صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4795

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

لأول مرة... قفزة أسعار النفط لا تغطي عجز الميزانية!

• انفلات قياسي في المصروفات... واستسهال لافت في صرف المليارات
• ارتفاع سعر البرميل أو تحسُّنه محفز لشراهة الحكومة في إعداد الميزانيات المتضخمة

تضخم المصروفات في الميزانية، خلال السنوات الـ 20 الأخيرة، بات وجهاً جديداً للاختلالات الاقتصادية في الكويت يحاكي اختلالات عديدة؛ أبرزها غلبة الاعتماد على مبيعات النفط في تمويل الميزانية، مقابل الإيرادات غير النفطية.

ببلوغه، أمس، مستوى 72.99 دولاراً يكون سعر برميل النفط الكويتي قد تضاعف بما يتجاوز 6.23 مرات، مقارنة بأدنى سعر بلَغه البرميل الكويتي في يوم 28 أبريل 2020 عند 11.72 دولاراً، مع تدهور أسعار الخام عالمياً بسبب تداعيات أزمة "كورونا".

ومع أن هذا التضاعف الاستثنائي في سعر برميل النفط الكويتي يعادل أعلى سعر للبرميل منذ 30 شهرا، إلا أنه من الناحية العملية لا يزال يقل عن سعر التعادل في الميزانية العامة للدولة 2022/2021 البالغ 90 دولارا للبرميل بأكثر من 17 دولارا، أي 18.8 في المئة، وهذه أول مرة في تاريخ الكويت تتحقق قفزة سعرية لاسعار النفط في العالم، وتظل الميزانية، مع ذلك، ضمن مستويات العجز المالي.

انفلات المصروفات

وهذا الوضع المستجد يشير من ناحية إلى انفلات حاد ومتنامٍ في المصروفات العامة تجاوزت 23.5 مليار دينار، كأعلى انفاق تاريخي لدولة الكويت، رغم ما يفترض ان تفرضه ظروف الجائحة واعتبارات العجز المالي من اعادة هيكلة للمصروفات والاقتصاد بشكل عام، ويبين من ناحية أخرى ان انتعاش أسعار النفط (البرميل الكويتي تحديدا) بـ 44 في المئة منذ بداية العام -وهي نسبة صعود كبيرة بالمقارنة مع أوضاع أسواق النفط العالمية منذ سنوات- لم يعد يغطي كما السابق مصروفات الميزانية العامة للدولة، فضلاً عن الحديث عن تحقيق الفوائض المليارية.

من هنا نفهم أن تضخم المصروفات في الميزانية، خلال السنوات الـ 20 الاخيرة، بات وجها جديدا للاختلالات الاقتصادية في الكويت يحاكي اختلالات عديدة؛ أبرزها غلبة الاعتماد على مبيعات النفط في تمويل الميزانية، مقابل الايرادات غير النفطية، وبالتالي فإن هذا الانفلات في المصروفات سيزيد من حالة الانكشاف أمام اسواق النفط، في وقت تحدث محافظ بنك الكويت المركزي، هذا الاسبوع، لأول مرة، عن مخاطر "ظاهرة التغير المناخي كقضية تؤرق قادة العالم، وباتوا أكثر جدية في معالجتها عبر حزمة إجراءات"، مما يبين مدى طبيعة التحولات الجديدة في اسواق الطاقة، التي تشير الى بداية أفول أو خفوت أو تراجع عصر النفط لمصلحة استثمارات واسعة في قطاعات الطاقة المتجددة، والاهتمام أكثر بالتغير المناخي والسياسات البيئية.

عوامل إيجابية


وبنظرة عامة إلى سوق النفط، نجد أن أسباب ارتفاع الأسعار منذ بداية العام ترجع إلى مجموعة من العوامل الإيجابية، أهمها استمرار اتفاق مجموعة "أوبك بلس" على تثبيت الانتاج، للمحافظة على الاسعار، وهو اتفاق جاء بعدما تدهورت الاسعار خلال أزمة كورونا، فأجبرت منتجي "أوبك" والمستقلين -على غير العادة- على الاتفاق ضمن مجموعة "أوبك بلس"، على تثبيت الانتاج والالتزام بالاتفاق طبعا إلى حين عودة الطلب لسابق عهده قبل أزمة "كورونا"، في حين تتحدث البيانات الصادرة عن معظم الاقتصاديات الكبرى العالمية عن عودة الاعمال الى ما يشبه طبيعتها قبل الأزمة، خصوصا مع الانتعاش التدريجي لحركة النقل، لاسيما الطيران حول العالم، وعودة أعمال المصانع، كما يتوقع اكبر المنتجين مثل "السعودية- الكويت" ارتفاع اسعار النفط، مما جعلهم يواصلون رفع اسعار شحناتهم المتجهة الى اسواق آسيا في شهر يوليو المقبل، بما بين 10 و20 سنتاً، مقارنة بالشهر الحالي، لتصل الى 1.25 دولار للكويت و1.9 دولار للسعودية، فوق متوسط الأسعار المعروضة لخام عمان في بورصة دبي للطاقة، وخام دبي على بلاتس.

... وأخرى سلبية

في حين تطل العوامل السلبية بدرجة أقل تأثيراً في سوق النفط هذه الفترة، فعلى المدى القصير ثمة مخاوف من تأثير تحورات فيروس كورونا "الهندي" على عودة الاعمال لطبيعتها، وعلى المدى المتوسط أيضا هناك ترقب لأثر عودة صادرات ايران النفطية على اسعار النفط حال التوصل الى اتفاق أميركي-إيراني بشأن البرنامج النووي لطهران، كما تتابع الاسواق امكانية زيادة "اوبك بلس" لمعروض الخام بمقدار 1.4 مليون برميل يوميا، فوق هدفها المقرر في يوليو 2021 ومارس 2022، الى جانب توقعات أن تواصل السعودية والكويت زيادة الإنتاج في المنطقة المحايدة المشتركة، وتزيد الإمارات طاقتها في حقل زاكوم العلوي، فضلا عن تطوير العراق لحقوله الجنوبية.

محفز للشراهة

اللافت في مسألة ارتفاع اسعار النفط او تحسنها أن تكون محفزاً لشراهة الحكومة في إعداد الميزانيات المتضخمة، فالحكومة التي توقعت عجزا للميزانية بحدود 12.4 مليار دينار، هي من أعد ميزانية بـ 22.5 مليار دينار لتضيف إليها مليارا اضافيا بدوافع سياسية لا يمكن إخفاؤها، عبر سداد نفقات لم تكن ضرورية أصلا لدفع تكاليف تأجيل سداد القروض لمدة 6 أشهر أو تمويل نفقات ما يعرف بـ "الصفوف الامامية" والتي فاقت قيمتها المصاريف المعتمدة بالاصل لتغطية نفقات أزمة "كورونا" نفسها، فضلاً عن انفلات مالي او إخفاق تنموي رفَعا مصروفات مختلف ابواب الميزانية التي تضاعفت خلال 20 عاما بما يتجاوز 7.5 أضعاف، دون ان ينعكس ذلك على تغيير نمط الاقتصاد او تحديثه.

معنى أن ترتفع اسعار النفط خلال اشهر قليلة بـ 44 في المئة، دون ان نتجاوز العجز المالي لنصل الى سعر التعادل، فالفوائض المالية، يعني أن مالية الكويت قد دخلت مرحلة جديدة أقل مرونة وتفاعلاً مع أسعار النفط من أي فترة أخرى سابقة، وهذا سيعني اتجاهاً أوسع نحو الاستدانة، دون حل الاسباب التي دعت للجوء لها واستنزاف أكبر للاصول السيادية، بعدما استهلكت أصول الاحتياطي العام السائلة في غضون 5 سنوات، والأهم من ذلك التوسع في المصروفات بغض النظر عن اسعار النفط وتحولاته العالمية التي يبدو أنها تسير في اتجاه بيئي لا يصب بالنهاية في مصلحة مصدري النفط.

● محمد البغلي

تحولات جديدة في أسواق الطاقة تشير إلى بداية أفول أو خفوت أو تراجع عصر النفط

تضخم المصروفات خلال السنوات الـ20 الأخيرة بات وجهاً جديداً للاختلالات الاقتصادية في الكويت