهو الفعل المؤثم جزائيا والمعاقب عليه، هو حكم عام ومطلق، فيسري على عمومه ويجري على إطلاقه في حظر الكراهية أو الدعوة إلى ازدراء أي فئة من سكان الكويت أيا كانت جنسياتهم، طالما لم يخصص من عمومه أو يقيد من إطلاقه بنص صريح، ولو فعل قانون الوحدة الوطنية ذلك وسكت عن شمول حكم الحظر سالف الذكر وتأثيمه لكافة فئات المجتمع من كويتيين ومقيمين وهو ما لا يليق بدولة الكويت، إمارة الإنسانية، أو بمشرعها لأصبح أشبه بالقوانين العنصرية التي كانت تحكم جنوب إفريقيا، قبل نصف قرن، وتسببت في مقاطعة العالم كله حتى ألغيت هذه القوانين، ولوقع قانون حماية الوحدة الوطنية في حومة مخالفة مبدأ شرعية التجريم والعقاب، فضلا عن مخالفة أحكام المادة (29) من الدستور، فيما نصت عليه من أن الناس سواسية في الكرامة الإنسانية، وغني عن البيان أن الدعوة إلى كراهية أي فئة أو ازدرائها أيا كانت جنسيتها، هي إهدار لكرامتها الإنسانية.

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.

المستشار شفيق إمام