صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4761

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

نار العشق (2-2)

  • 10-02-2021

إذا كانت رواية "الرومي: نار العشق"، لنهال تجدّد قد أوضحت أن أجمل ما قاله مولانا جلال الدين الرومي، من أشعار ظلت باقية حتى يومنا الراهن، جاء كنتيجة للعلاقة الخاصة التي ربطته بشمس الدين التبريزي، وتحديداً بعد موت/ اختفاء شمس من حياته، وأن هذا الحدث وحده هو الذي أضرم نار العشق في قلبه، وأطلق لسان روحه لتسطر أجمل ما عُرف في شعر التصوّف. لكن وبعيداً عن عوالم الرواية، فإن ما استوقفني، ولفت نظري بشكل كبير، هي الكلمات التي سطّرتها المؤلفة تجدد في كلمتها الأخيرة المعنونة بـ "الخاتمة"، فإذا كان غياب شمس أطلق خيالات الرومي الأجمل، فإن قصتها مع كتابة الرواية، هي أيضا علاقة عشق، عشق بين امرأة تنسحق تحت ظرفها، وتبقى ممسكة بخيط الرواية مصرة على كتابتها!

"استغرقت أربع سنوات في كتابة هذه الرواية. خلال تلك الفترة، توفيت أمي، وبعدها عشر سنوات من المحاولة في كتابتها، أنجبت ابنتي التي سمّيتها كيارا على اسم جدة الرومي. وقد تخللت كتابة هذه الرواية فترات انقطاع من الحزن والولادة والتربية". ص375 إن وقوفاً مستحقاً أمام إفادة نهال بتجربتها وإصرارها على كتابة الرواية، إنما يكشف جزءاً هاماً من معاناة الكاتب التي تبقى مخبّأة تحت حروف كتاباته. فمعظم كتّاب الوطن العربي هم موظفون، ويصارعون الوقت للحصول على كسرة فسحة وقت للقراءة والكتابة، وكل هذا يبقى بعيداً عن عين القارئ حين يقرأ العمل، خاصة أن فعل القراءة يكون قصيراً جداً مقارنة بأوقات الكتابة.

أذكر أنني بعد أن قرأت رواية "الرجع البعيد"، التي تُعد واحدة من أجمل وأهم الروايات العربية، لمؤلفها فؤاد التكرلي، أعدت قراءتها وكأني أمتص واستمتع بكل حرف فيها. ولم تكن أي من القراءتين لتأخذ أكثر من يومين. لكن، وحين قابلت فؤاد التكرلي لاحقاً في الكويت، وراح يقص عليَّ قصة كتابته لروايته، وبصوته الهادئ قال لي: "كتبتها على مدار سبع سنوات. وكنت في كل يوم أجلس ما بين ثلاث إلى أربع ساعات، قد أكتب سطراً، وقد أحذف الصفحة السابقة، وقد أبقى أفكر في كلمة أكتبها ولا أجد!"، استغربت بوحه الشفيف، وعدت لسؤاله: "كيف استطعت احتمال هذه المكابدة اليومية المؤلمة؟" فأجابني: "كنتُ اقتطع ساعات كتابتي من لقاء أسرتي، للقاء شخصياتي، وكانوا يأخذونني إلى عالمهم حتى لا أودّ الرجوع لعالمي!".

التكرلي كتب روايته الخالدة على مدى سبع سنين، وها هي تجدد تكتب روايتها عن عشق الرومي، لأنها تعشقه وعبر عشر سنوات، ولأن زوج نهال، وهو كاتب أيضاً، كان يلومها على تأخرها، وانقطاعاتها عن كتابة الرواية، فيؤلمها ذلك أكثر ويزيد من توزعها، حتى عادت لما كتبه الرومي عن تأخر كتابه الأهم "المثنوي" قائلاً:

لقد تأخر هذا المثنوي فترة من الزمان، فالمهلة واجبة حتى يتحول الدم إلى حليب.

وهنا تقول الكاتبة تجدد "إن هذه الكلمات موجّهة إلي. أغلقت المثنوي، ووضعته على شفتي وعيني، وشعرت أنني اتخذت القرار الصائب، وأن الرومي معي". ص 376

نعم، آفة الكتابة استعجال وقت انتهاء الكاتب من كتابه، واستعجاله أكثر للنشر، وكم من أعمال، وتحديداً الأعمال الشبابية، كانت بحاجة إلى تروٍ وإعادة قراءة، ومن ثم إعادة الكتابة مرة واثنين وثلاث. فهناك إجماع بين كتّاب الأدب في العالم على أن لا شيء يحسن الكتابة كما الكتابة.

رواية "الرومي: نار العشق" تغوص في عالم مولانا جلال الدين الرومي، وتأخذ القارئ إلى سماءات العشق الأصعب حين يكون حياة، وحين يستحيل عيش الحياة إلا به، وحين يكون لسان الحياة، وحين يصبح الحديث عنه هو حديث عن حياة مُتمنّاه، لا يمكن الوصول إليها إلا عبر الاحتراق بوهج ونار العشق!