صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4764

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

فاروق الفيشاوي... «برنس السينما المصرية» (4- 10)

النجم المصري يبحث عن مغامرة سينمائية في جُزر المالديف!

غامر النجم فاروق الفيشاوي بدخول تجربة الإنتاج في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، والتقى المخرج محمد خان في «مشوار عمر»، وأنتج فيلمه الثاني «استغاثة من العالم الآخر»، وعاد إلى المسرح مع «البرنسيسة»، و«السيدة حرمه»، و«بداية ونهاية»، واصطدم بالرقابة بعد عرض فيلم «درب الهوى»، وقدّم العديد من المسلسلات الدرامية من أشهرها «الحاوي»، و«علي الزيبق»، و«ليلة القبض على فاطمة»، وتوالت رحلة «برنس السينما». تحوَّل «مشوار عمر» إلى علامة سينمائية فارقة، وجمع بين مخرج بحث طوال مشواره الفني عن التفرد، وممثل لا يتوقف عن التجريب والشغف بتجسيد الأدوار الصعبة، وكان الاثنان على موعد مع مغامرة أخرى في أواخر عام 1984، وبدأت فور انتهاء المخرج الراحل محمد خان من تصوير هذا الفيلم، وأجّل مونتاجه لارتباطه مع الفيشاوي بفيلم آخر هو «يوسف وزينب»، إذ كان قد بدأ أسبوعاً من تصويره في القاهرة أوائل 1985، قبل أن ينتقلا مع طاقم العمل إلى جُزر المالديف.

تلك المرة لم تكن المغامرة مصادفة، فقد تلاقت أفكار «المخرج والممثل»، ولم يجد فاروق الفيشاوي مانعاً من ارتياد «مشوار» آخر مع محمد خان، لتصوير فيلم «يوسف وزينب»، هذا الشريط السينمائي الذي اتسم بالجرأة في تناول فكرة غير تقليدية، ويناقش المعنى الحقيقي للشعور بالانتماء، وكتبه السيناريست المتميز بشير الديك، مؤلف «مشوار عمر»، وبطولة فاروق الفيشاوي، وليلى علوي، وتوفيق الدقن، وأنعام سالوسة، ومن المالديف محمد عاصف، ومريم رشيدة.

وأثار الفيلم تساؤلات عن أسباب تصويره في جزر المالديف، وفي كتابه «مخرج على الطريق»، أجاب المخرج الراحل محمد خان، عن التساؤل ببساطة، إذ كانت تجمعه برئيس جمهوريتها مأمون عبدالقيوم صديق، علاقة صداقة بدأت منذ الصبا، حين كان يدرس في الأزهر الشريف بمصر، في المرحلة الإعدادية ثم الثانوية، وكان يجمعهما حب شديد للسينما تمثل في زيارة أسبوعية لأحدث ما يعرض في القاهرة من أفلام، خصوصاً أفلام هيتشكوك وأجاثا كريستي في تلك الفترة.

لم يكن غريباً، حين التقى الثنائي في القاهرة مرة أخرى بعد سنوات من الفراق، «صديق» كرئيس دولة و«خان» كمخرج سينمائي، أن يجتمع الاثنان على فكرة مشروع فيلم سينمائي مالديفي، ليخرج إلى النور فيلم «يوسف وزينب»، كأول فيلم «مالديفي» في تاريخ البلاد، ويقوم ببطولته فاروق الفيشاوي، وكان أول عرض له في المالديف بتاريخ 16 سبتمبر 1986، وفي دور السينما بالقاهرة في يونيو 1989.

وقد روى محمد خان واقعة طريفة مع أهالي الجزيرة عقب انتهاء تصوير العمل الذي استمر يومياً نحو ثلاثة أسابيع، بطلها الأول أغنية الموسيقار الراحل محمد فوزي الشهيرة «ذهب الليلُ»، وكانت الأغنية محور أحد مشاهد العمل، حين يقف المُدرِس (فاروق الفيشاوي) ليعلمها لطلابه، وحين يصل إلى عبارة «شاف القطة قال لها بِسبِس قالت له نو نو»، يجد الفتاة «زينب» التي يحبها قد عادت لتلحق بالفصل، بعد أن حرمها أهلها من الحضور بعد اكتشاف علاقة الحب التي تجمعها بالأستاذ ومقابلتها بالرفض، خصوصا أنها مخطوبة لأحد الصيادين، فتزداد نشوته مع ترديد الطلاب كلمات الأغنية خلفه.

وفي هذا السياق قال خان: «لم يخطر ببالي بتاتاً وأنا أصوِّر هذا المشهد أن بقية سكان الجزيرة الذين كانوا يتابعون التصوير قد حفظوا كلمات الأغنية عن ظهر قلب، وبينما حان وقت الرحيل عقب انتهاء التصوير، اصطف أهالي الجزيرة على ساحلها ليودعونا وهم ينشدون معاً: (ذهب الليل وطلع الفجر والعصفور صوصو)، لتسيل دموعنا جميعاً».

دارت أحداث «يوسف وزينب» حول مدرس مصري يمر بأزمة اقتصادية وعاطفية، حين تركته حبيبته المُعلِمة الحسناء لتتزوج من ثري وتهاجر معه إلى أميركا، بعد أن فاجأها بقبول الإعارة للعمل كمدرس للغة العربية في عاصمة جزر المالديف، معتقداً أنها ستحقق له حلمه في الثراء وادخار ما يكفيه لبداية حياة جديدة في بلده، وهناك يقع في حب فتاة هندية مسلمة تُدعى «هند» وتتبدل حياته تماماً.

وانضم هذا الفيلم إلى قائمة الأعمال النادرة في مشوار الفيشاوي، وكلما أبحرنا معه سنكتشف المزيد من دلائل التميز الفني، ورغم خسارته كمنتج لفيلمين، واصل البحث عن مغامرة جديدة، واستقر على سيناريو فيلم «السجين» وأراد أن يعيد به نجم الستينيات أحمد رمزي بعد غياب طويل عن الشاشة الكبيرة، وبالفعل اتفق مع المخرج خيري القليوبي على بدء تصوير المشاهد الأولى، لكن التجربة لم تكتمل، وظلت تراود الفنان الراحل فكرة تكرار تجربة الإنتاج، والبحث عن فرصة للتعبير عن طموحاته الفنية، بأسلوب «المنتج الهاوي» لا «المحترف».

«الأستاذ يعرف أكثر»

عاد فاروق الفيشاوي من جزر المالديف، وتجدّد طموحه في ارتياد تجارب سينمائية مغايرة، وقبل أن ينتهي عام 1985، شارك في عشرات الأعمال في السينما والدراما التلفزيونية، والتقى النجم الكبير فريد شوقي في بطولة ثلاثة أفلام، أولها «الأستاذ يعرف أكثر» (1985)، قصة الكاتب فتحي أبوالفضل، وإخراج أحمد السبعاوي، وشارك في البطولة بوسي وعماد رشاد. ودارت قصته حول الفتاة «مُشتهى» التي تهرب من بلدتها بعد أن يعتدي أحد الأهالي عليها، وتتوطد علاقتها بسائق تاكسي يُدعى «زكي» ويعجب بها رجل الأعمال الثري «صادق» ويشجعها زكي على الزواج منه حتى يستوليا على ثروته، ولكن كانت في انتظارهما نهاية غير متوقعة.

والتقى الفيشاوي «وحش الشاشة» للمرة الثانية في فيلم «الكف» سيناريو أحمد عبدالرحمن وإخراج أحمد النحاس، وتدور أحداثه في أجواء غرائبية حول شخصية «مختار» وخوفه الشديد على ابنه الثالث «عمر» بعد أن أخبره «قارئ الكف» بحدوث سوء لأبنائه في ليلة زفافه، ويحاول أن يمنعه من الزواج، ولكن الابن يصر على الارتباط بابنة عمه «إيناس» وتتصاعد الأحداث.

وجاء اللقاء الثالث في الفيلم الاجتماعي «قضية عم أحمد» سيناريو بهجت قمر وإخراج علي رضا، ويحكي عن رجل بسيط (فريد شوقي) يعيش مع أسرته في منزل قديم يمتلكه المقاول الثري شكري (جمال إسماعيل) والمعرّض للإفلاس، ويرفع شكري قضية لطرد عم أحمد من المنزل لإقامة مشروع يمكنه من استرداد وضعه المالي، ويقع ابنه رمزي (فاروق الفيشاوي) في حب حفيدة عم أحمد (معالي زايد) ويريد الزواج منها رغم الفارق الاجتماعي بينهما.

وجاءت تللك الأفلام الثلاثة بعد خمسة أعوام من لقاء «الحاوي ووحش الشاشة» في فيلم «الباطنية» عام 1980، مع المخرج حسام الدين مصطفى والكاتب إسماعيل ولي الدين، وتوطدت الصداقة بين نجمين من جيلين مختلفين، وتعلم فاروق الفيشاوي من فريد شوقي احترام موعد التصوير، وتنفيذ تعليمات المخرج، والتواضع الشديد في التعامل مع طاقم العمل، وكان الفيشاوي يشعر بالخجل الشديد من الفنان الكبير، عندما يعرف أنه سبق الجميع في الحضور إلى «البلاتوه».


وخرج الفيشاوي من «قضية عم أحمد» ليتقمص شخصية سائق التاكسي مرة ثانية في فيلم «الأوغاد» للمخرج أحمد النحاس، وشاركه البطولة النجمة بوسي، ومحيي إسماعيل، ووائل نور، وعبدالله محمود، ودارت أحداثه حول «السائق محمود» الذي يعيش مع زوجته «حُسنيّة» وفي أحد الأيام يقل في سيارته راكباً، وفي اليوم التالي يجري استدعاء محمود إلى مقر الشرطة ويُصدم عندما يخبره الضابط أن شخصاً مجهولاً قد أبلغ عنه بتهمة ضربه وسرقة مبلغ 50 ألف جنيه، وتتصاعد الأحداث.

بصمات فوق الماء

تميز مشوار فاروق الفيشاوي بالتنوع والثراء، وتقمص أدواره من خلال أطياف درامية مختلفة، وفي عام 1986 التقى المخرج ياسين إسماعيل ياسين المعروف بأفلامه ذات الطابع البوليسي، التي يؤلفها بنفسه، ويحاكي فيها أفلام المخرج الشهير ألفريد هيتشكوك، وفي أجواء من الغموض والإثارة، كان فيلمهما الأول «بصمات فوق الماء» وشارك في بطولته ميرفت أمين، ومريم فخر الدين، وهشام سليم، ويحكي عن زوجين سعيدين مع ابنتهما يتعرضان لملاحقة في أحداث مفزعة، ويعتقدان أن هناك شبحاً يطاردهما.

وفي العام نفسه، التقى الفيشاوي مجدداً مع النجمة ميرفت أمين والمخرج ياسين إسماعيل ياسين في فيلم «المنتقمون»، الذي تدور أحداثه في إطار تشويقي حول «أحمد» مدرب الملاكمة في الجامعة الذي يتشاجر دفاعاً عن والده ويدخل السجن، ويتعرف خلف القبضان إلى «عباس» وتمتد صداقتهما بعد الإفراج عنهما، ويتورطان في جريمة قتل، ويحاولان الهروب، ويواجهان نهاية غير متوقعة.

معالجة درامية

تعامل فاروق مع مخرجين وكتّاب يمتلكون ثقافة سينمائية غزيرة، ومنهم السيناريست المتميز بشير الديك، والأخير قرّر أن يخوض تجربة الإخراج لفيلم من تأليفه عام 1986، واستطاع أن يجمع بين «الساحر» محمود عبدالعزيز، و«الحاوي» فاروق الفيشاوي في فيلم «الطوفان»، وشاركهما البطولة هالة صدقي، وسمية الألفي، وأمينة رزق، ومحمود الجندي، وحسين الشربيني، ويحكي عن أشقاء يبيعون قطعة أرض يمتلكونها لشخص يريد إقامة أحد المشروعات عليها، مقابل مليون جنيه يدفع الشاري نصفها مقدماً والباقي عند التسجيل. ويظهر عمهم «عبدالمنعم» عقداً ابتدائياً يفيد بأنه اشترى الأرض من أبيهم قبل وفاته، وتقر الأم صحة هذا العقد، فيحاول الأبناء إقناع والدتهم بالشهادة الزور للطعن في صحة العقد فترفض بإصرار، وتؤجل القضية عدة مرات، وتحت إغراء المادة والحلم بحياة أفضل يتفق الأبناء على قتل الأم بإعطائها جرعة كبيرة من الدواء من دون علم الابن الأصغر «يوسف» الذي يذهب إلى المحكمة ويدلي بالحقيقة، ويشعر الأخوة بتأنيب الضمير وهم يعترفون بصحة العقد الابتدائي، ويطلب يوسف تشريح جثة والدته لمعرفة سبب الوفاة.

وبعد مرور ثلاثين عاماً على عرض «الطوفان» تحوّل الفيلم إلى مسلسل درامي، أخرجه خيري بشارة عام 2017 من خلال معالجة درامية للشريط السينمائي، قام بها السيناريست وائل حمدي ومحمد رجاء، ودخل أبطال المسلسل محمود عبدالمغني، وأحمد زاهر، وروجينا، وكِندة علوش، وأحمد صفوت في مقارنة مع نجوم الفيلم فاروق الفيشاوي، ومحمود عبدالعزيز، وهالة صدقي، لكن المسلسل أيضاً حقق نجاحاً كبيراً خارج المنافسة الرمضانية.

وعرض مسلسل «الطوفان» بعد رحيل الفنان محمود عبدالعزيز بعام واحد، بينما شاهده الفنان فاروق الفيشاوي وبشير الديك، وأبديا إعجابهما بالمعالجة الدرامية والإخراج وأداء النجوم الشباب، بل إن الديك كتب عام 2013 معالجة درامية للفيلم الشهير «الزوجة الثانية» وقام بإخراج المسلسل خيري بشارة، إلا أنه لم يحقق نجاحاً مماثلا للشريط السينمائي الذي أخرجه صلاح أبوسيف، وقامت ببطولته سعاد حسني مع شكري سرحان، وسناء جميل، وصلاح منصور، وبذلك انضم «الحاوي والساحر» إلى قائمة نجوم السينما التي تحوّلت أعمالهم إلى مسلسلات درامية.

الفيشاوي «مذيع» في لقاء نادر مع فريد شوقي

التقى الفنانان فاروق الفيشاوي وفريد شوقي في أعمال سينمائية ومسرحية عِدة، وتحوّلت زمالتهما الفنية إلى صداقة وطيدة، وفي بداية التسعينيات جمع بين الراحلين لقاءٌ تلفزيوني نادر، ولعب «الحاوي» دور «المذيع» بينما رحّب «وحش الشاشة» بأن يلعب دور الضيف، عندما علِم أن الفيشاوي سيقدم البرنامج، ودار بينهما حوار ممتع تحدث خلاله النجم الكبير عن قصة حياته وذكرياته في مشواره الفني.

وظلت الصداقة ممتدة بين النجمين الراحلين، وظهر الفيشاوي مع فريد شوقي في مناسبات عديدة، والتقطت لهما مئات الصور سواء في أثناء تصوير أعمالهما أو في لقاءاتهما بعيداً عن «البلاتوه»، وكانت آخر صورة لهما أثناء زيارة فاروق للنجم الكبير للاطمئنان على حالته الصحية، وتكررت زيارات الفيشاوي حتى آخر لحظة في حياة «وحش الشاشة»، وأصيب بصدمة وحزن شديد حين علم بوفاته يوم 27 يوليو عام 1998.

أحمد الجمَّال