صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4730

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

تنصيب ضوء المكان ملكاً عقب وفاة والده (9- 30)

العسكر يقدمون له التهاني ويعدونه بالسمع والطاعة

تستكمل شهرزاد في هذه الحلقة، قصة لقاء ضوء المكان بأخته نزهة الزمان، بعدما سمعت أشعاره ومناجاته لها، ويسعدان باللقاء، وينشدان العودة إلى والدهما عمر النعمان، لكن فى طريق العودة يأتيهما خبر وفاة أبيهما، واختلاف الناس على من ينصبونه ملكاً من بعده، ويستقر الأمر على تنصيب ضوء المكان خلفاً لوالده.

لما كانت الليلة التاسعة والأربعون بعد الستمئة، قالت شهرزاد: بلغني أيها الملك السعيد، لما سمعت نزهة الزمان أشعار أخيها بكت، وزادت في البكاء والأنين، وقالت للخادم: قل له هل فارقت أحداً ممن تحب مثل أمك وأبيك؟ فسأله الخادم كما أمرته نزهة الزمان، فقال ضوء المكان: نعم فارقت الجميع وأعزهم عندي أختي التي فرق الدهر بيني وبينها، فلما سمعت نزهة الزمان منه هذا الكلام قالت: الله يجمع شمله بمن يحب، ثم قالت للخادم: قل له أن يسمعنا شيئاً من الأشعار المتضمنة لشكوى الفراق، فقال له الخادم كما أمرته سيدته، فصعد الزفرات، وأنشد هذه الأبيات:

ليت شعري لو دروا

أي قلب ملـكـوا

وفـؤادي لـو درى

أي شعب سلكـوا

أتراهم سـلـمـوا

أم تراهم هلـكـوا

حار أرباب الهـوى

في الهوى وارتبكوا

وأنشد أيضاً هذه الأبيات:

أضحى التنائي بديلاً من تدانـينـا

وناب عن طيب لقيانا تجافـينـا

بنتم وبنا فما ابتلت جـوانـحـنـا

شوقاً إليكم ولا جفت مـآقـينـا

غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا

بأن نغص فقال الدهـر آمـينـا

إن الزمان الذي ما زال يضحكنـا

أنساً بقربكم قـد عـاد يبـكـينـا

يا جنة الخلد أبدلنا بسلـسـلـهـا

والكوثر العذب زقوماً وغسلينـا

ثم سكب العبرات، وأنشد هذه الأبيات:

لله نـذران أزر مـكـانـي

وفيه أختي نزهة الـزمـان

لأقضين بالصفـا زمـانـي

ما بين غيدي خرد حـسـان

دموع الأحبة

فلما فرغ من شعره وسمعته نزهة الزمان، كشفت ذيل الستارة عن المحفة ونظرت إليه، فلما وقع بصرها على وجهه عرفته غاية المعرفة، فصاحت قائلة: يا أخي يا ضوء المكان، فرفع بصره إليها فعرفها، وصاح قائلاً: يا أختي يا نزهة الزمان فألقت نفسها عليه فتلقاها في حضنه ووقع الاثنان مغشياً عليهما، وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح.

ولما كانت الليلة الخمسين بعد الستمئة، قالت: فلما رآهما الخادم على تلك الحالة تحير في أمرهما، وصبر حتى أفاقا من غشيتهما، فرحت نزهة الزمان غاية الفرح وزال عنها الهم والترح وتوالت عليها المسرات، وأنشدت هذه الأبيات:

الدهر أقسـم لا يزال مـكـدري

حنثت يمينك يا زمان فـكـفـر

السعد وافى والحبيب مسـاعـدي

فانهض إلى داعي السرور وشمر

ما كنت أعتقد السـوالـف جـنة

حتى ظفرت من اللمى بالكوثـر


فلما سمع ذلك ضوء المكان ضم أخته إلى صدره، وفاضت لفرط سروره من أجفانه العبرات، وأنشد هذه الأبيات:

ولقد ندمت على تفرق شملنـا

ندماً أفاض الدمع من أجفاني

ونذرت إن عاد الزمان يلمنـا

لا عدت أذكر فرقة بلسانـي

هجم السرور عليّ حتى أنـه

من فرط ما قد سرني أبكاني

يا عين صار الدمع عندك عادة

تبكين من فرح ومن أحـزان

اجترار الذكريات

وجلسا على باب المحفة ساعة، ثم قالت: قم أدخل المحفة، وإحكِ لي ما وقع لك، وأنا أحكي لك ما وقع لي، فقال ضوء المكان: إحكِ لي أنت أولاً، فحكت له جميع ما وقع لها منذ فارقته من الخان وما وقع لها من البدوي والتاجر، وكيف اشتراها منه وكيف أخذها التاجر إلى أخيها شركان وباعها له، وأن شركان أعتقها من حين اشتراها عندما علم أنها أخته وزوجها بالحاجب، وأن الملك أباها سمع بخبرها فأرسل إلى شركان يطلبها منه، ثم قالت له: الحمد لله الذي منّ علي بك، ومثل ما خرجنا من عند والدنا سوية نرجع إليه سوية، ثم قالت له: إن أخي شركان زوجني بهذا الحاجب لأجل أن يوصلني إلى والدي، وهذا ما وقع لي من الأول إلى الآخر، فإحكِ لي أنت ما وقع لك بعد ذهابي من عندك، فحكى لها جميع ما وقع له من الأول إلى الآخر، وكيف من الله عليه بالوقاد، وكيف سافر معه وأنفق عليه ماله وأنه كان يخدمه في الليل والنهار، فشكرته على ذلك، ثم قال لها: يا أختي إن هذا الوقاد فعل معي من الإحسان فعلاً لا يفعله أحد مع أحد من أحبابه ولا الوالد مع ولده حتى أنه كان يجوع ويطعمني، وكانت حياتي على يديه، فقالت نزهة الزمان: إن شاء الله تعالى نكافئه بما نقدر عليه.

ثم إن نزهة الزمان صاحت على الخادم فحضر وقبل يد ضوء المكان، فقالت له نزهة الزمان: خذ بشارتك يا وجه الخير لأنه جمع شملي بأخي على يديك، فالكيس الذي معك وما فيه لك، فإذهب وائتني بسيدك عاجلاً، ففرح الخادم وتوجه إلى الحاجب ودخل عليه ودعاه إلى سيدته فأتى به ودخل على زوجته نزهة الزمان، فوجد عندها أخاها فسأل عنه فحكى له ما وقع لهما من أوله إلى آخره، ثم قالت: إعلم أيها الحاجب أنك ما أخذت جارية، وإنما أخذت بنت الملك عمر النعمان فأنا نزهة وهذا أخي ضوء المكان.

صهر الملك

فلما سمع الحاجب القصة منها، وتحقق ما قالته وبان له الحق الصريح وتيقن أنه صار صهر الملك عمر النعمان، فقال في نفسه: مصيري أن آخذ نيابة على قطر من الأقطار، ثم أقبل على ضوء المكان وهنأه بسلامته وجمع شمله بأخته، ثم أمر خدمه في الحال أن يهيئوا لضوء المكان خيمة ركوبه من أحسن الخيول فقالت له زوجته: إنا قد قربنا من بلادنا، فأنا أختلي بأخي ونستريح مع بعضنا، قبل أن نصل إلى بلادنا، فإن لنا زمناً طويلاً ونحن متفرقان، فقال الحاجب: الأمر كما تريدان، ثم أرسل إليهما الشموع وأنواع الحلاوة، وخرج من عندهما وأرسل إلى ضوء المكان ثلاث بدلات من أفخر الثياب وتمشى إلى أن جاء إلى المحفة وعرف مقدار نفسه، فقالت له نزهة الزمان: أرسل إلى الخادم وأمره أن يأتي بالوقاد ويهيئ له حصاناً ويركبه ويرتب له سفرة طعام في الغداة والعشي ويأمره ألا يفارقنا، فعند ذلك أرسل الحاجب إلى الخادم وأمره أن يفعل ذلك فقال: سمعاً وطاعة.

تكريم الوقاد

ثم إن الخادم أخذ غلمانه وراح يفتش على الوقاد إلى أن وجده في آخر الركب وهو يشد حماره ويريد أن يهرب ودموعه تجري على خده من الخوف على نفسه ومن حزنه على فراق ضوء المكان، وصار يقول: نصحته في سبيل الله فلم يسمع مني، يا ترى كيف حاله، فلم يتم كلامه إلا والخادم واقف فوق رأسه، ورأى الغلمان حوله فإصفر لونه وخاف. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

الخادم والوقاد

وفي الليلة الواحدة والخمسين بعد الستمئة، قالت: بلغني أيها الملك السعيد، إن الوقاد لما أراد أن يشد حماره ويهرب وصار يكلم نفسه ويقول: يا ترى كيف حاله، فما أتم كلامه إلا والخادم واقف فوق رأسه والغلمان حوله، فالتفت الوقاد فرأى الخادم واقفاً على رأسه فارتعدت فرائصه وخاف، وقال وقد رفع صوته بالكلام: إنه ما عرف مقدار ما عملته معه من المعروف فأظن أنه غمز الخادم وهؤلاء الغلمان علي، وأنه أشركني معه في الذنب، وإذا بالخادم صاح عليه وقال له من الذي كان ينشد الأشعار، يا كذاب؟ كيف تقول لي أنا ما أنشد الأشعار ولا أعرف من أنشدها وهو رفيقك، فأنا لا أفارقك من هنا إلى بغداد، والذي يجري على رفيقك يجري عليك، فلما سمع الوقاد كلامه قال في نفسه: ما خفت منه وقعت فيه، ثم أنشد هذا البيت:

كان الذي خفت أن يكونا إنا إلى الله راجعـونـا

ثم إن الخادم صاح على الغلمان وقال لهم: أنزلوه عن الحمار فأنزلوا الوقاد عن حماره وأتوا له بحصان فركبه ومشى صحبة الركب والغلمان حوله محدقون به، وقال لهم الخادم: أكرموه ولا تهينوه، فلما رأى الوقاد الغلمان حوله يئس من الحياة والتفت إلى الخادم، وقال له: يا مقدم أنا ما لي أخوة ولا أقارب وهذا الشاب لا يقرب لي ولا أنا أقرب له، وإنما أنا رجل وقاد في حمام ووجدته ملقى على المزبلة مريضاً، وصار الوقاد يبكي ويحسب في نفسه ألف حساب، والخادم ماش بجانبه ولم يعرفه بشيء، بل يقول له: قد أقلقت سيدتنا بإنشادك الشعر أنت وهذا الصبي ولا تخف على نفسك، وصار الخادم يضحك عليه سراً، وإذا نزلوا أتاهم الطعام فيأكل هو والوقاد في آنية واحدة، فإذا أكلوا أمر الخادم الغلمان أن يأتوا بقلة سكر فشرب منها ويعطيها للوقاد فيشرب، لكنه لا تنشف له دمعة من الخوف على نفسه والحزن على فراق ضوء المكان، وعلى ما وقع لهما في غربتهما، والحاجب تارة يكون من باب المحفة لأجل خدمة ضوء المكان ابن الملك عمر النعمان ونزهة الزمان، وتارة يلاحظ الوقاد.

فرسان وأبطال

وصارت نزهة الزمان وأخوها ضوء المكان في حديث وشكوى، ولم يزالا على تلك الحالة وهم سائرون حتى قربوا من البلاد، ولم يبق بينهم وبين البلاد إلا ثلاثة أيام، فنزلوا وقت المساء واستراحوا، ولم يزالوا نازلين إلى أن لاح الفجر فاستيقظوا، وأرادوا أن يحملوا، وإذا بغبار عظيم قد لاح، وأظلم الجو منه حتى صار كالليل الداجي، فصاح الحاجب قائلاً: أمهوا ولا تحملوا، وركب هو ومماليكه وساروا نحو ذلك الغبار، فلما قربوا منه بان من تحته عسكر جرار كالبحر الزخار، وفيه رايات وأعلام وطبول وفرسان وأبطال، فتعجب الحاجب من أمرهم، فلما رآهم العسكر افترقت منه فرقة قدر خمسمئة فارس، وأتوا إلى الحاجب هو ومن معه وأحاطوا بهم، وأحاط كل خمسة من العسكر بمملوك من مماليك الحاجب، فقال لهم الحاجب: أي شيء الخبر ومن أين هذه العساكر حتى تفعل معنا هذه الأفعال؟ فقالوا له: من أنت ومن أين أتيت وإلى أين تتوجه؟ فقال لهم: أنا حاجب أمير دمشق الملك شركان ابن الملك عمر النعمان صاحب بغداد وأرض خراسان، أتيت من عنده بالخراج والهدية متوجهاً إلى والده ببغداد، فلما سمعوا كلامه أرخوا مناديلهم على وجوههم وبكوا، وقالوا: إن الملك عمر النعمان قد مات، وما مات إلا مسموماً، فتوجه وما عليك بأس حتى تجتمع بوزيره الأكبر الوزير دندان.

وفاة النعمان

فلما سمع الحاجب ذلك الكلام بكى بكاء شديداً وقال: واخيبتاه في هذه السفرة، وصار يبكي هو ومن معه إلى أن اختلطوا بالعسكر، فاستأذنوا له الوزير دندان فأذن له، وأمر الوزير بضرب خيامه، وجلس على سرير في وسط الخيمة وأمر الحاجب بالجلوس، فلما جلس سأله عن خبره فأعلمه أنه حاجب أمير دمشق وقد جاء بالهدايا وخراج دمشق، فلما سمع الوزير دندان ذلك بكى عند ذكر الملك عمر النعمان، ثم قال له الوزير دندان إن عمر النعمان قد مات مسموماً، وبسبب موته اختلف الناس فيمن يولونه بعده، حتى أوقعوا القتل في بعضهم ولكن منعهم عن بعضهم الأكابر والأشراف والقضاة الأربعة، واتفق جميع الناس على أن ما أشار به القضاة الأربعة لا يخالفهم فيه أحد، فوقع الإتفاق على أننا نسير إلى دمشق، ونقصد ولده الملك شركان ونجيء به ونسلطنه من مملكة أبيه، وفيهم جماعة يريدون ولده الثاني، وقالوا أنه يسمى ضوء المكان، وله أخت تسمى نزهة الزمان، وكانا قد توجها إلى أرض الحجاز ومضى لهما خمس سنين ولم يقع لهما أحد على خبر، فلما سمع الحاجب ذلك علم أن القضية التي وقعت لزوجته صحيحة فاغتم لموت الملك غماً عظيماً، ولكنه فرح فرحاً شديداً وخصوصاً بمجيء ضوء المكان لأنه يصير سلطاناً ببغداد مكان أبيه. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

الحاجب الكبير ودندان

وفي الليلة الثانية والخمسين بعد الستمئة، قالت: بلغني أيها الملك السعيد، إن حاجب شركان لما سمع من الوزير دندان ما ذكره من خبر الملك عمر النعمان تأسف إلى الوزير دندان، وقال: إن قصتكم أعجب من العجائب، اعلم أيها الوزير الكبير أنكم حيث صادفتموني الآن أراحكما لله من التعب، وقد جاء الأمر كما تشتهون على أهون سبب، لأن الله رد ضوء المكان هو وأخته نزهة الزمان، وانصلح الأمر وهان، فلما سمع الوزير دندان هذا الكلام فرح به فرحاً شديداً، ثم قال: أيها الحاجب أخبرني بقصتهما وبما جرى لهما، وبسبب غيابهما، فحدثهما بحديث نزهة الزمان وأنها صارت زوجته، وأخبره بحديث ضوء المكان من أوله إلى آخره. فلما فرغ الحاجب من حديثه أرسل الوزير دندان إلى الأمراء والوزراء وأكابر الدولة وأطلعهم على القصة ففرحوا بذلك فرحاً شديداً، ثم اجتمعوا كلهم وجاءوا عند الحاجب ووقفوا في خدمته وقبلوا الأرض بين يديه، وأقبل الوزير من ذلك الوقت على الحاجب ووقف بين يديه، ثم إن الحاجب عمل في ذلك اليوم ديواناً عظيماً وجلس هو والوزير دندان على التخت وبين أيديهما جميع الأمراء والكبراء وأرباب المناصب على حسب مراتبهم، ثم بلوا السكر في ماء الورد وشربوا، ثم قعد الأمراء للمشورة.

تنصيب ضوء المكان

وأعطوا بقية الجيش إذناً في أن يركبوا مع بعضهم ويتقدموا قليلاً حتى يتموا المشورة ويلحقوهم، فقبلوا الأرض بين يدي الحاجب، وركبوا وقدامهم رايات الحرب، فلما فرغ الكبار من مشورتهم واستقروا على تنصيب ضوء المكان خلفا لوالده ركبوا ولحقوا العساكر، ثم أرسل الحاجب إلى الوزير دندان وقال له: الرأي عندي أن أتقدم وأسبقكم لأجل أن أهيئ للسلطان مكاناً يناسبه وأعلمه بقدومكم وأنكم اخترتموه على أخيه شركان سلطاناً عليكم، فقال الوزير دندان: نعم الرأي الذي رأيته، ثم نهض الوزير دندان تعظيماً له، وقدم له التقاديم وأقسم عليه أن يقبلها، وكذلك الأمراء والكبار وأرباب المناصب قدموا له التقاديم ودعوا له، وقالوا له: لعلك تحدث السلطان ضوء المكان في أمرنا ليبقينا مستمرين في مناصبنا فأجابهم لما سألوه، ثم أمر غلمانه بالسير، فأرسل الوزير دندان الخيام مع الحاجب وأمر الفراشين أن ينصبوها خارج المدينة بمسافة يوم.

العودة إلى الديار

في طريق العودة، كان الحاجب في غاية الفرح، وقال في نفسه: ما أبرك هذه السفرة، وعظمت زوجته في عينه وكذلك ضوء المكان، ثم جد في السفر إلى أن وصل إلى مكان بينه وبين المدينة مسافة يوم، ثم أمر بالنزول فيه لأجل الراحة وتهيئة مكان لجلوس السلطان ضوء المكان ابن الملك عمر النعمان، ثم نزل من بعيد هو ومماليكه، وأمر الخدام أن يستأذنوا السيدة نزهة الزمان في أن يدخل عليهما فاستأذنوها في شأن ذلك فأذنت له فدخل عليها واجتمع بها وبأخيها وأخبرهما بموت أبيهما، وأن ضوء المكان جعله الرؤساء ملكاً عليهم عوضاً عن أبيه عمر النعمان، وهنأهما بالملك، وفي غد يكون هو والجيش كله في هذا المكان، وما بقي في الأمر أيها الملك إلا أن تفعل ما أشاروا به لأنهم كلهم اختاروك سلطاناً، وأن لم تفعل سلطنوا غيرك، وأنت لا تأمن على نفسكم من الذي يتسلطن، فربما يقتلك أو يقع الفشل بينكما، ويخرج الملك من أيديكما، فأطرق برأسه ساعة من الزمان، ثم قال: قبلت هذا الأمر لأنه لا يمكن التخلي عنه.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. وإلى حلقة الغد.

خيمة السلطان

تحقق ضوء المكان أن الحاجب تكلم بما فيه الرشاد، ثم قال للحاجب: يا عم وكيف أعمل مع أخي شركان؟ فقال: يا ولدي أخوك يكون سلطان دمشق وأنت سلطان بغداد، فشد عزمك وجهز أمرك، فقبل منه ضوء المكان ذلك، ثم إن الحاجب قدم إليه البدلة التي كانت مع الوزير دندان من ملابس الملوك، وناوله النمشة وخرج من عنده وأمر الفراشين أن يختاروا موضعاً عالياً وينصبوا فيه خيمة واسعة عظيمة للسلطان ليجلس فيها إذا أقدم عليه الأمراء، ثم أمر الطباخين أن يطبخوا طعاماً فاخراً ويحضروه، وأمر السقائين أن ينصبوا حياض الماء، وبعد ساعة طار الغبار حتى سد الأقطار، ثم انكشف ذلك الغبار وبان من تحته عسكر جرار مثل البحر الزخار، وتبين أن ذلك العسكر عسكر بغداد وخراسان ومقدمه الوزير دندان وكلهم فرحوا بسلطنة ضوء المكان، وقابلهم لابساً خلعة الملك متقلداً بسيف الموكب، فقدم له الحاجب الفرس فركب وسار هو ومماليكه وجميع من في الخيام مشى في خدمته حتى دخل القبة الكبيرة، وجلس ووقف الحاجب في خدمته بين يديه، ووقفت مماليكه في دهليز الخيمة وشهروا في أيديهم السيوف، ثم أقبلت العساكر والجيوش وطلبوا الإذن، فدخل الحاجب واستأذن لهم ضوء المكان فأمر أن يدخلوا عليه عشرة عشرة، فأعلمهم الحاجب بذلك فأجابوه بالسمع والطاعة ووقف الجميع على باب الدهليز فدخل عشرة منهم فشق بهم الحاجب في الدهليز ودخل بهم على السلطان ضوء المكان.

فما رأوه هابوه، فتلقاهم أحسن ملتقى ووعدهم بكل خير فهنأوه بالسلامة، ودعوا له وحلفوا له الإيمان الصادقة أنهم لا يخالفون له أمراً، ثم قبلوا الأرض بين يديه وانصرفوا ودخل عشرة آخرون ففعل بهم مثلما فعل بغيرهم، ولم يزالوا يدخلون عشرة بعد عشرة حتى لم يبق غير الوزير دندان، فدخل عليه وقبل الأرض بين يديه فقام إليه ضوء المكان وأقبل عليه، وقال له: مرحباً بالوزير والوالد الكبير، إن فعلك فعل المشير العزيز والتدبير بيد اللطيف الخبير، ثم إن الملك ضوء المكان قال للوزير دندان: مُرِ العسكر بالإقامة عشرة أيام حتى أختلي بك وتخبرني سبب قتل أبي.

الجريدة - القاهرة

نزهة الزمان تتعرف إلى أخيها ضوء المكان من أشعاره

التوأمان يلتقيان بعد فراق وينشدان العودة إلى الديار

الحاجب يعرف حقيقة الجارية ويصبح صهر الملك الراحل

الوزير دندان يلتقى ضوء المكان ويخبره بملابسات قتل والده

دندان يأمر الفراشين أن ينصبوا الخيام خارج المدينة