صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4761

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الاختلافات بين لقاحات «كورونا» مهمة!

يشعر المسؤولون في مجال الصحة العامة بحماس شديد، بعد طرح لقاح «جونسون آند جونسون» الجديد ذي الجرعة الواحدة ضد فيروس كورونا المسبب لمرض «كوفيد-19»، رغم تراجع قدرته على الوقاية من الأمراض المترافقة مع أعراض واضحة مقارنةً بالخيارات الأخرى. وتشير بيانات التجارب العيادية إلى بلوغ نسبة فاعليته 72 في المئة في الولايات المتحدة مقابل 94 و95 في المئة للقاحات «مودرنا» و«فايزر- بيونتيك» على التوالي. مع ذلك، يظن بعض الخبراء أن التركيز على هذه الأرقام غير ضروري. الأهم من ذلك برأيهم هو قدرة لقاح «جونسون آند جونسون» على حماية الناس من أسوأ التداعيات، على غرار اللقاحَين الآخرَين.

قد تكون اللقاحات الثلاثة التي صادقت عليها "إدارة الغذاء والدواء" الأميركية ممتازة لحماية صحة الناس، ويجب ألا يتردد أحد في تلقي اللقاح بناءً على الفرضية القائلة إن بعض الأنواع من الدرجة الثانية. لكن لابد من الاعتراف أيضاً بأن اللقاحات المضادة لفيروس "كوفيد-19" ليست متشابهة، إذ يكون بعضها أكثر فاعلية للوقاية من الأمراض مثلاً، ولا يُسبب البعض الآخر تفاعلات معاكسة بقدر الخيارات الأخرى، حتى ان الادعاء القائل إن اللقاحات تمنع دخول المستشفى وحالات الوفاة بالمستوى نفسه ليس صحيحاً، وفي هذا المجال تبرز مشكلة واضحة.

ركّزت تجربتان بارزتان على حالات دخول المستشفى باعتبارها ترتبط بفاعلية اللقاحات. فيما يخص لقاح "أسترازينيكا"، أصيب شخص واحد في المجموعة المرجعية بحالة حادة من فيروس "كوفيد-19"، ودخل 8 أشخاص المستشفى. وعند استعمال لقاح "جونسون آند جونسون"، أصيب 34 شخصاً في مجموعة الدواء الوهمي بحالة حادة من العدوى، لكن دخل خمسة أفراد فقط المستشفى. لم يدخل أحد ممن تلقوا اللقاح إلى المستشفى في أي من الدراستين بعدما أعطى اللقاح مفعوله، لكن لا يمكن استخلاص استنتاج جازم حول فاعلية اللقاح نظراً إلى تراجع أعداد المتطوعين.

وتعليقاً على تجربة "جونسون آند جونسون"، تقول ديانا زوكرمان من "المركز الوطني للأبحاث الصحية": "لا يمكن أن نخبر الرأي العام بأن جميع من تلقوا اللقاحات لم يدخلوا المستشفى من دون أن نبلغهم في الوقت نفسه بأن خمسة أشخاص في مجموعة الدواء الوهمي دخلوا إلى المستشفى". كذلك، لا يمكن توقّع نسبة فاعلية اللقاحات بطريقة دقيقة لدى عامة الناس خارج إطار التجارب. على سبيل المثال، كان عدد المشاركين فوق عمر الستين صغيراً نسبياً في بعض الدراسات.

يسهل أن نستنتج مدى هشاشة هذه الأرقام عند مراجعة الإحصائيات المرتبطة بالأمراض الحادة الأخرى. في تجربة لقاح "فايزر" مثلاً، أصيب شخص واحد ممن تلقوا اللقاح بحالة حادة من "كوفيد-19" مقابل ثلاثة أشخاص في مجموعة الدواء الوهمي، ما يعني أن نوبة واحدة من المرض تُحدِث فرقاً بين معدل الفاعلية الذي يبلغ 66 في المئة والمعدل المثالي (100 في المئة). وفي تجارب "نوفافاكس" و"أكسفورد – أسترازينيكا"، لم يُصَب أحد بمرض حاد في المجموعة التي تلقّت اللقاح وأصيب شخص واحد في المجموعة المرجعية. تزداد المشكلة تعقيداً على مستوى حالات الوفاة. لتحليل نسبة الفاعلية، رصدت التجربتان المرتبطتان بلقاحَي "مودرنا" و"جونسون اند جونسون" حالات وفاة مشتقة من الفيروس في المجموعات المرجعية مقارنةً بمجموع التجارب على اللقاحات.

البيانات المنشورة

في مطلق الأحوال، تبقى هذه النتائج أولية:

لا تشمل البيانات المنشورة حتى الآن أي معطيات عن المجموعة التي تسجّلت في مرحلة متأخرة من التجارب، ولاتزال التحليلات مستمرة.

ذكرت "إدارة الغذاء والدواء" في شهر ديسمبر الماضي أن شخصاً دخل إلى المستشفى من جراء إصابته بحالة حادة من "كوفيد-19" بعد شهرين على تلقيه الجرعة الثانية من اللقاح في تجربة "مودرنا". كان ذلك الفرد جزءاً من المجموعة التي لاتزال تنتظر التقييم النهائي من الباحثين ولم تذكره النتائج الرسمية المرتبطة بتجربة "مودرنا".

تقارير مهمة

على صعيد آخر، لاتزال المعلومات التي تقدمها برامج التلقيح العامة والمستمرة قليلة. صدرت أربعة تقارير مهمة في آخر أسبوعين، ويقارن الباحثون في واحد منها بين 600 ألف شخص تلقوا دورة كاملة من لقاح "فايزر" في إسرائيل و600 ألف شخص لم يتلقوا اللقاح وتنطبق عليهم المواصفات نفسها من حيث العمر والمعطيات الديمغرافية. بلغت قدرة اللقاحات على منع حالات دخول المستشفى 87 في المئة.

ذكر تقرير اسكتلندي لم يُنشر علناً بعد أن قدرة اللقاحات على منع دخول المستشفى بلغ 80 في المئة تقريباً لدى أشخاص في عمر الثمانين وما فوق، علماً أن معظمهم كانوا قد تلقوا جرعة واحدة فقط من لقاح "فايزر" أو "أسترازينيكا". ووفق تقريرَين آخرين من "وكالة إنكلترا للصحة العامة"، تراجعت حالات دخول المستشفى بنسبة 50 في المئة و43 في المئة في الفئة العمرية نفسها بعد تلقي جرعة واحدة من لقاح "فايزر". إنها نتائج مثيرة للاهتمام لأنها تثبت نجاح اللقاحات. لكن لا يعني ذلك أن جميع اللقاحات متشابهة أو أن نسبة الحماية مثالية.

منافع كبرى

أمام هذه المعلومات كلها، كيف يمكن أن نتخذ قرارنا بشأن تلقي اللقاح؟ تعليقاً على الموضوع، صرّح الخبير الأميركي في علم المناعة، أنتوني فاوتشي، لصحيفة "نيويورك تايمز" في الأسبوع الماضي: "لدينا الآن ثلاثة لقاحات فاعلة جداً. انتهى الموضوع". بعبارة أخرى، سيحصد الناس منافع كبرى عند أخذ أي نوع منها، وستتراجع المخاطر التي يواجهونها حين يتلقى المحيطون بهم اللقاح بدورهم. بغض النظر عن اللقاح الذي نتلقاه، ستتوفر جرعة داعمة أخرى من النوع نفسه أو من لقاح مختلف في المستقبل القريب. من خلال تلقي اللقاح الأول، سنتجنب أيضاً مخاطر غياب الحماية إذا بلغت معدلات العدوى ذروتها في مكان إقامتنا.


لكن تبقى نسبة فاعلية اللقاح مجرّد جانب بسيط من المعادلة الشاملة. يتفوق لقاحا "فايزر" و"مودرنا" من حيث قدرتهما على منع نشوء المرض الذي يترافق مع أعراض واضحة، لكن يحمل لقاح "جونسون آند جونسون" منافعه الخاصة أيضاً، فهو لا يتطلب شروطاً صارمة على مستوى تجميد اللقاحات، ما يعني أن توزيعه في مختلف الدول سيكون أكثر سهولة. حتى أنه أقل كلفة من اللقاحَين الآخرَين، إذ توفره الشركة بسعر التكلفة في أنحاء العالم.

آثار معاكسة

من ناحية أخرى، يعطي لقاح "جونسون آند جونسون" منافع على المستوى الفردي أيضاً، لأنه يقتصر على جرعة واحدة ونهائية. حتى أنه لا يسبب آثاراً معاكسة بقدر لقاح "مودرنا". لا يمكن أن نقارن بين نتائج هذه التجارب بدقة، لكن تتعدد المؤشرات التي تثبت وجود فرق كبير. واجه 2 في المئة من المشاركين في المجموعة التي تلقّت لقاح "جونسون اند جونسون" ردود أفعال معينة، مثل التعب والأوجاع العضلية والحمى، وقد كانت حادة بما يكفي كي تؤثر على نشاطاتهم اليومية. لكن ارتفعت هذه النسبة إلى 15 في المئة في المجموعة التي تلقّت الجرعة الثانية من لقاح "مودرنا". قد يميل الأشخاص المترددون إلى تفضيل تلقي جرعة واحدة في هذه الحالة. كذلك، قد يشكك آخرون بتكنولوجيا "مرسال الحمض النووي الريبي" المستعملة في لقاحات "فايزر" و"مودرنا" لأنها لاتزال تقنية حديثة نسبياً، فيفضلون مقاربة "جونسون اند جونسون"، لأن هذه الشركة استعملت الطريقة نفسها في السابق عند ابتكار لقاح ضد الإيبولا، علماً بأن هذا اللقاح تمت المصادقة عليه في أوروبا خلال السنة الماضية.

وسيلة مثالية

نظراً إلى هذه المخاوف كلها، تترافق الأفكار التي تزعم أن لقاحات كورونا متشابهة على جميع المستويات أو أنها وسيلة مثالية للاحتماء من الأمراض الحادة مع بعض المخاطر، رغم النوايا الحسنة الكامنة وراءها. التلقيح خطوة ضرورية لتحسين الصحة العامة، ولاشك أن الحملات التي تُشجع على تلقي اللقاحات تخدم المصلحة العامة. لكن يبقى هذا القرار الصحي شخصياً في نهاية المطاف. يريد الناس أن يحموا أنفسهم والمقربين منهم، ومن المتوقع أن يهتموا بنتائج أخرى، بعيداً عن حالات دخول المستشفى ومخاطر الوفاة، بغض النظر عن المواقف الشائعة في الوقت الراهن.

جدول بيانات

مع ذلك، قد يكون نشر هذه المخاوف في الأوساط العامة محفوفاً بالمخاطر. رداً على سؤال حول جدول البيانات التي جمعتها الدكتورة مونيكا غاندي، أكدت هذه الطبيبة المتخصصة بالأمراض المُعدِية أهمية التدقيق بنتائج الأمراض الحادة، وذكرت أن "الخطاب العلمي الحذر والموحّد حول اللقاحات عامل ضروري للمضي قدماً ومساعدتنا على تجاوز زمن الوباء".

في السياق نفسه، يقول الطبيب والباحث إيريك توبول، إنه شدد في مناسبات متكررة على أهمية قياس فاعلية اللقاحات ضد الأمراض المترافقة مع الأعراض، ما يعني أن أي إشارة معزولة إلى جدول بياناته قد تستعمل المعلومات المطروحة خارج سياقها الحقيقي. أما أشيش جها، عميد كلية الصحة العامة في جامعة "براون"، فقد كتب في رسالة إلكترونية أن حالات دخول المستشفى والوفاة المرتبطة بفيروس "كوفيد-19" تبقى نادرة جداً ضمن الفئات التي تلقت اللقاحات في تلك التجارب، لذا لا داعي لتكثيف الجدل حول الاختلافات بين الخيارات المتاحة.

د

التطرق إلى نقاط الاختلاف بين الأدوية واللقاحات أمر معق

يسهل أن تصبح هذه المسألة محط جدل واسع، لكنها تبقى نقطة أساسية. كان الوضع ليختلف لو أننا اقتنعنا أن تلك اللقاحات كلها تحمي الناس من دخول المستشفى أو الوفاة بنسبة 100 في المئة، أو إذا صدّقنا الفكرة التي أصبحت شائعة اليوم ومفادها أن هذه الخيارات سبق أن أثبتت قدرتها على تجنب تلك العواقب السلبية بطريقة "فاعلة" أو "شبه كاملة". تتعدد الأسباب التي تجعل هذه البيانات كلها واعدة، لكن لا مفر من أن تتأثر تصرفات الناس إذا استنتجنا الآن أن كل من يتلقى اللقاح لن يواجه أي أثر سلبي، وأن فيروس "كوفيد-19" لم يعد أخطر من الزكام العادي. ما سيكون موقف الجماعات الأكثر عرضة للخطر من الذهاب إلى السينما، أو موقف أرباب العمل حول ضرورة تكثيف تدابير السلامة في أماكن العمل إذا افترضنا جميعاً أن اللقاحات تعطي حماية مثالية وتمنع الناس من دخول المستشفى أو الوفاة؟ ثم لنتخيل موقف هؤلاء الأفراد وأرباب العمل أنفسهم حين يعرفون أن نسبة حمايتهم تصل إلى 85 في المئة.

في المقابل، لا شيء يثبت أن إحداث ضجة واسعة حول هذا الموضوع سيخدم المصلحة العامة أو يفيد الناس شخصياً. كل من يظن أن اللقاحات تضمن له حماية فائقة قد يخسر ثقته بالخبراء إذا تبيّن أن الواقع مختلف. ثمة مشكلة أصلاً على مستوى الثقة بالمعلومات المرتبطة بلقاحات فيروس كورونا، وقد تتراجع هذه الثقة بدرجة إضافية. كذلك، قد يعمد الناشطون الذين يعارضون حملات التلقيح إلى استعمال الوعود "المفرطة" التي أطلقها الخبراء ضدهم في نهاية المطاف.

كتب أشيش جها في نهاية شهر شباط الماضي تغريدة جاء فيها: "تشتق الفكرة القائلة إن الناس لا يستطيعون تقبّل الاختلافات من النزعة إلى كبح الحريات والمسؤوليات، وهي فكرة خاطئة". إنه موقف صائب! في النهاية، يبقى التعامل مع الناس بكل نضج عاملاً أساسياً في جميع المجالات. لاداعي للمبالغة في أيٍّ من هذه المواضيع. غالباً ما يكون التطرق إلى نقاط الاختلاف بين الأدوية واللقاحات معقداً، لكن لا يتردد الخبراء في مناقشة هذا الموضوع طوال الوقت ولا ضير من تكرار النهج نفسه مع لقاحات كورونا أيضاً.

هيلدا باستيان - أتلانتيك

إدارة الغذاء والدواء ذكرت أن شخصاً دخل المستشفى نتيجة إصابته بـ «كوفيد- 19» بعد شهرين من تلقيه الجرعة الثانية من لقاح «مودرنا»

عميد بجامعة «براون» كتب أن حالات دخول المستشفى والوفاة المرتبطة بالفيروس تبقى نادرة جداً ضمن الفئات التي تلقت اللقاحات

لقاحا «فايزر» و«مودرنا» قادران على منع نشوء المرض الذي يترافق مع أعراض واضحة لكن «جونسون آند جونسون» يحمل منافعه الخاصة ولا يتطلب شروطاً صارمة على مستوى تجميد اللقاحات

قد تكون اللقاحات الثلاثة التي صادقت عليها إدارة الغذاء والدواء الأميركية ممتازة لحماية صحة الناس ويجب ألا يتردد أحد في تلقي اللقاح بناءً على الفرضية القائلة إن بعض الأنواع من الدرجة الثانية