صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4761

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

عبدالرزاق الربيعي: جيد الشعر قليل في كل عصر

كشف عن استعداده لإصدار ديوان جديد عن طفل في الستين

ينتمي الشاعر والكاتب المسرحي عبدالرزاق الربيعي –حسب التحقيب الجيلي- إلى جيل الثمانينيات الأدبي في العراق، وانتقل للإقامة في سلطنة عمان في حقبة التسعينيات، وحمل الجنسية العمانية عام 2016، وأدرج اسمه في معجم شعراء البابطين الجزء الثالث، حيث أصدر ما يربو على 30 كتاباً، تنوعت بين الشعر والمسرح والنقد، ومن أعماله الشعرية: شمال مدار السرطان، وطن جميل، نجمة الليالي، طفلة الماء... وفي حوار مع «الجريدة» من القاهرة، كشف الربيعي عن العديد من الآراء المهمة حول مشواره الأدبي... وإلى تفاصيل الحوار:

● ماذا عن أهم الموجهات الذاتية التي دفعت بك نحو الشعر والحياة الأدبية؟

- الموجهات الذاتية تتمثل في الرغبة الدفينة في التعبير عما يختلج في النفس القلقة، المرهفة الحسّ سوى ذلك تتلمذنا على أيدي أساتذة أجلاء حببوا لنا القراءة، كالأستاذ حسين كركوش، الذي درّسنا في الصف الخامس الابتدائي، وترك أثرا لا يمحى، ودرّسنا في الصف السابع الأستاذ حسن علي الزبيدي (أبوالغيث)، الذي كنت أنظر له كمعلم مختلف، ومازلت أسترجع مع نفسي، توجيهاته، ونصحه لي بقراءة "فن الشعر"، فطلبت من أخي الأكبر أ. د. حاتم جبار الربيعي ذلك، وجلب لي من مكتبة من مكتبات الباب الشرقي، كتاب أرسطو طاليس، وبعد قراءة مرهقة سألني عن رأيي فأجبته: لم أفهم شيئا، فاستغرب، وقال: ما الذي لم تفهمه؟ أجبته: إنه يتحدث عن الملهاة والماساة، والمحاكاة، عندها علم أنني أقرأ في كتاب أرسطو، فقال: لي حقك، أنا قصدت كتاب محمد مندور، وبالفعل، حصلت عليه، وكان سهلا جدا، ومفيدا، وقد رويت هذه الحكاية لزوجته الشاعرة ملك عبدالعزيز، رحمها الله، وضحكنا، قبل وفاتها بشهر بسقوط شجرة عليها!! ونصحني بقراءة المتنبي، وأعارني ديوان الجواهري بجزأيه الأول والثاني حال صدورهما، مثلما كان معلم الرسم "خالد ناجي" (الذي كان يضع على رأسه باروكة نسائية، مرة سألناه عن ذلك يقول: قضاة اليونان كانوا لا يدخلون قاعة المحكمة للقضاء إلا بوضع باروكة على رؤوسهم، دلالة لغزارة الحكمة)، وكان مختلفا أيضا، فإذا كان أ. حسن علّمنا حبّ اللغة، والشعر، والأدب، فالأستاذ خالد علّمنا كيف نفكر خارج الصندوق، هؤلاء لهم أثر في توجيهي نحو جادة القصيدة.

● كيف تستطيع توليد وبناء صورك الشعرية الساحرة في نصك الملحمي؟

- الشعر مجازات وصور شعرية وتراكيب لغوية، وحين نكتب تنثال هذه العناصر لتكوّن النص، والشعر" فنٌّ تصويريُّ" كما يقول الجاحظ "يقوم جانب كبير من جماله على الصورة الشعريّة، وحسن التعبير"، أما كيف تتشكل الصورة؟ فاللاشعور له دور في البحث عن وسائل تعبيرية تقرّب المعنى بطريقة فنية تلعب فيها الصورة دوراً.

● هناك من يؤكد أن الارتكاز على المدينة وطرازها البنائي يفسد على الشاعر جوه الحسي؟

- لقد وجد الشعراء الرومانسيون في الطبيعة ملاذا، فنزحوا إلى القرى، أما المدينة فقد فرضت حضورها اليوم على الشعراء، لكونهم أبناء مدن، ووجدوا في خصومتها نوعا من الاغتراب، لذا تأقلموا معها، لقد جعلني الطابع المعماري السائد في مسقط أتآلف معها، وانسجم، وأذوب في بياضها الذي يصبغ الواجهات. المدينة ليست لعنة، والقرية ليست جنة النعيم، فللشعراء مدنهم، وقراهم التي يصنعونها بأنفسهم ويقيمون فيها.

● ما مفهومك للحداثة الشعرية؟ وما الاتجاه الذي يستجيب لأفق انتظارك الشعري؟

- لكلّ عصره سماته، وحين نعيش عصرنا، فبالضرورة تنعكس تلك المعايشة على نصوصنا، وبهذا الإطار، فإن كلّ نص ينتمي إلى عصره، وقضاياه الجوهرية التي تتصل بالإنسان، مع استشراف المستقبل، وظروفه الموضوعية، هو بالضرورة نص حديث، وتدخل في هذا السياق النصوص التي كتبت في عصور سابقة، بغضّ النظر عن الطريقة التي كتبت بها، فالمعيار هو الجودة، كما أشار ابن قتيبة في كتابه "طبقات الشعراء"، ومن هنا فالحداثة هي تفاعل مع العصر، وملامسة لتطلعات الإنسان، والاقتراب من نبض روحه، وقضاياه الممتدة مع الزمان، وفي الأحوال كلها فهي محتوى إنساني، وفهم للوجود، دون التوقف عند شكل معين بل بأشكال متعددة، ومبتكرة.

● شاركت في العديد من اللقاءات الأدبية، فماذا قدمت هذه التجمعات للشعر والشعراء؟

- بغضّ النظر عن الأمراض المزمنة للمهرجانات، والملتقيات الأدبية العربية كالشلليّة، وتكريس بعض الأسماء على حساب أخرى بدوافع شتى، تبقى المهرجانات ضرورية لتوفير فرصة اللقاء مع الذين يشاركوننا المركب نفسه، من الشعراء، والنقاد، ومحاورتهم، والاطّلاع على أحدث التجارب، من جانب، وكذلك اللقاء بالجمهور، وسماع آرائهم، وكلنا نتذكر مهرجان المربد، وما وفّره لنا من فرصة التعرّف على تجارب شعرية عربية، ساهمت في صقل تجاربنا.

● هل ترى أن الحركة النقدية واكبت إبداعك؟


- كنت الأوفر حظا نقديا بين زملائي من شعراء جيلي. لاقت دواويني منذ بداياتي في النشر عام 1986 ترحيبا نقديا، ودراسات، وهناك كتابات نقدية لكثيرين كالدكتور عبدالعزيز المقالح، وعبدالملك مرتاض، ود. حاتم الصكر، ود. عبدالرضا علي، ود. صلاح فضل، ود. ضياء خضيّر، ود. صبري مسلم، ود. ثابت الألوسي، وفضل خلف جبر، ود. محمد صابر عبيد، ود. سعد التميمي، ود. محمد الغزّي، ود. صادق رحمة، وياسين النصير، ود. عبدالإله الصائغ، ود. وجدان الصائغ، وعلي حسن الفواز، وفيصل القصيري، وشاكر مجيد سيفو، ود. أحمد جار الله ياسين، ود. بيداء عبدالرزاق، ود.بتول عباس نسيم، ود. جبار سلطان، وبشير حاجم، ومحمد اللوزي، وآخرين، وصدرت دراسات أكاديمية أبرزها: القصيدة المركّزة في شعر عبدالرزاق الربيعي- طلال زينل"، وهي" رسالة أكاديمية تقدم بها الباحث لنيل درجة الماجستير في النقد الحديث من جامعة الموصل 2011م، وحاليا يعكف عدد من طلبة الماجستير والدكتوراه في الجامعات العراقية على دراسة أعمالي.

● كيف ترى قصيدة النثر... تطورا أم تخريبا للمنجز الشعري؟

- كتبت قصيدة النثر بعد تجربة مع قصيدة التفعيلة، وقبل تلك وخلالها، وبعدها لي تجربة مع العمود الشعري المتعارف عليه في القصيدة العربية الكلاسيكية، فكان التحوّل إلى كتابتها طبيعيا، رغم أنه جاء هادئا، دون ضجيج، فديواني الأول "إلحاقا بالموت السابق" الصادر ببغداد 1986 تضمن قصيدة نثر واحدة، وسرّ هذا الحذر والتأني الشديد هو استسهال بعض أصحاب المواهب الضعيفة لكتابتها، وكثرة الغثّ، خصوصا أنّ قصر عمرها لم يتح لها القدرة على مناطحة قصيدة لها ارثها الذي يمتد عبر قرون عديدة، فكتابتي لها جاءت عن ضرورة، وحاجة للتعبير عن جموح شعري، وضمان لانطلاقة أوسع في فضاء المخيلة، فكان لابدّ أن أستفيد من الإمكانات التي تتيحها، ومنها: التشكيل البصري، الذي وجدت فضاء قصيدة النثر رحبا له، وقد لاحظت أن الشعر أصبح بعد أن نزل من المنابر، فنّا بصريّا، فالقصيدة الحديثة، التي تخلو من الخطاب الحماسي، والموسيقى الصاخبة، صارت تكتب للقراءة، لذا كان لزاما علينا أن نستثمر المساحات البصرية التي يتيحها التدوين على الورق الأبيض لصياغة تشكيلات بصرية قد تساهم في إثراء النص، فاستخدمت الفراغات، وعلامات الترقيم، وتقطيع الكلمات كأدوات تعبيرية بصرية في صياغة ذلك الشكل،

وهذه وجدتها متاحة في قصيدة النثر التي رأت سوزان برنار في كتابها "قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الراهن"، الصادر في باريس عام 1958، أن الشكل من أبرز خصائصها، وفي ذلك يقول أدونيس عن قصيدة النثر أنها "ذات شكل قبل أي شيء، ذات وحدة مغلقة، هي دائرة أو شبه دائرة لا خط مستقيم، هي مجموعة علائق تنتظم في شبكة كثيفة ذات تقنية محددة وبناء تركيبي موحد منتظم الأجزاء متوازن، تهيمن عليه إرادة الوعي التي تراقب التجربة الشعرية وتقودها وتوجهها".

● إلى أي مدى استطاعت الأصوات الشعرية أن تخلص للشعر في خضم السياسية الجامحة؟

- لكل شاعر توجهه وهدفه، وتختلف الغايات من شاعر لآخر، ويبقى جيد الشعر قليلا في كل عصر، فالشعراء كثيرون، ولكن ما أقلّ الشعر! ولنترك الكلمة الأخيرة للزمن، فهو خير حكم، وخير غربال.

● أين المسرح الآن من إبداعاتك؟

- يشغلني المسرح كثيرا، ونصي المسرحي هو الموازي لنصي الشعري، وقد قدّمت لي العديد من النصوص على خشبات المسارح العمانية، والعربية، وشارك بعضها في مهرجانات دولية، وعلى سبيل المثال، فازت مسرحيتي "كاسك ياسقراط" بالجائزة الذهبية كأفضل عرض متكامل في فعاليات الأيام الوطنية الثالثة الجزائرية 2017، وفازت "بنت الصياد" بجائزة أفضل نص بالمهرجان الدولي لمسرح الطفل في الناظور المغربية 2019، وقدمت لي على المسرح العديد من العروض أبرزها (اه أيتها العاصفة) إخراج كريم جثير في صنعاء، ومسرحية (سقراط) إخراج محمد شيخ الزبير / أيام الشارقة المسرحية 2003، وآه أيتها العاصفة / إخراج سلطان خسرو في مهرجان المسرح الكويتي 2004، وأعيد تقديمها في الأردن في العام نفسه في مهرجان المسرح الأردني بعمان.

● ما مشروعك الشاغل الآن؟

- لي أكثر من مشروع على مستوى الكتابة الشعرية، والمسرحية، فبعد صدور مجموعتي "شياطين طفل الستين" في يناير 2021، اشتغل على مجموعة شعرية جديدة، لم أستقر بعد على عنوان، وجمع مسرحيات جديدة في كتاب، ومشاريع أخرى.

محمد الصادق

ملتقيات الشعر الآن تكرس الشللية لكنها مهمة للتعرّف على التجارب الجديدة