صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4732

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

شركان يعرف حقيقة أخيه ضوء المكان(4 - 30)

ابنة ملك الروم تصل إلى قصر النعمان ومعها الخرزات الثلاث

توقفنا في الحلقة السابقة، عندما نصحت ابنة ملك الروم، شركان بالعودة إلى بلاده، بعد أن كشفت له حيلة الملك أفريدون للإيقاع به، حتى يسترد ابنته الملكة صفية التي تزوجها والده عمر النعمان، وفي طريق العودة يفاجأ بجيش من الإفرنج يقطع عليه الطريق، فيضطر إلى قتالهم، ويتغلب على فارسهم، لكنه يكتشف أن هذا الفارس ما هو إلا الملكة إبريزة، وأن جيش الإفرنج كله من النساء والجواري، فيرمي سيفه ويعفو عنهم، ثم يرسل إبريزة ومعها الخرزات الثلاث هدية إلى والده، كما يكتشف شركان أن له أخاً يدعى ضوء المكان، وهو توأم نزهة الزمان، اللذان يخرجان للحج خفية عن والدهما، ثم يذهبان إلى زيارة بيت المقدس ويفترقان عن بعضهما.

ولما كانت الليلة الخامسة والثلاثون بعد الستمئة، قالت شهرزاد: لما قال شركان في غد أنزل إلى الميدان وأطلب مبارزة الإفرنجي المقدم عليهم، وأنظر ما الذي حمله على أن يدخل بلادنا وأحذره من قتالنا، فإن أبى قاتلناه، وإن رضي صالحناه، وباتوا على هذا الحال إلى أن أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح، ثم ركبت الطائفتان واصطف الفريقان، فلما خرج شركان إلى الميدان، رأى الإفرنج قد ترجل منهم أكثر من نصفهم قدام فارس منهم ومشوا قدامه إلى أن صاروا في وسط الميدان، فتأمل شركان ذلك الفارس، فرآه الفارس المقدام عليهم وهو لابس قباء من أطلس أزرق، وجهه فيه كالبدر إذا أشرق، ومن فوقه زردية ضيقة العيون، وبيده سيف مهند، وهو راكب على جواد أدهم، في وجهه غرة كالدرهم، وذلك الإفرنجي لا نبات بعارضيه، ثم إنه لكز جواده حتى صار في وسط الميدان، وأشار إلى المسلمين وهو يقول بلسان عربي فصيح: يا شركان، يا ابن عمر النعمان الذي ملك الحصون والبلدان، دونك والحرب والطعان، وابرز إلى من قد ناصفك في الميدان، فأنت سيد قومك، وأنا سيد قومي، فمن غلب منا صاحبه أخذه هو وقومه تحت طاعته، فما استتم كلامه حتى برز له شركان وقلبه من الغيظ ملآن، وساق جواده حتى دنا من الإفرنجي في الميدان، فكر عليه الإفرنجي كالأسد الغضبان، وصدمه صدمة الفرسان، وأخذا في الطعن والضرب وصارا إلى حومة الميدان كأنهما جبلان يصطدمان أو بحران يلتطمان، ولم يزالا في قتال وحرب ونزال من أول النهار إلى أن أقبل الليل بالاعتكار، ثم انفصل كل منهما من صاحبه وعاد إلى قومه.

حرب الرماح

فلما اجتمع شركان بأصحابه، قال لهم: ما رأيت مثل هذا الفارس قط إلا أني رأيت منه خصلة لم أرها من أحد غيره، وهو أنه إذا لاح في خصمه مضرب قاتل يقلب الرمح ويضرب بعقبه، ولكن ما أدري ماذا يكون مني ومنه، ومرادي أن يكون عسكرنا مثله ومثل أصحابه، وبات شركان، فلما أصبح الصباح خرج له الإفرنجي ونزل في وسط الميدان وأقبل عليه شركان ثم أخذا في القتال وأوسعا في الحرب والمجال، وامتدت إليهما الأعناق ولم يزالا في حرب وكفاح وطعن بالرماح إلى أن ولى النهار وأقبل الليل بالاعتكار، ثم افترقا ورجعا إلى قومهم وصار كل منهما يحكي لأصحابه ما لاقاه من صاحبه، ثم إن الإفرنجي قال لأصحابه: في غد يكون الانفصال، وباتوا تلك الليلة إلى الصباح ثم ركب الاثنان وحملا على بعضهما، ولم يزالا في الحرب إلى نصف النهار وبعد ذلك عمل الإفرنجي ولكز جواده ثم جذبه اللجام فعثر به فرماه فإنكب عليه شركان، وأراد أن يضربه بالسيف خوفاً أن يطول به المطال فصاح به الإفرنجي وقال: يا شركان ما هكذا تكون الفرسان، إنما هو فعل المغلوب بالنسوان.

جواري في الميدان

فلما سمع شركان من ذلك الفارس هذا الكلام، رفع طرف إليه وأمعن النظر فيه فوجده الملكة إبريزة، فلما عرفها رمى السيف من يده وقبل الأرض بين يديها، وقال لها: ما حملك على هذه الأفعال؟ فقالت له: أردت أن أختبرك في الميدان، وأنظر ثباتك في الحرب والطعان، وهؤلاء الذين معي كلهن جواري وكلهن بنات أبكار، وقد قهرن فرسانك في حزمة الميدان، ولولا أن جوادي قد عثر بي لكنت ترى قوتي وجلادي، فتبسم شركان من قولها، وقال: الحمدلله على السلامة وعلى اجتماعي بك يا ملكة الزمان، ثم إن الملكة إبريزة صاحت على جواريها وأمرتهن بالرحيل بعد أن يطلقن العشرين أسيراً من قوم شركان، الذين وقعوا بأسرهن، فامتثلت الجواري لأمرها، ثم قبلن الأرض بين يديها، فقال لهن: مثلكن من يكون عند الملوك مدخراً للشدائد ثم إنه أشار إلى أصحابه أن يسلموا عليها، فترجلوا جميعاً وقبلوا الأرض بين يدي الملكة إبريزة، ثم ركب المائتا فارس وساروا في الليل والنهار مدة ستة أيام وبعد ذلك أقبلوا على الديار، فأمر شركان الملكة إبريزة وجواريها أن ينزعن ما عليهن من لباس الإفرنج.

وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

بنت الروم

وفي الليلة السادسة والثلاثين بعد الستمئة، قالت: بلغني أيها الملك السعيد، إن شركان أمر الملكة إبريزة وجواريها أن ينزعن ثياب الحرب وأن يلبسن لباس بنات الروم ففعلن ذلك، ثم إنه أرسل جماعة من أصحابه إلى بغداد ليعلم والده عمر النعمان بقدومه، ويخبره أن الملكة إبريزة بنت ملك الروم جاءت صحبته لأجل أن يرسل مركباً لملاقاتهم، ثم إنهم نزلوا من وقتهم وساعتهم في المكان الذي وصلوا إليه وباتوا فيه إلى الصباح، فلما أصبح ركب شركان هو ومن معه وركبت أيضاً الملكة إبريزة هي ومن معها واستقبلوا المدينة، وإذا بالوزير دندان قد أقبل في ألف فارس من أجل ملاقاة الملكة إبريزة هي وشركان، وكان خروجه بإشارة الملك عمر النعمان، فلما قربوا منهما توجهوا إليهما وقبلوا الأرض بين أيديهما، ثم ركبا وركبوا معهما وصاروا في خدمتهما حتى وصلا إلى المدينة وطلعا قصر الملك، ودخل شركان على والده، فقام إليه وعانقه وسأل عن الخبر فأخبره بما قالته الملكة إبريزة وما اتفق له معها، وكيف فارقت مملكتها وفارقت أباها، وقال لها إنها اختارت الرحيل معنا والقعود عندنا، وأن ملك القسطنطينية أراد أن يعمل لنا حيلة من أجل صفية بنته لأن ملك الروم قد أخبره بحكايتها وبسبب إهدائها إليك، وأن ملك الروم ما كان يعرف ذلك ما كان أهداها إليك، بل كان يردها إلى والدها، ثم قال شركان لوالده: وما خلصنا من هذه الحيل والمكايد إلا إبريزة، وما رأينا أشجع منها ثم أنه شرع يحكي لأبيه ما وقع له معها من أوله إلى آخره من أمر المصارعة والمبارزة.

الملك والخرزات

فلما سمع الملك عمر النعمان من ولده شركان ذلك الكلام عظمت إبريزة عنده وصار يتمنى أن يراها، ثم إنه طلبها لأجل أن يسألها فعند ذلك ذهب شركان إليها وقال لها: إن الملك يدعوك فأجابت بالسمع والطاعة، فأخذها شركان وأتى بها إلى والده، وكان والده قاعداً على كرسيه وأخرج من كان عنده ولم يبق عنده غير الخدم، فلما دخلت الملكة إبريزة على الملك عمر النعمان وقبلت الأرض بين يديه وتكلمت بأحسن الكلام فتعجب الملك من فصاحتها وشكرها على ما فعلت مع ولده شركان، وأمرها بالجلوس فجلست وكشفت عن وجهها فلما رآها الملك خبل بينه وبين عقله، ثم إنه قربها إليه وأدناها منه وأفرد لها قصراً مختصاً بها وبجواريها، ثم أخذ يسألها عن تلك الخرزات الثلاث التي تقدم ذكرها سابقاً فقالت له: إن تلك الخرزات معي يا ملك الزمان، ثم إنها قامت ومضت إلى محلها وفتحت صندوقاً وأخرجت منه علبة وأخرجت من العلبة حقاً من الذهب وفتحته، وأخرجت منه تلك الخرزات الثلاث وناولتها للملك وانصرفت، فأخذت قلبه معها وبعد انصرافها أرسل إلى ولده شركان فحضر فأعطاه خرزة من الثلاث خرزات فسأله عن الاثنتين الأخريين فقال: يا ولدي قد أعطيت منهما واحد لأخيك ضوء المكان، والثانية لأختك نزهة الزمان.

غضب شركان

فلما سمع شركان أن له أخاً يسمى ضوء المكان، وما كان يعرف إلا أخته نزهة الزمان، التفت إلى والده الملك النعمان وقال له: يا والدي ألك ولد غيري؟ قال: نعم وعمره الآن ست سنين، ثم أعلمه أن اسمه ضوء المكان، وأخته نزهة الزمان وأنهما ولدا في بطن واحد، فصعب عليه ذلك ولكنه كتم سره وقال لوالده: على بركة الله تعالى ثم رمى الخرزة من يده ونفض أثوابه فقال له الملك: مالي أراك قد تغيرت لما سمعت هذا الخبر مع أنك صاحب المملكة من بعدي، وقد عاهدت أرباب الدولة على ذلك، وهذه خرزة لك من الثلاث خرزات؟ فأطرق شركان برأسه إلى الأرض واستحى أن يكافح والده، ثم قام هو لا يعلم كيف يصنع من شدة الغيظ وما زال ماشياً حتى دخل قصر الملكة إبريزة فلما أقبل عليها نهضت إليه قائمة وشكرته على أفعاله ودعت له ولوالده، وجلست وأجلسته في جانبها، فلما استقر به الجلوس رأت في وجهه الغيظ فسألته عن حاله، وما سبب غيظه فأخبرها أن والده الملك عمر النعمان رزق من صفية ولدين ذكراً وأنثى، وسمى الولد ضوء المكان والأنثى نزهة الزمان، وقال لها: إنه أعطاهما خرزتين وأعطاني واحدة فتركتها، وأنا إلى الآن لم أعلم بذلك إلا في هذا الوقت فخنقني الغيظ، وقد أخبرتك بسبب غيظي ولم أخف عنك شيئاً، وأخشى عليك أن يتزوجك فإني رأيت منه علامة الطمع في أنه يتزوج بك، فيما تقولين أنت في ذلك؟ فقالت: إعلم يا شركان أن أباك ما له حكم علي ولا يقدر أن يأخذني بغير رضاي، وإن كان يأخذني غصباً قتلت روحي، وأما الثلاث خرزات فما كان على بالي أنه ينعم علي أحد من أولاده بشيء منها، وما ظننت إلا أنه يجعلها في خزائنه مع ذخائره، ولكن أشتهي من إحسانك أن تهب لي الخرزة التي أعطاها لك والدك إن قبلتها منه، فقال سمعاً وطاعة، ثم قالت له: لا تخف وتحدثت معه ساعة وقالت له: إني أخاف أن يسمع أبي أني عندكم فيسعى في طلبي ويتفق هو والملك أفريدون من أجل ابنته صفية، فيأتيان إليكم بعساكر وتكون ضجة عظيمة، فلما سمع شركان ذلك قال لها: يا مولاتي إذا كنت راضية بالإقامة عندنا لا تفكري فيهم فلو اجتمع علينا كل من في البر والبحر لغلبناهم، فقالت: ما يكون إلا الخير، وها أنتم إن أحسنتم إلي إن قعدت عندكم، وإن أسأتموني رحلت من عندكم، ثم إنها أمرت الجواري بإحضار شيء من الأكل فقدمن المائدة فأكل شركان شيئاً يسيراً ومضى إلى داره مهموماً مغموماً، هذا ما كان من أمر شركان.

صفية ترفض الرحيل


وأما ما كان من أمر أبيه عمر النعمان، فإنه بعد انصراف ولده شركان من عنده قام ودخل على جاريته صفية ومعه تلك الخرزات، فلما رأته نهضت قائمة على قدميها إلى أن جلس، فأقبل عليه ولداه ضوء المكان ونزهة الزمان، فلما رآهما قبلهما وعلق على كل واحد منهما خرزة ففرحا بالخرزتين، وقبلا يديه وأقبلا على أمهما ففرحت بهما ودعت للملك بطول الدوام، فقال لها الملك: يا صفية حيث أنك ابنة الملك أفريدون ملك القسطنطينية لأي شيء لم تعلميني لأجل أن أزيد في إكرامك ورفع منزلتك؟ فلما سمعت صفية ذلك قالت: أيها الملك وماذا أريد أكثر من هذا زيادة على هذه المنزلة التي أنا فيها، فها أنا مغمورة بأنعامك وخيرك وقد رزقني الله منك بولدين ذكر وأنثى، فأعجب الملك عمر النعمان كلامها واستظرف عذوبة ألفاظها ودقة فهمها وظرف أدبها ومعرفتها، ثم إنه مضى من عندها وأفرد لها ولأولادها قصراً عجيباً، ورتب لهم الخدم والحشم والفقهاء والحكماء والفلكية والأطباء والجرائحية، وأوصاهم بهم وزاد في رواتبهم وأحسن إليهم غاية الإحسان، ثم رجع إلى قصر المملكة والمحاكمة بين الناس. وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

ولاية دمشق

ولما كانت الليلة السابعة والثلاثين بعد الستمئة، قالت: لما علم شركان أن له أخاً يدعى ضوء المكان ظهر أثر الغيظ في وجهه، ولم يزل متمرضاً فقال له والده يوماً من الأيام: مالي أراك تزداد ضعفاً في جسمك واصفرار في لونك؟ فقال له شركان: يا والدي كلما رأيتك تقرب أخواتي وتحسن إليهم يحصل عندي حسد وأخاف أن يزيد بي الحسد فأقتلهم وتقتلني أنت بسببهم إذا أنا قتلتهم فمرض جسمي وتغير لوني بسبب ذلك، ولكن أنا أشتهي من إحسانك أن تعطيني قلعة من القلاع حتى أقيم بها بقية عمري، فإن صاحب المثل يقول: بعدي عن حبيبي أجمل، وأحسن عين لا تنظر، وقلب لا يحزن، ثم أطرق برأسه إلى الأرض.

فلما سمع الملك عمر النعمان كلامه عرف سبب ما هو فيه من التغير، فأخذ بخاطره، وقال له: يا ولدي إني أجيبك إلى ما تريد، وليس في ملكي أكبر من قلعة دمشق فقد ملكتها من هذا الوقت، ثم أحضر الموقعين في الوقت والساعة وأمرهم بكتابة تقليد ولده شركان ولاية دمشق الشام، فكتبوا له ذلك وجهزوه وأخذ الوزير دندان معه وأوصاه بالمملكة والسياسة وقلده أموره، ثم ودعه والده وودعته الأمراء وأكابر الدولة وسار بالعسكر حتى وصل إلى دمشق، فلما وصل إليها دق له أهلها الكاسات، وصاحوا بالبوقات وزينوا المدينة، وقابلوه بموكب عظيم .

السفر لمكة

وقالت شهرزاد: بعد سفر شركان، أقبل الحكماء على عمر النعمان، وقالوا له: يا مولانا إن أولادك ضوء المكان، ونزهة الزمان، تعلموا الحكمة والأدب، فعند ذلك فرح عمر النعمان فرحاً شديداً وأنعم على جميع الحكماء، حيث رأى ضوء المكان كبر وترعرع وركب الخيل وصار له من العمر أربع عشرة سنة، وطلع مشتغلاً بالدين والعبادة، محباً للفقراء وأهل العلم والقرآن، وصار أهل بغداد يحبونه نساء ورجالاً، إلى أن طاف بغداد محمل العراق من أهل الحج، فلما رأى ضوء المكان مركب المحمل اشتاق إلى الحج فدخل على والده وقال له: إني أتيت إليك لأستأذنك في أن أحج، فمنعه من ذلك، وقال له: إصبر إلى العام القابل وأنا أتوجه إلى الحج وآخذك معي.

فلما رأى الأمر يطول عليه دخل على أخته نزهة الزمان، فوجدها قائمة تصلي، فلما قضت الصلاة، قال لها: إني قد قتلني الشوق إلى حج بيت الله الحرام وزيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام واستأذنت والدي فمنعني من ذلك، فالمقصود أن آخذ شيئاً من المال وأخرج إلى الحج سراً ولا أعلم أبي بذلك، فقالت له أخته: بالله عليك أن تأخذني معك ولا تحرمني من زيارة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لها: إذا جن الظلام فأخرجي من هذا المكان ولا تعلمي أحداً بذلك.

فلما كان نصف الليل، قامت نزهة الزمان وأخذت شيئاً من المال، ولبست لباس الرجال، وكانت قد بلغت من العمر مثل عمر ضوء المكان، ومشت متوجهة إلى باب القصر، فوجدت أخاها ضوء المكان قد جهز الجمال فركب وأركبها وسارا ليلاً واختلطا بالحجيج، ومشيا إلى أن صارا في وسط الحجاج وما زالا سائرين وكتب الله لهما السلامة حتى دخلا مكة المشرفة، ووقفا بعرفات وقضيا مناسك الحج، ثم توجها إلى زيارة النبي صلى الله عليه وسلم فزاراه، وبعد ذلك أرادا الرجوع مع الحجاج إلى بلادهما، فقال ضوء المكان لأخته: يا أختي أريد أن أزور بيت المقدس والخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقالت له: وأنا كذلك واتفقا على ذلك، ثم خرجا واكترى له ولها مع المقادسة وجهزا حالهما وتوجها مع الركب.

السفر للقدس

لما توجهها مع الركب حصل لأخته في تلك الليلة حمى باردة فتشوشت ثم شفيت، وتشوش الآخر فصارت تلاطفه في ضعفه، ولم يزالا سائرين إلى أن دخلا بيت المقدس، واشتد المرض على ضوء المكان، ثم إنهما نزلا في خان هناك واكتريا لهما فيه حجرة واستقرا فيها، ولم يزل المرض يتزايد على ضوء المكان حتى أنحله وغاب عن الدنيا.وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

فراق نزهة الزمان

قالت شهرزاد: عندما مرض ضوء المكان اغتمت لذلك أخته نزهة الزمان، وقالت: لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا حكم الله ثم إنها قعدت هي وأخوها في ذلك المكان وقد زاد به الضعف وهي تخدمه وتنفق عليه وعلى نفسها حتى فرغ ما معها من المال وافتقرت ولم يبق معها دينار ولا درهم، فأرسلت صبي الخان إلى السوق بشيء من قماشها فباعه وأنفقته على أخيها، ثم باعت شيئاً آخر ولم تزل تبيع من متاعها شيئاً فشيئاً حتى لم يبق لها غير حصير مقطعة فبكت، وقالت: لله الأمر من قبل ومن بعد، ثم قال لها أخوها: يا أختي إني قد أحسست بالعافية وفي خاطري شيء من اللحم المشوي، فقالت له أخته: أنا ما لي وجه للسؤال، ولكن غداً أدخل بيت أحد الأكابر وأخدم وأعمل بشيء نقتات به أنا وأنت، ثم تفكرت ساعة وقالت: إني لا يهون علي فراقك وأنت في هذه الحالة ولكن لا بد من طلب المعاش قهراً عني، فقال لها أخوها: بعد العز تصبحين ذليلة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم بكى وبكت وقالت له: يا أخي نحن غرباء وقد أقمنا هنا سنة كاملة ما دق علينا الباب أحد فهل نموت من الجوع؟ فليس عندي من الرأي غير أني أخرج وأخدم وآتيك بشيء تقتات به إلى أن تبرأ من مرضك، ثم نسافر إلى بلادنا، ومكثت تبكي ساعة، ثم بعد ذلك قامت نزهة الزمان وغطت رأسها بقطعة عباءة من ثياب الجمالين كان صاحبها نسيها عندهما، وقبلت رأس أخيها وغطته وخرجت من عنده وهي تبكي، وبعد أن مضت غابت وما زال أخوها ينتظرها إلى أن قرب وقت العشاء، ولم تأت فمكث بعد ذلك هو ينتظرها إلى أن طلع النهار فلم تعد إليه.

الجريدة - القاهرة

الملكة إبريزة مع النساء المحاربات تختبر شركان في الميدان

الفارس الإفرنجي يكشف عن نفسه وسط ضربات السيوف

ضوء المكان يصاب بالحمى ويتمكن منه المرض فيغيب عن الوعي

نزهة الزمان وتوأمها يخرجان سرا للحج في مكة ويفترقان في القدس

النعمان يُنصِّب شركان والياً على دمشق