صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4846

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

ما قل ودل: هل يصنع الإعلام الإلكتروني جيلاً لا يعرف تاريخ وطنه؟ (1-2)

  • 25-07-2021

التقدم إلى الخلف

عندما وصلنا إلى عصر المعلومات كانت خطوة إلى الأمام، ولكن عندما أساءت بعض قنوات التواصل الاجتماعي رسالتها في بيان الحقائق للناس، بتزييف الحقائق والتنابز بالألفاظ والجري وراء الإثارة، ونشر الكراهية ورفض الآخر وطمس التاريخ أصبحت تقدما إلى الخلف.

وهو ما جعلني أطرح في هذا المقال سؤالا مشروعا هو: هل يصنع الإعلام الإلكتروني جيلاً لا يعرف تاريخ وطنه؟ ولكي تكون الإجابة عن هذا السؤال واضحة، حرصت على أن أستهلها بمقدمة عن تعريف الإنسان.

الإنسان كائن ذو تاريخ

فقد اختلف العلماء في تعريف الإنسان مقارنة بسائر الكائنات الحية، فمنهم من ميزه بالعقل ومنهم من ميزه بالنطق، ومنهم من ميزه بالابتسامة، إلا أنهم اكتشفوا أن بعض الكائنات الحية الأخرى، تملك هذه الميزة أو تلك، حتى اهتدى العلماء إلى تعريف دقيق من بضع كلمات هي: إنه الكائن الحي ذو التاريخ، أما غيره من كائنات حية فليس لها تاريخ لهذا لم تتطور سلالاتها عبر آلاف السنين التي عاشتها في الأرض، سواء في نوع الحياة أو الصفات أو الطباع.

فكل جيل من البشر يعرف تجارب الأجيال التي سبقته ليستفيد منها ويتجنب زلاتها، ولهذا يتطور حتى أصبح الإنسان سيد الكون، يحكم الحيوان والجماد ويقهر الطبيعة، وكل جيل لا يبدأ من جديد، ولكنه يبدأ من حيث انتهى من سبقوه، فيضيف إنجازاته إلى ما أنجزوه واكتشافاته إلى ما اكتشفوه، وهذا هو التقدم، والمواطن عليه أن يعرف تاريخ وطنه كله، ويدرك سر تطوره وأسباب نهضته، وأن يستخلص من حوادث التاريخ عبرتها.

ولقد أدرك الفراعنة أهمية التاريخ وعظمته في حياة البشرية قبل هؤلاء العلماء فشيدوا الأهرامات وأقاموا المعابد ونقشوا على حجارتها وعلى أوراق البردي أعمالهم وإنجازاتهم واكتشافاتهم، وتاريخهم الذي يحكي حضارتهم قبل آلاف السنين، ليشهد لهم العالم كله أنهم أول حضارة ظهرت في التاريخ البشري كله.

الكويت بلاد العرب

هذا ما كتبه الرعيل الأول في الكويت على كراسات المدارس التي كان الطلاب يستخدمونها في المدارس، ليعلموا أن الكويت واحة السلام ترحب بكل عربي، على أرضها، وقد اجتزؤوا بهذه العبارة، من تاريخهم، نشأتهم الإنسانية الأولى في خيمة القرين، خيمة السلام والتآخي بين أجناس مختلفة في الجماعات التي لجأت إلى هذه الخيمة، هربا من القلاقل في الجزيرة العربية والعراق وإيران، فكانت وحدة إنسانية، لا سلطان فيها لجماعة على الأخرى، إلى أن نصبوا عليهم حاكما من آل الصباح، وأخذوا عليه عهدا وميثاقا، بأن يحكمهم وفقا لشرع الله، الذي نصب رجلا صالحا من آل العدساني، على ولاية القضاء، وأخذ عليه العهد ذاته.

تأسيس الدولة وصدور الدستور

تعتبر المادة (7) من الدستور المبادئ الثلاثة التي يتمثل فيها شرع الله وهي، العدل والحرية والمساواة، دعامات المجتمع، تصونها الدولة، حيث ينص الدستور في مادته الأولى على أن الكويت دولة عربية، وشعبها جزء من الأمة العربية، وينص في مادته الثانية على أن دين الدولة الإسلام، ومؤدى هذا النص ومفاده، أن النهج الذي ستنتهجه الدولة في الحكم، هو مبادئ الإسلام، التي تقوم على التعاون والتراحم.

وفي هذا السياق يقول النبي، صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، ويقول أيضا: "المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا"، وفي وصية جبريل للنبي كما أخبرنا عليه الصلاة والسلام: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه".

وفي هذا السياق أسوق فتوى الإمام الأكبر الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية في أوائل القرن الماضي وهو رائد حركة الإصلاح في مصر وفي العالم العربي كله، وقد كانت مصر في هذه الفترة مهبط الوافدين من مختلف الجنسيات، ينهلون العلم في الأزهر، ومنهم الشعراء والعلماء والفنانون، عندما سئل عن موقف الإسلام من الجنسيات وحكم المسلم إذا دخل مملكة إسلامية وكان ما توخاه السؤال هو حكم هؤلاء الوافدين القادمين إلى مصر من مختلف الجنسيات، فأجاب الإمام محمد عبده في فتواه التي أصدرتها دار الإفتاء المصرية في 17/ 11/ 1904 إجابة مطولة نجتزئ منها ما يلي: "وطن المسلم من البلاد الإسلامية هو المحل الذي ينوي الإقامة فيه ولا ينظر الى موطن مولده ولا إلى البلد الذي نشأ فيه، وإنما بلده ووطنه الذي يجري عليه عرفه وينفذ فيه حكمه هو البلد الذي انتقل إليه واستقر فيه، فهو رعية الحاكم الذي يقيم تحت ولايته، وله من حقوق الرعية ما لهم وعليه ما عليهم لا يميزه عنهم شيء لا عام ولا خاص"، (وقد وردت هذه الفتوى كاملة في مقالي المنشور على صفحات "الجريدة" في عددها الصادر في 5 نوفمبر سنة 2017).

وهو ما ألزمني أن أكتب هذا المقال، لأطرح سؤالا مشروعا في عنوان المقال، موجها إلى بعض قنوات التواصل الاجتماعي عذرا التنافر الاجتماعي، التي أفسحت صدرها، لكل زيف وتضليل وكذب وبهتان، حيث تجاهلت الحقائق الدامغة لنشأة هذا المجتمع الإنساني النشأة والنزعة.

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.

المستشار شفيق إمام