صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4730

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

شريط دواء يكشف تفاصيل جريمة الأم القاتلة

تخلصت من طفليها بـ«عقار القلب» لتتزوج من صديق زوجها المريض

ارتدت القاتلة ثوب الحداد، وتوافدت نساء القرية لمواساة الأم الثكلى، بينما الأب كان في طريقه إلى مركز الشرطة للإبلاغ عن اشتباهه في جريمة قتل طفليه خلال شهر واحد، وبعد ساعات ألقى رجال المباحث القبض على المتهمة، وأمام المحقق أدلت باعترافات مثيرة عن أسباب تجردها من مشاعر الأمومة، والتخلص من ابنيها، لرغبتها في الزواج من صديق زوجها.

جرت أحداث تلك الجريمة المروعة في إحدى القرى المصرية، عندما ارتاب سيد في أسباب وفاة طفليه، وقادته المصادفة إلى اكتشاف أشرطة فارغة من دواء لعلاج مرضى القلب، فتوجه إلى زوجته لسؤالها، وفوجئ بها تصرخ في وجهه، وتطلب منه أن يطلقها فوراً، وانسحبت من أمامه إلى غرفتها، وتركته حائراً بين تلبية رغبتها وإبلاغ الشرطة.

حاول سيد أن يطرد الهواجس من رأسه، وظل يجوب شوارع القرية الهادئة، وكلما صادف أحد معارفه، يتلقى كلمات المواساة، ويأتيه صوت محدثه خافتاً لا يكاد يستوضحه، وكأنه لا يراه أو يسمعه، حتى وصل إلى المقابر، وهناك ظل يبكي على فقده لطفليه، ثم جرى نحو الحقول، وجلس أسفل الشجرة التي شهدت ميلاد قصة حب جارفة بينه وبين عزيزة التي اختارها قلبه لتكون شريكة العمر، وظل ينبش بأظافره آثار الذكريات، حتى سالت الدماء من أصابعه، وتملكه الإعياء حتى استسلم للنوم.

كان سيد يرى فتاة أحلامه، ولا يجرؤ على الاقتراب منها، لكنه ذات يوم اعترض طريقها عند شجرة التوت، وطلب منها الزواج، فتورد وجهها، وقالت: «اذهب إلى أبي»، وتركته حائراً لا يدري ماذا يفعل، وظل يراقبها وهي تحمل الطعام إلى أبيها في حقله، وحينئذ غمرته السعادة، وحفر أول حرفين من اسمهما وأحاطهما بالقلب في جذع الشجرة.

أفاق سيد من نومه، وكانت أمامه عدة ساعات على شروق الشمس، وعليه أن يتخذ أصعب قرار في حياته، ويفقد زوجته إلى الأبد، ومنذ اعتلت صحته، وأصيب بمرض مزمن، تغيرت مشاعرها تجاهه، وتحوّلت حياتهما إلى جحيم، وظلت تعامل الطفلين بقسوة، وتنهال عليهما ضرباً، وفي كل مرة يحذرها من سوء تعاملها، ويقول لها: «أنت لو زوجة أبيهم لن تعاملي الأولاد بهذا الشكل»، فتجيبه ساخرة: «أنت طول النهار خارج البيت وأنا لازم أخليهم يسمعوا كلامي».

نظر سيد إلى الحرفين الغائرين والقلب الملطخ بدمائه، وتعجب من أمر زوجته، وكيف كانت فتاة بريئة من أسرة طيبة، وحين تقدم للزواج منها، استقبله والدها بترحاب، وسرعان ما تحول الحلم إلى حقيقة، وصارت عزيزة شريكة العمر، وأنجبا طفلهما الأول سعيد، وبعد عامين جاء مولودهما الثاني حسن وصار يبذل قصارى جهده ليوفر لأسرته السعادة والأمان.

أطاح رحيل طفله الثاني بكل المسلمات الواجبة في تلك الظروف، ورفض إقامة سرادق عزاء للمرة الثانية، بينما عزيزة تبالغ في صراخها وبكائها أمام جاراتها، وحين انصرفن لاذت بغرفتها، وأغلقت الباب في وجه زوجها، وكانت الصدمة قد أفقدته القدرة على الكلام، وجلس صامتاً، والدموع تتساقط من عينيه، ولا يدري ماذا سيفعل بعد فراق طفليه، وأدرك أن حياته مع زوجته مهددة بالانهيار، وقرّر أن يطلقها بعد انتهاء فترة الحداد.

سرت البرودة في جسده، وانتبه إلى أنه

لا يزال جالساً تحت الشجرة، فنظر إلى ساعته، وقرر أن يقضي الوقت المتبقي على شروق الشمس بعيداً عن المنزل، رغم وحشة المكان بعد منتصف الليل، ودخل في نوبة بكاء هيستيري، وتعالت صرخاته: «عزيزة حرمتني من أولادي»، وشعر أنه خسر كل شيء، ولا أمل له في الحياة، وتحسس شرائط الدواء الفارغة، ونهض متوجهاً إلى قسم الشرطة.

دليل الاتهام

اختلطت الأوهام بالحقائق في ذهن سيد وفي قرارة نفسه تمنى لو كانت ظنونه غير حقيقية، وأن وفاة طفليه طبيعية، وكفاه أنه فقدهما إلى الأبد، وإذا كانت عزيزة تريد الطلاق، فسيلبي رغبتها، ولكن ظلت تساؤلاته بلا إجابة «ما سبب وجود تلك الشرائط في منزله، ولماذا لم تتخلص منها زوجته، وهل كان الأمر مجرد مصادفة، وأن هذا العقار يخص إحدى النساء اللواتي جئن لمواساتها».

أصغى الضابط باهتمام إلى الشاب ذي الملابس الرثة، وقال له: «الشرائط الفارغة ليست دليل إدانة لزوجتك فقط، لأن بصماتك عليها، ومن الصعب أن تعترف أم بقتل طفليها، بل إنه أمر لا يقبله العقل، ولكننا سنحقق في البلاغ» وهنا رفع سيد رأسه، وقال: «وهل ستتركونها تفلت بجريمتها؟»، فأجابه الضابط: «لا تقلق، سنذهب للقبض عليها، وسنواجهها باتهامك، وبناء على أقوالها ستتكشف الحقيقة».

جاء في بلاغ سيد ضد زوجته أنه فقد طفليه في غضون شهر واحد، وحين توفي ابنه الأكبر سعيد ظن أن الوفاة طبيعية، ولكن بعد أقل من أسبوعين توفي ابنه الثاني حسن وكانت صدمة مروعة، أعجزته عن التفكير، واستسلم لحزنه على فقدهما، وبعد أيام ساورته الشكوك حول وفاتهما، لأنهما كانا بصحة جيدة، واكتملت ريبته عندما عادت عزيزة لتطلب الطلاق، دون أدنى شعور بالمأساة التي حلت بهما.

وأكد الزوج أنه عثر عن طريق المصادفة على أشرطة فارغة من عقار لعلاج القلب، وأنه لا يتناول هذا النوع من الدواء، لأنه يشكو مرضا آخر في الجهاز الهضمي، وليس لديهما مريض يحتاج لهذا العلاج، ما دفعه للشك في وفاة نجليه، وأن هناك شبهة جريمة، لاسيما أنه كان يعيش في منزل عائلته لوجود خلافات مع زوجته، والطفلان كانا بصحة جيدة ثم توفيا فجأة.

انتهت أقوال سيد، وتحرك الضابط لإتمام الإجراءات القانونية للقبض على المتهمة، وحين عاد الأب البائس إلى المنزل، رأى زوجته ترتدي ملابس الحداد، وتجلس مع بعض النسوة اللواتي جئن لمواساتها، وبعد دقائق جاء رجال المباحث، وقبضوا على عزيزة من دون مقاومة منها، وكأنها تتوقع تلك اللحظة، وجلس سيد صامتاً على عتبة البيت، وتجمع الجيران يستطلعون الأمر، بينما عربة الشرطة تختفي عن الأنظار.


الزوجة الخائنة

تبلدت مشاعر المتهمة في أثناء ترحيلها إلى قسم الشرطة، وأدركت أن حياتها أوشكت على النهاية، ولن يفيدها الخوف والندم، بل إنها ارتكبت أبشع جريمة، حين تخلصت من طفليها واحداً تلو الآخر، وتخيلت أنها تحررت من عبء ثقيل، وباتت على أعتاب مرحلة جديدة مع زوج آخر، ولا يدري أحد كيف تحولت قصة حبها مع سيد إلى مأساة، ولكنها بدأت منذ أن داهمه مرض مزمن، وساءت صحته، ورغم ذلك كان يلبي طلباتها، ولا يجعلها تحتاج إلى أي شيء، وضاعف ساعات عمله كبائع متجوّل، وظل يجوب الأسواق ببضاعته، ويعود في آخر النهار، وقد استبد به التعب، ولم تفلح نصائح الطبيب في إثنائه عن الجهد المتواصل، والخلود إلى الراحة خلال فترة العلاج.

أدركت عزيزة أن حياتها مع سيد ستنتهي في أي لحظة، وأنه سيتركها أرملة، وعليها أن تتحمل مسؤولية طفليها بمفردها، فقد رحل والدها بعد فترة من زواجها، ولم يترك لها ميراثاً، وكانت الابنة الوحيدة، وستلح أمها عليها حتى تتزوج من أول شخص يطرق بابها، ولن يكون لها شروط أو مواصفات للعريس المنتظر، لأنها تحمل على كاهلها طفلين.

وذات يوم جاء أحد أصدقاء زوجها لزيارته، وعثرت الشيطانة على ضالتها، ولجأت إليه شاكية من حياتها اليائسة، وتحوّل اللقاء إلى علاقة عاطفية، بعدما وعدها بالزواج بعد طلاقها من سيد، ولكنه اشترط عليها بقاء الطفلين مع أبيهما، حتى لا تنشغل عنه بتربيتهما، وحينئذ شعرت بالسعادة لموافقته على الارتباط بها، وطمأنته قائلة: «اترك هذا الأمر لي»، وعادت الزوجة الخائنة لتطلب من زوجها الطلاق، وحاول الزوج المخدوع أن يثنيها عن طلبها، من دون أن يدري ما سيحدث في الأيام المقبلة.

اعترافات مثيرة

تكثفت التحريات لكشف ملابسات الجريمة، واتجهت أصابع الاتهام إلى عزيزة، وهي ربة منزل في الخامسة والعشرين من عمرها، وأنها تسببت في وفاة طفليها، وعلى خلاف دائم مع زوجها سيد (32 عاماً)، ويعمل بائعاً متجولاً، ويتهمها بقتلهما، وتأكدت صحة الواقعة، وتمكنت قوة من القبض على الزوجة والتي اعترفت في محضر الشرطة بارتكاب الجريمة، وأكدت أنها على علاقة عاطفية بأحد الأشخاص، وترغب في الطلاق من زوجها، ولكنه رفض بحجة رغبته في تربية الأولاد، فقررت التخلص من طفليها حتى تتمكن من الطلاق.

واعترفت الأم بأنها اشترت العقار من صيدلية مجاورة لعلمها بأن تناول هذا العقار يؤدي إلى هبوط في الدورة الدموية ويسبب الوفاة، فأعطت طفلها سعيد كمية من العقار وتوفي بعد أيام، ثم أعطت طفلها حسن من العقار نفسه ما تسبب في وفاته أيضاً.

وجاء في أقوال صاحب الصيدلية، أن الزوجة حصلت على العقار، وأنكر علمه بنية المتهمة بقتل طفليها. وتحرّر محضرٌ بالواقعة، وأُحيل إلى النيابة العامة للتحقيق والتحفظ على شرائط الدواء الفارغة، ومثلت الأم المتهمة بقتل طفليها أمام النيابة، وتبيّن أنها أعطت طفليها عشرين قرصاً من الدواء على مراحل يومياً للتخلص منهما، وأنها خططت أيضاً للتخلص من زوجها لارتباطها عاطفياً بشخص آخر.

سرى خبر اتهام عزيزة بقتل طفليها في أنحاء القرية، وأمام المحقق أدلت المتهمة باعترافات مثيرة، وأنها تخلصت من طفليها تباعاً خلال شهر واحد، وبررت ذلك برغبتها في الزواج من آخر، بعدما تدهورت صحة زوجها، وأنها طلبت منه الطلاق أكثر من مرة، لكنه رفض من أجل الطفلين، فقررت أن تنال حريتها حتى لو كان ذلك بقتلهما، وحينئذ لن يمانع سيد من خروجها من حياته إلى الأبد.

وتوالت اعترافات المتهمة قائلة إنها ذهبت إلى الصيدلية، واشترت شرائط دواء لعلاج القلب، وفي هذا الوقت افتعلت مشاجرة مع سيد، فتركها إلى منزل عائلته، وبدأت تنفذ جريمتها البشعة، وتجردت من مشاعر الأمومة، وتخلصت من طفلها الأول ثم الثاني، بإعطائهما الدواء القاتل، وفي كل مرة كانت تبالغ في إظهار حزنها، حتى لا ينكشف أمرها، وحين عثر سيد على الأشرطة الفارغة، وسألها عن سبب وجودها، ألجمتها المفاجأة، ولم تدرِ ماذا تقول له، لاسيما أنه لا يتناول هذا النوع من الدواء، فصرخت في وجهه تطلب الطلاق، ولكنه غادر المنزل، وظنت أنه سيبيت عند أقاربه، وسيعود إليها مرة ثانية، ويخفف عنها حزنها على فقد ولديها، وساعتها ستحضر أشقاءها ليتفاوضوا معه على إتمام الطلاق.

ونفت المتهمة تورط عشيقها في جريمة القتل، وقالت إنه وعدها بالزواج إذا انفصلت عن سيد، وطلب منها أن تترك الطفلين مع أبيهما، حتى لا تتحمل عبء تربيتهما، وتتفرغ تماماً لحياتها الجديدة، وبموافقتها على هذا الشرط، يمكنهما الزواج، ثم الانتقال إلى بلدة أخرى، لاسيما أنه ميسور الحال، ويستطيع أن يوفر لها السعادة، ووعدها بشراء منزل جديد لها، وأن يقضيا شهر العسل في إحدى المدن الساحلية.

وبسؤالها عن تخطيطها للجريمة، قالت: «كنت أعرف هذا الدواء، لأن أمي كانت مريضة بالقلب، وتتناوله بانتظام، وخططت للتخلص من أولادي من دون إثارة الشبهات حولي، وذهبت لشرائه من الصيدلية، وأعطيته لأبنائي في العصائر والطعام، حتى توفي سعيد، وبعد نحو شهر توفي حسن».

ظل المحقق يراقب انفعالات المتهمة وعينيها الجاحظتين، والكلمات تتدفق منها كالسيل، وظن أنها تعاني مرضاً عقلياً، فسألها عن حالتها الصحية، وهل لها تاريخ مرضي، فأجابته بالنفي، وأنها بكامل قواها العقلية، وليست الزوجة الأولى التي تطلب الطلاق، ولكن تعنت زوجها دفعها للتخلص من الطفلين، وقطع الرباط الذي يوصل بينهما، لاسيما أنها خشيت على نفسها، وتحملت معاناة كبيرة، بسبب مرض زوجها المزمن، وأرادت أن تتزوج من صديقه، وذلك دفعها لارتكاب هذه الجريمة.

انتهت اعترافات المتهمة، وقررت النيابة انتداب الطب الشرعي لتشريح جثماني الطفلين، لبيان سبب الوفاة، والغريب أنها خلال تمثيلها الجريمة، لم تظهر عليها مشاعر الندم والحزن، واعترفت بأنها ارتكبت الجريمة بكامل إرادتها. وأمر المحقق بحبسها على ذمة القضية، وعرضها على الطبيب النفسي، للتأكد من سلامة قواها العقلية، تمهيداً لتقديمها لمحاكمة عادلة، بينما عاد سيد إلى زيارة قبر طفليه، وذهب إلى الشجرة ومعه آلة حادة، وأخذ في محو الحرفين والقلب الغائر، واعتاد أهالي القرية على رؤيته جالساً في المقابر.

هشام محمد

الزوجة الخائنة تطلب الطلاق من سيد في فترة الحداد

الزوج البائع المتجول زار المقابر قبل الذهاب إلى مقر الشرطة

الزوج المخدوع يمحو الحرفين والقلب الغائر من جذع الشجرة