صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 4761

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

وجهة نظر : مَن يُصلح الملح إذا الملح فسد؟!

  • 08-12-2020

لا شك أن مهنة مراقب الحسابات من أكثر المهن أهمية وتأثيراً على الاقتصاد. وأي عملية تجارية أو صفقة استثمارية تعقد في أي مكان في العالم، غالباً ما يكون أساسها بيانات اعتمدها أحد مكاتب تدقيق الحسابات المعروفة. لذلك ثقتنا بما تقدمه من خدمات يجب أن تكون مبنية على رأي مستقل وتقارير حرة تصاغ بمبادئ ثابتة تبرز الحقائق الكاملة والناقصة.

ولكن هل يمكن تحقيق ذلك في ظل سيطرة الأربعة الكبار على أكثر من 70 في المئة من نشاط مكاتب التدقيق والاستشارات في العالم، بمليون موظف، وإيرادات سنوية تتجاوز 100 مليار دولار؟

سؤال أثار اهتمامي، حين علمت أن شركات كويتية اعتمدت بيانات مالية ختامية، لا تعكس حقيقة مركزها المالي، وافق عليها مراقب الحسابات متجاوزاً الأخطاء، لأن إعدادها تم وفقاً للمعايير الدولية للتقارير المالية IFRS التي تصدر عن المجلس الدولي للمعايير المحاسبية (IASB).

اتضح بعد البحث أن هذا المجلس أُسس في لندن عام 2001، بهدف توحيد الأنظمة المحاسبية بين الدول المختلفة، لتسهيل فهم البيانات المالية وتشجيع التعامل والاستثمار بينها. لذلك أستغرب قرار فرض المعايير في بلد كالكويت عدد الشركات التي يمكنها الاستفادة منه لا يتجاوز 5 في المئة من اجمالي الشركات الكويتية، علما ان مجلس إدارته يتكون من 14 عضواً، ليس بينهم من يمثل الدول الخالية من الضرائب، في حين أن خمسة منهم على الأقل، ممثلين لدول كالولايات المتحدة والصين، مازالوا يرفضون المعايير.

ولادة المجلس كانت صعبة، شهدت عدداً من الفضائح المالية لشركات عالمية مثل Enron وParmalat، انهار على أثرها أحد أهم مكاتب التدقيق في العالم Arthur Anderson، مما اضطر الاتحاد الأوروبي إلى أن يطلب من أعضائه إنشاء جهاز متخصص للإشراف على محترفي مهنة التدقيق، وطلب من الشركات المدرجة تدوير مراقب الحسابات كل سبع سنوات، وتكليف لجنة مستقلة متخصصة لتقييم المكاتب قبل التعيين. وكذلك رفعت الولايات المتحدة، درجة الحوكمة لدى الشركات باعتماد شروط The Sarbanes-Oxley Act التي نتج عن تطبيقها تكاليف إضافية دفعتها الشركات المدرجة بلغت 7 مليار دولار وارتفاع رسوم مكاتب التدقيق 35 في المئة.

لم ينجح أسلوب الحوكمة في الحد من الأزمات والفضائح، لأنها أهملت حَدَثين ساهما بنظري في انهيار الأسواق المالية عام 2008 واختفاء مجموعة من أعرق وأكبر الشركات والمصارف العالمية؛ الحدث الأول كان إصدار معايير المحاسبة 39 و40 الذين أتاحوا للشركات تقييم عقارهم سنوياً من قبل طرف ثالث، وتسجيل الفرق عن العام السابق بربح أو خسارة، والسماح بتوزيع الأرباح -غير المحققة- الناتجة عن التقييم، أما الحدث الثاني، فكان قرار الحكومة الأميركية تخفيف اللوائح والقيود على المصارف والمؤسسات المالية (Deregulation)، ليصبح بإمكانها استغلال أموال المودعين، واستثمارها في المجال العقاري ومشتقاته، من خلال تعليب القروض السكنية عالية المخاطر في صناديق استثمارية وبيعها بأرباح باهظة في الأسواق العالمية على أنها سندات دين مضمونة.

ساهم تزامن الحدثين، وما نتج عنهما من ثغرات محاسبية، في استمرار الخداع والتلاعب في البيانات المالية إلى هذا العام، الذي أعلنت فيه شركة وايركارد Wirecard الألمانية إفلاسها، بعد أن رفض مراقب الحسابات التوقيع على البيانات المالية، لأنه اكتشف بعد عشر سنوات من التدقيق أن الحسابات خطأ وتتضمن تحايلاً على المساهمين والدائنين بقيمة 2 مليار دولار.

أذكر حين كان تقرير مراقب الحسابات يشير إلى أن البيانات المالية تم إعدادها "وفقاً للمبادئ المحاسبية المتعارف عليها، وأن الجرد أجري وفقاً للأصول المرعية"، وكيف اختفت المبادئ عن التقرير بعد الأزمات هروباً من المسؤولية، ليحل مكانها ما يؤكد أن "الإدارة وحدها هي المسؤولة عن اعداد البيانات المالية وفقا للمعايير الدولية، بحيث لا تتضمن أخطاء مادية"، وأن مسؤولياته كمدقق "ليس من ضمنها اكتشاف التحايل والخطأ".

هكذا اختلفت مهمة مراقب الحسابات تجاه عملائه، من تدقيق البيانات المالية، إلى مراقب "للحوكمة" بإجراءات شكلية تحجب العيوب ولا تعالجها، كإضافة أعضاء "مستقلين" لمجلس الادارة، وتعيين مدقق داخلي، ولجان لا حصر لها يشكلها مجلس الإدارة، واحدة للإشراف على التدقيق الداخلي وأخرى لتقييم المخاطر، وثالثة لتعيين مكتب تدقيق مستقل لمراجعة وتقييم نظم الرقابة الداخلية، ورابعة لتقييم الإدارة الفنية، وخامسة لتقييم أداء أعضاء مجلس الإدارة، وسادسة للتحقق من استقلالية عضو مجلس الإدارة المستقل، وغيرها من الإجراءات المضحكة التي تكلف الشركات مبالغ باهظة لا تنفع الشركة ولا المراقب ولا جهاز الإشراف في الوزارة.

فأصبحنا كمن ينتظر الأزمات لتُعاقب الأخطاء، لذلك أكتب هذه السطور تحسباً لمزيد من الازمات، بعد دخول معيار 16 الى حيز التنفيذ، إذ كانت الإيجارات قبله تتبع معياراً محاسبياً يفرض قيدها في البيانات المالية تحت مسمى "مصاريف الايجار"، لتظهر حقيقة ما تم دفعه من إيجار خلال العام. ولكن مع معيار 16 لن يكون من السهل معرفة القيمة الفعلية للإيجار من البيانات المالية، لأنها ستكون متخفية تحت مسميات أخرى لا علاقة لها بالإيجار يحددها مراقب الحسابات باستخدام جداول افتراضية لا علاقة لها بالشركة ولا مساهميها، وغير مدعّمة بأي مستندات ثبوتية.

وبما أنني لست متخصصا في المحاسبة، استشرت اثنين من أكبر مكاتب التدقيق، كل على حدة، وكانت آراؤهما متوافقة بأن المعيار مضلل للحقيقة، وأنهما غير مقتنعين بجدوى تطبيقه في الكويت، ولكنهما ملزمان بفرضه. وبسؤالي إن كان شرف المهنة يسمح لهم باعتماد بيانات غير دقيقة، كان الجواب الصادم بأن رأي المدقق في التقرير السنوي معني فقط بإعداد البيانات بموجب المعايير الدولية، ولا يتضمن تأكيد صحتها. وهذه مصيبة!

إن البيانات الصحيحة هي القاعدة الصلبة، التي يمكن الارتكاز عليها للإصلاح، لذلك أدعو من هذا الموقع، إلى فتح باب النقاش حول أهمية مكاتب تدقيق الحسابات، والحاجة لجهاز مستقل مؤهل للإشراف على أعمالها، وتقييم المعايير التي تصدر عن مجلس IASB قبل فرضها على الشركات الكويتية.