لبنان: «داعش» يطلّ برأسه شمالاً وسط الانسداد السياسي

عاد شبح الإرهاب ليلقي بظلاله على الساحة الداخلية اللبنانية من منطقة الشمال التي شهدت خلال الأسابيع الماضية جملة أحداث أمنية بدأت بجريمة كفتون (الكورة)، ولم تنته بالاشتباكات بين الأمن وعناصر من «داعش» فجر أمس، والتي ذهب ضحيتها عسكريان من الجيش اللبناني، إضافة إلى مقتل 9 إرهابيين. وشنّ فرع «المعلومات» في قوى الأمن الداخلي مساء أمس الأول عملية أمنية معقّدة، بعدما حدد هوية 4 أشخاص على صلة بجريمة كفتون، وتبيّن أنهم جزء من خلية تعمل لمصلحة تنظيم «داعش» في لبنان. وبنتيجة المتابعة، تمكّن الفرع من تحديد هويات جميع أعضاء المجموعة الإرهابية وعددهم أكثر من 15 شخصا، يعملون تحت إمرة السوري (م. ح) في منطقة وادي خالد (عكار) في منزل منعزل. ونفذ الفرع عملية أمنية لمحاصرة المنزل ما لبثت أن تحوّلت إلى اشتباك مع الإرهابيين نتج عنها مقتل 9 منهم. وخلال دقائق، امتدت رقعة العملية الأمنية إلى حاجز ثكنة عرمان في المنية، حيث أقدم مسلحان يستقلان سيارة على الهجوم على مركز الجيش. وعُثر بحوزة أحد المهاجمين على 3 قنابل وحزام ناسف فجّره الجيش. وأدى الاشتباك إلى مقتل عسكريين اثنين، وقتل أحد المهاجمين، في حين استطاع الآخر الفرار في اتجاه الأحراج. وقد تبيّن أنّ الإرهابي القتيل عمر بريص كان يحاول الدخول إلى مركز الجيش، وبعد الكشف على جثّته، تمّ العثور على رمّانات يدوية وحزام ناسف كان ينوي تفجيره داخل المركز.

وتأتي العملية بعد أكثر من شهر من قيام الجيش وقوى الأمن بمطاردة مشتبه بهم في بلدة كفتون شمال لبنان، وتحديدا مجموعة يقودها المطلوب خالد التلاوي، تورطت في جريمة وقعت في 21 أغسطس الماضي بالبلدة المذكورة، قُتل فيها 3 من أبناء البلدة، هم عنصران من شرطة البلدية ونجل رئيس البلدية، بعدما اشتبهوا بسيارة مركونة ليلاً الى جانب الطريق. يذكر أن بريص كان قد أخلي سبيله من السجن في شهر فبراير الماضي، بعد أن أمضى فترة عقوبته بتهمة الانتماء الى تنظيمات إرهابية، ويعتقد أنه مقرب من الشيخ خالد حبلص.

بري

من جانبه، قال رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، أمس، إن «لبنان وشماله الأبي والمحروم في عين عاصفة الإرهاب»، داعيا الجميع إلى «قراءة مشهد الشمال الحزين، فالبداية تبدأ من هناك، من لدن لغة الشهداء، لغة الجيش والقوى الأمنية، فمن لا يفهم لغتهم في هذه اللحظات الحرجة، لا يمكن أن يفهم لغة وطنه». كما دان رئيس الجمهورية ميشال عون الاعتداء الإرهابي الذي تعرّض له فجرا موقع للجيش في عرمان، وحيّا الشهيدين اللذين سقطا بالاعتداء، منوّها بتصديهما مع رفاق لهما لمنفّذ الاعتداء.

تطورات الحكومة

في سياق منفصل، تترقب الساحة السياسية الداخلية انعكاسات كلام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن مبادرته. وكان الرئيس الفرنسي قد أعلن في ختام زيارته لبيروت مطلع الشهر الجاري التزام القوى السياسية تأليف «حكومة بمهمة محددة» تتولى إصلاحات أساسية واستعادة ثقة الشارع في مهلة أسبوعين. لكن هذه المهلة انقضت من دون أن تشكّل الحكومة الجديدة.

وقال في مطلع سبتمبر «إذا لم يتم الإيفاء بالوعود في أكتوبر، ستكون هناك عواقب»، ملمّحا الى فرض عقوبات على مسؤولين. ووفقاً للدستور، يتعيّن على رئيس الجمهورية إجراء مشاورات برلمانية ملزمة جديدة، لتكليف رئيس وزراء جديد لتشكيل الحكومة. لكن هذه العملية مهددة مرة أخرى بالتأجيل والتأخير وربما الفشل مُجدداً.

وقال مدير المركز اللبناني للدراسات السياسية سامي عطا الله: «لا أتوقّع حكومة في أي وقت قريب». وأضاف: «كانت هناك فرصة وضغط كبير من أجل تشكيل الحكومة، لكن ذلك لم يحدث (...)، مما يعني أن المشكلة أكبر» من الاعتبارات المحلية، في إشارة إلى انعكاسات الصراعات الإقليمية، لا سيما بين الولايات المتحدة وإيران، على الملف اللبناني.

وأعطى اعتذار مصطفى أديب عن مهمة تشكيل الحكومة بعد أقل من شهر على تكليفه، شعورا بالعودة إلى المربع الأول، في ظل غموض تام يلفّ المشهد اللبناني.

وعنونت صحيفة «لوريان لوجور» الناطقة باللغة الفرنسية، «صفحة مصطفى أديب طُويت.. والآن؟»، واصفة العجز عن تشكيل الحكومة بأنه «قفزة نحو المجهول».

وتناولت الصحف اليومية الناطقة باللغة العربية مسألة اعتذار أديب، وعنونت جريدة النهار اللبنانية «تداعيات خطيرة للاعتذار والأنظار إلى ماكرون».

وتتزايد المخاوف من تدهور الأوضاع في البلاد التي تشهد أخطر أزمة اقتصادية وسياسية منذ ثلاثين عاما، وسط تدهور في قيمة العُملة الوطنية على خلفية تجاذبات سياسية ونقمة شعبية غير مسبوقة.

من جانبه، تساءل المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان، يان كوبيتش، في تغريدة عبر «تويتر»: «أيها السياسيون (اللبنانيون)، هل أفسدتم حقًا هذه الفرصة الاستثنائية التي أوجدتها فرنسا؟».

وأضاف: «متى ستتوقفون أخيرا عن ألعابكم المعتادة، والاستماع إلى صرخات واحتياجات الناس؟»

وقال كريم بيطار، الخبير السياسي في شؤون الشرق الأوسط: «إذا لم نذهب إلى جهنم، فقد نشهد تزايدا للعنف، وإضعافاً للمؤسسات العامة، وتفاقماً للأزمة الاقتصادية (..) وموجة جديدة من الهجرة».

وكان الرئيس عون قد حذّر الاثنين الماضي من أن البلاد تتجه نحو «جهنم»، في حال عدم توافق القوى السياسية على تشكيل حكومة.

ويبدو أن الأطراف المعطلة لولادة حكومة اديب غير راغبة بإعادة نفس التجربة، وقد بدأت ببث أخبار في إعلامها حول نيتها التوافق على اسم رئيس الحكومة السابق سعد الحريري لتشكيل الحكومة الجديدة. إلا أن زعيم «المستقبل» نفى هذا الخبر، قائلا، في بيان، انه غير مرشح لتولي تشكيل الحكومة الجديدة، ولن يسمي أي رئيس حكومة جديد، إلا أنه يبقى على موقفه الداعم لمبادرة الرئيس ماكرون والمسهّل لكل ما من شأنه إنجاحها بصفتها الفرصة الوحيدة والأخيرة لوقف انهيار لبنان.

الراعي

وقال بطريرك الموارنة بشارة بطرس الراعي، أمس، إن البلاد تواجه «أخطارا متعددة» سيكون من الصعب تجاوزها دون حكومة.

وقال الراعي (رأس الكنيسة المارونية، أكبر طائفة مسيحية في لبنان): «خيب الاعتذار آمال المواطنين، ولاسيما الشباب الذين كانوا يراهنون على بدء تغيير في الطبقة السياسية».