6/6 : وعدّى الاستجواب

  • 27-01-2022

تابعت غالبية الاستجوابات البرلمانية منذ عام 1967 ، حيث التحقت بكلية التجارة والاقتصاد والعلوم السياسية، وجذبتني مادة القانون، التي درسناها على أيدي ألمع عقولها العرب، وعلى رأسهم الأستاذ الدكتور المستشار عبدالفتاح حسن، وشدني منها مادة القانون الدستوري، المتضمنة الدستور الكويتي، بمبادئه وأبعاده وأبوابه ومواده، ومنها الاستجوابات.

كنا نحضر جلسات المجلس عدة مرات بمرافقة أساتذتنا، مدفوعين بحماسنا الذاتي، واستمعنا إلى مرافعات النواب الكبار المحنكين، والمبتدئين الأقل حنكة، وردود الوزراء ومساجلاتهم. وكانت ندوات تثقيفية، بموادها وطروحاتها الموضوعية ولغتها الراقية، وبداياتها ونهاياتها، التي مُورست بالغالب بفروسية ونبل، حافظة كرامات الوزراء المستجوَبين، سواء بلغة الاستجواب أو روحية النائب المستجوب، وانتهت إلى الاكتفاء بأسئلة الاستجواب المغلظة (تعريفاً للاستجوابات)، وذلك بالتوصيات، دون التهافت على حشد العشرة أصوات لنزع الثقة عن الوزراء، لأن الأهداف كانت في الغالب سلّات العنب لا رؤوس النواطير.

طبيعي كان هناك العديد من الاستجوابات الصاخبة، والتي استقطبت الساحة السياسية والمجتمع بين هذا الطرف أو ذاك، وعقدت لها الندوات، ووجهت العرائض من الناخبين للنواب يبدون فيها رأيهم بردود الوزراء والدفاع عن الإصلاحيين منهم، والذين لا ينبغي أن تكون منصات الاستجواب مقاصل لإعدامهم السياسي. كما أنه، وللأسف، وبتصاعد اللغة المتوحشة داخل البرلمان وتواري روح الثقة المتبادلة بين بعض النواب وبعض الوزراء واللجوء لمفردات التخوين، تركت ندوباً في جبين التجربة النيابية لا تزال غائرة به حتى يومنا هذا، فضلاً عن اتخاذها كقدوة من بعض مستجدي العمل النيابي، وخصوصاً الباحثين عن الزعامة النيابية والشعبية.

في كل الأحوال، وعبر مسيرة تاريخ الاستجوابات، لم يتمكن أي مجلس من نزع الثقة عن أي وزير، وانحصرت النهايات إما بالاكتفاء أو منح الثقة أو التدوير أو استقالة الحكومات أو الوزراء المستجوبين، أو حل المجلس، وحدث ذلك لمرة واحدة، وتولَّدت بكل الأحوال الظاهرة المنبوذة، وهي التربح من الاستجوابات.

الأسبوع الماضي عشنا أحداث استجواب استقطابي جديد طرحه النائب حمدان العازمي ضد نائب رئيس الوزراء وزير الدفاع الشيخ حمد الجابر، استخدم به النائب حقه الدستوري المشروع، وتألق فيه الوزير بردوده المتماسكة والمنطقية، فاستحق النصرة من داخل البرلمان وخارجه، خصوصاً أنه يتكئ على رصيد كبير من الاحترام والحظوة المجتمعية الشاملة لخلقه الرفيع وكفاءته ونزاهته الواضحة للعيان.

وبغض النظر عن رأيي وغيري بالإيجابيات والسلبيات التي شابت تناول النائب المستجوب وأساليبه التهكمية، وعن مقولات عدم جواز إقحام الفتاوى الشرعية بالمسائل المرتبطة بالدستور والقوانين ومفاهيم الدولة المدنية، فضلاً عن التشدد المبالغ به بالضوابط الشرعية التي تضمنتها الفتوى، والتي قد يخالف بعضها المبادئ الدستورية، وقد يفتح طعوناً دستورية بها في المستقبل، إلا أن ديموقراطية النظام الدستوري في الكويت أضافت لبنة لجهة إحكام السُّلطة الرقابية الشعبية على أعمال الحكومة من جهة، ولتمكين الوزراء من تأكيد قدراتهم بأداء مسؤولياتهم والدفاع عن قراراتهم بحزم وإقناع من جهة أخرى، وهذا ما انتهى إليه درس الاستجواب الأخير بامتياز.

مبروك للشيخ حمد جابر العلي تجديد الثقة، وللنائب جمعان العازمي ممارسة دوره الرقابي، الذي أتاح الفرصة للشعب الكويتي للوقوف على قدرات وكفاءة وزير الدفاع كأحد أبرز الوجوه في الحكومة وفي صفوف أبناء أسرة الحكم (مع الاحترام للجميع)، وهم يتهيأون للعب دورهم بقيادة مستقبل أبنائنا في وطن أحببناه، وسيبقى بإذن الله راسخاً وقادراً على تجاوز جميع العثرات مهما وكيفما كانت، وبلدنا يستاهل كل الخير.

● يوسف الجاسم