الصين... هل تتجه إلى محور الشرق الأوسط؟

منذ البداية، كانت استراتيجية التوجه إلى آسيا، التي أعلن عنها الرئيس أوباما ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في أواخر عام 2011، تتمحور فعلياً حول السياسة أكثر من الخطط الاستراتيجية.

لقد بدت هذه الخطوة ظاهرياً مرادفة لمنطق استراتيجي يهدف إلى تبرير الانسحاب الأميركي من الشرق الأوسط و"حروبه اللامتناهية"، فاستفاد المسؤولون من "استقلالية قطاع الطاقة" المستجدة للتركيز على منطقة آسيا والمحيط الهادئ، نظراً إلى زيادة أهميتها لتحقيق المصالح الأميركية الاقتصادية والأمنية. لكن كيف يُعقَل أن تغفل أي استراتيجية تهدف إلى حماية مصالح البلد الكبرى، عن اتكال الصين المتزايد على مصادر الطاقة في الشرق الأوسط، علماً أن جميع الفرص المستقبلية والتهديدات المحتملة تكمن في هذه المنطقة، مع التركيز بشكلٍ خاص على الصين؟ وكيف تُغفِل أيضاً زيادة اتكال اليابان وعدد كبير من أصدقاء وحلفاء الأميركيين في المنطقة على مصادر الطاقة الأساسية هناك؟

هذا ما فعلته استراتيجية إدارة أوباما على أرض الواقع، وهذا ما تفعله "استراتيجية المحيطين الهندي والهادئ"، على نحو مفاجئ في عهد ترامب، رغم التخلي عن أجزاء مهمة من مقاربة أوباما في طريقة التعاطي مع الصين وإيران والمملكة العربية السعودية.

خلل جوهري

ترافقت استراتيجية تغيير المحاور مع خلل جوهري اتّضح في عبارة "استقلالية قطاع الطاقة"، التي تُرددها الإدارة الأميركية الراهنة في مناسبات كثيرة، مع أن ترامب عمد إلى عَكْس مسار الانسحاب من الشرق الأوسط جزئياً. ربما أصبحت الولايات المتحدة "مكتفية ذاتياً" في قطاع الطاقة، لكن لم تحقق منطقة شرق آسيا هذا الهدف مطلقاً. لا يزال الشرق الأوسط مصدراً لا غنى عنه للطاقة حتى اليوم في اقتصاد الصين، أقوى منافِس للولايات المتحدة في شرق آسيا، واليابان، أهم حليف لها، فضلاً عن عدد آخر من الأصدقاء والحلفاء في المنطقة. لا يبدو الانسحاب من الشرق الأوسط جزءاً منطقياً من الاستراتيجية الرامية إلى حماية المصالح الأميركية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

يؤكد المسؤولون في إدارة أوباما، بما في ذلك كيرت كامبل، مساعد هيلاري كلينتون في ملف شرق آسيا و"مهندس تغيير المحاور" برأي الكثيرين، على أن داعمي التوجه نحو محور آسيا لا يؤيدون الانسحاب من أجزاء أخرى من العالم. لكنّ المغزى الحقيقي مختلف. من الواضح أن الخطابات عن "الحروب اللامتناهية" والتحركات المرافقة لها توحي بفك الارتباط أو حتى الانسحاب الكامل من الشرق الأوسط. لكنّ المبالغة في وضع استراتيجيات خاصة بشرق آسيا تُهمِل أهمية اتكال هذه المنطقة على موارد الطاقة الشرق أوسطية. يتم التعامل مع الشرق الأوسط إذاً وكأنه لا يرتبط فعلياً بالمنافسة أو الخصومة القائمة بين القوى العظمى.

في النهاية، بقيت نتائج تغيير المحاور في شرق آسيا متواضعة نسبياً. منعت التخفيضات في ميزانية الدفاع أي تحوّل بارز في موارد وزارة الدفاع الأميركية نحو القوات البحرية، كما تقترح استراتيجية "إعادة التوازن".

الشراكة العابرة

كانت عضوية الولايات المتحدة في "الشراكة العابرة للمحيط الهادئ" لِتُعتبر أهم نتيجة للاستراتيجية الجديدة، لكنها فشلت حين رفض السيناتور هاري ريد، زعيم الأغلبية الديمقراطية، طرحها على التصويت في مجلس الشيوخ. نتيجةً لذلك، تعهد المرشحان للرئاسة بالانسحاب من ذلك الاتفاق المهم استراتيجياً، وهذا ما فعله ترامب بعد تنصيبه مباشرةً.

في المرحلة اللاحقة، حققت سياسة تغيير المحاور نتيجة متواضعة واحدة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ تمثّلت بنشر عدد صغير نسبياً من القوات البحرية في "داروين"، أستراليا. أو ربما تحققت نتيجتان إذا احتسبنا إطلاق علاقة جديدة مع ميانمار لزيادة فرص التغيير الديمقراطي في ذلك البلد وإبعاده عن الصين. لكنّ دعم زعيمة المعارضة السابقة أونغ سان سو كي لحملة التطهير العرقي بحق جماعات الروهينغا أغلق تلك الفسحة الواعدة. كذلك، بدأت الصين تتفاوض حول مشروع سكك حديد قد يسمح لها بالوصول إلى ميناء بحري عميق في ميانمار تزامناً مع الالتفاف حول المضائق الضيقة شرقاً.

كان الابتعاد عن الشرق الأوسط مؤثراً جداً للأسف، ويتّضح ذلك اليوم عبر هيمنة روسيا وإيران على سورية، وتنامي الدور الروسي في مصر، وانقسام ليبيا بين القوات المدعومة من روسيا أو تركيا. من المفاجئ أن يعلن مارتن إنديك، صانع سياسة مرموق في عهد كلينتون ومسؤول بارز في نقاشات سياسة الشرق الأوسط حتى الآن، أن "الشرق الأوسط ما عاد يستحق العناء لأن التدفق الحر لموارده النفطية لم يعد جزءاً من المصالح الأميركية الحيوية... تحتاج الصين والهند، لا البحرية الأميركية، إلى حماية الممرات البحرية بين الخليج وموانئهما". لا شك في أن هذه الكلمات تثير رعب صانعي القرار في طوكيو وتايبيه، وحتى نيودلهي.

تحرص كل إدارة أميركية جديدة على رسم سياستها الخارجية بما يتعارض مع سياسات الإدارات السابقة، ولو بدرجة معينة. في الشرق الأوسط، اتخذت إدارة ترامب بعض الخطوات الأولية للتخلي عن سياسة الابتعاد عن الشرق الأوسط، التي بدأت في عهد الإدارة السابقة، ولا سيما تحذير أوباما الساذج حول ضرورة أن يتعلم السعوديون كيفية تقاسم الخليج العربي مع إيران. توجّه ترامب في أول رحلة خارجية له إلى المملكة العربية السعودية، وهي خطوة لم يتخذها أي رئيس سابق. فتكلم بقوة هناك مع قادة 50 بلداً إسلامياً وأخبرهم بضرورة أن يعالجوا مشكلة التطرف بأنفسهم تزامناً مع تلقيهم الدعم الأميركي اللازم لتحقيق هذا الهدف، كما شدّد على استمرار الدعم الأميركي لردع إيران ومواجهتها.

كبح البرنامج النووي

نتيجةً لذلك، وسّعت استراتيجية الأمن القومي الجديدة نطاق المصالح الاستراتيجية انطلاقاً من مصطلحات "شرق آسيا والمحيط الهادئ" و"منطقة المحيطَين الهندي والهادئ"، في إشارةٍ إلى الرابط بين المنطقتين. ثم انسحبت الولايات المتحدة من "خطة العمل الشاملة المشتركة" وأصرّت على أهمية عقد اتفاق لكبح برنامج إيران النووي، فضلاً عن التصدي للسلوكيات الإيرانية الخبيثة في المنطقة.

خلال الشهر الثاني من العهد الرئاسي الجديد، اتخذ ترامب خطوة حاسمة وشنّ ضربة عسكرية حين تجاوزت سورية مجدداً الخط الأحمر المبهم، الذي رسمه لها أوباما سابقاً عبر استخدام أسلحة كيماوية ضد المعارضة السورية.

بدأ ذلك التحرك القوي في سورية يُجدد المصداقية الأميركية في الشرق الأوسط، لكن لم تتبعه استراتيجية جدّية في المرحلة اللاحقة. تلاشى كلام الرئيس الأولي عن إنشاء "مناطق آمنة" وعن الحلفاء الأكراد، مع أنهم ساعدوا الأميركيين على طرد تنظيم "داعش" من الرقة. كذلك، تستعد الجهات المتنافسة في أفغانستان، لا سيما الصين وباكستان، للانسحاب الأميركي المرتقب من هناك.

يذكر ترامب في خطاباته دوماً عبارة "الحروب اللامتناهية"، وقد ذكرها حديثاً خلال خطابه أمام المتخرجين في الأكاديمية العسكرية الأميركية "ويست بوينت"، وكأن الحروب وعواقبها في الولايات المتحدة ستنتهي بكل بساطة عند الانسحاب منها. ربما لم يدرك ترامب أنه يُردد فكرة رئيس الوزراء البريطاني السابق نيفيل تشامبرلين حين قرر التخلي عن تشيكوسلوفاكيا بكلماتٍ مشابهة لما قاله في "ويست بوينت": "ليس من واجب القوات الأميركية أن تحلّ الصراعات القديمة في أراضٍ بعيدة لم يسمع بها معظم الناس. بل نتعهد بتجديد تركيزنا على الدفاع عن المصالح الأميركية الحيوية".

من المفاجئ ألا تراعي النقاشات المرتبطة بالمنافسة القائمة بين الولايات المتحدة والصين اتكال شرق آسيا على مصادر الطاقة الشرق أوسطية. حتى كيرت كامبل، أحد صانعي السياسة في آسيا خلال عهد أوباما، ذكر في كتابه أن القرار الأميركي بحظر النفط أجبر اليابان في عام 1941 على الاختيار بين التخلي عن طموحاتها الإمبريالية في الصين ومنطقة الهند الصينية الفرنسية سابقاً وخوض الحرب للاستيلاء على الموارد النفطية في جزر الهند الشرقية الهولندية. (تدين الصين باستقلالها الراهن طبعاً للخطأ الكارثي الذي ارتكبته اليابان حين فرض عليها الرئيس روزفلت هذا الخيار المصيري).

تكرار الغطرسة الانتحارية

عند مراجعة ذلك التاريخ، من المنطقي أن يعتبر المخططون الاستراتيجيون في جمهورية الصين الشعبية الدور الأميركي الطاغي راهناً في الخليج العربي عائقاً محتملاً أمام طموحاتهم الواسعة في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ وفي العالم أجمع. لكن بدل تكرار الغطرسة الانتحارية التي اعتمدتها القيادة اليابانية العليا، يبدو أنهم أكثر ميلاً إلى استذكار مقولة سون تزو، الخبير الاستراتيجي الصيني الأسطوري من القرن السادس، حين قال: "ذروة المهارة هي الفوز بلا قتال"! لا شك في أنهم سيندهشون من حظهم الوافر لأن الأميركيين سئموا من تشابكات الشرق الأوسط وبدؤوا يتخلون عن مكانتهم المُهيمِنة على إمدادات الطاقة الأساسية في شرق آسيا ويُركزون على تحدي بكين في جزر صغيرة في بحر الصين الشرقي والجنوبي.

كان عدم اطلاع الخبراء الاستراتيجيين الأميركيين على النقاش الحاصل بين المسؤولين الصينيين حول سياسة تغيير المحاور الأميركية مفاجئاً بقدر إهمالهم الواضح لاتكال آسيا على الآخرين للحصول على مصادر الطاقة. بعد سنة على صدور مقالة وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون في صحيفة "فورين بوليسي"، اقترح وانغ جيسي، عميد كلية الدراسات الدولية في جامعة بكين، أن تتخذ الصين اتجاهاً معاكساً في مقالة نشرتها صحيفة "غلوبال تايمز" بعنوان "الزحف غرباً: إعادة التوازن إلى المقاربة الجيوستراتيجية الصينية". كان لافتاً ألا تجذب مقالة وانغ في تشرين الأول 2012 والجدل الذي أحدثته في الصين انتباه علماء اللغة الإنكليزية أو المعلّقين بما يكفي. حتى أنها غير واردة في كتاب كامبل الذي صدر بعد أربع سنوات ويتألف من 400 صفحة بعنوان The Pivot (تغيير المحاور).

لكن لاحظت يون سون من معهد "بروكينغز" تلك المقالة واعتبرت وانغ "من أهم المفكرين الاستراتيجيين في الصين". لخّصت يون منطق "الزحف غرباً" باعتباره طريقة لتجنب المنافسة المحتملة في شرق آسيا على أساس "لا غالب ولا مغلوب"، في حين تُجدد الولايات المتحدة توازنها عبر التوجه شرقاً. لا يتوقع وانغ أي مخاطر مماثلة في المنطقة نتيجة توجّه الصين غرباً، حيث "تتقاسم القوتان العظيمتان مصالح مشتركة"، بما في ذلك إرساء الاستقرار في أفغانستان والعراق وضمان التدفق الدائم للنفط. من خلال الزحف غرباً، ستحصل بكين أيضاً على ورقة ضغط استراتيجية إضافية ضد واشنطن التي تتوق برأي وانغ إلى تلقي مساعدة الصين لتجديد الاستقرار في أفغانستان وباكستان. ربما لم تجذب مقالة وانغ انتباهاً كبيراً في النقاشات المرتبطة بتجديد التوازن الأميركي بسبب هذا الهدف الحميد ظاهرياً، أي تجنب الصراعات العقيمة. تكتب يون: "قد تتفادى الصين مواجهة أخرى مع الولايات المتحدة في شرق آسيا عبر العودة إلى جذورها كقوة قارية". لكنها تعود وتشكك بهذا التوقع الواعد، حين تقتبس مقولة عسكرية شهيرة للزعيم ماو تسي تونغ: "نحن ننسحب حيثما يتقدم العدو، ونمضي قدماً حيثما ينسحب".

الجدل الاستراتيجي

من بين أفضل النقاشات حول الجدل الاستراتيجي الصيني، يبرز تقرير غير منشور من عام 2013 بقلم العلماء إيريك براون وتشارلز هورنر ولياتشاو هان من "معهد هادسون". هم لا يكتفون بالتشديد على أهمية مقالة وانغ جيسي، والنقاط التي غفل عنها معظم المراقبين حول الرد الصيني على سياسة تغيير المحاور، بل يدرجونها أيضاً ضمن جدلٍ يعود إلى بداية هذا القرن بين المدافعين عن القوة البحرية ومؤيدي الهيمنة على النطاق البحري الصيني من جهة، والمدافعين عن القوة البرية والمقتنعين بأهمية المناطق الصينية الغربية والجمهوريات المستقلة حديثاً في آسيا الوسطى من جهة أخرى.

يختم وانغ مقالته قائلاً إن "الصين لا تحتاج إلى التحول أولاً إلى قوة راسخة في آسيا والمحيط الهادئ قبل أن تصبح قوة عالمية، بل إنها تحتاج إلى تبنّي تفكير جديد حول إعادة التوازن الجيوستراتيجي، من دون افتعال صدام بين القوات الصينية البرية والبحرية".

الداما والشطرنج

خلال الحرب الباردة، قيل باستخفاف أحياناً إن "الأميركيين يلعبون الداما، بينما يلعب السوفيات الشطرنج". لو اعتبر الصينيون الخطط الاستراتيجية نوعاً من الألعاب اللوحية، سيكونون أقرب إلى اللعبة الصينية التقليدية "وي تشي" المعروفة باسمها الياباني "غو". في هذه اللعبة، لا يتعلق الهدف الأساسي بالقضاء على العدو مباشرةً، كما يحصل في لعبة الداما، ولا الاستيلاء على القطعة الأساسية كما في الشطرنج، بل يضع اللاعبون الحجارة على اللوح على أمل أن يحاصروا قطع اللاعب الآخر. تعني عبارة "وي تشي" حرفياً "لعبة القطع المحيطة". لتحقيق الفوز، تقضي خطوة أساسية في هذه اللعبة بخداع الخصم حول وجهة الطرف الآخر ونواياه الفعلية ودفعه إلى فتح مواقع جديدة تزامناً مع تطويقه بشكلٍ مخادع، على أمل ألا يلاحظ الاستراتيجية الحقيقية. قد يفترض المتشائمون أن التوسع الصيني العدائي في بحر الصين الجنوبي حدث متوقّع في هذه اللعبة، ما يعني جذب أنظار الولايات المتحدة إلى منطقة لا يزال إنتاج الطاقة فيها ضئيلاً مع أن قدراتها المستقبلية تبدو هائلة، أو إلى موقعٍ تتفوق فيه الصين بسبب قربها الجغرافي منه، لكنه يبقى في المقابل بعيداً جداً عن أي منشآت أميركية داعمة. في غضون ذلك، تعمل الصين على تنفيذ استراتيجية "خيط اللؤلؤ" مقابل المحيط الهندي عبر تشييد منشآت مرفئية في باكستان وسريلانكا وجيبوتي وحتى بابوا غينيا الجديدة، وعبر إطلاق مفاوضات حديثة للوصول بطريقةٍ ما إلى الميناء في ميانمار.

خطة مارشال

يبدو أن عدداً من الغربيين الساذجين أو الحالمين يريد اعتبار ذلك النشاط مجرّد مشروع تجاري أو نسخة صينية من "خطة مارشال" لضمان حُسن نوايا البلدان النامية في المنطقة. لكن تتجاهل هذه الفرضية إقدام الصين أيضاً على إنشاء بنية تحتية تحتاج إليها القوات البحرية التابعة لجيش التحرير الشعبي لدعم "أسطول المياه الزرقاء" لأن هذا الجناح من الجيش الصيني بدأ يُطوّر مهاراته في العمليات التي سيحتاج إليها الرئيس شي جين بينغ لتوسيع قدراته العسكرية غرباً، باتجاه المناطق التي كان الأباطرة القدامى يحلمون بها.

قد تستيقظ يوماً البلدان التي يعتبرها شي جين بينغ مسؤولة عن "إذلال الصين طوال 150 سنة" لتكتشف أن الخليج العربي، الذي كان آمناً تحت مظلة الحماية الأميركية، أصبح موقعاً مختلفاً بالكامل.