ما تضمنه حكم محكمة الحريري

  • 26-08-2020

"إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ". (المائدة- 33).

تسمى هذه الآية آية الحرابة، ومن معاني الحرابة أن تتسلط جماعة على الآخرين بقوة السلاح، وتفرض إرادتها ومن يخالفها تسعَ إلى تصفيته، هذا ما تقوم به ميليشيا حزب الله في لبنان، فهي ميليشيا طائفية مسلحة تخضع لأوامر الولي الفقيه الإيراني، كما يردد نصرالله أمين هذه الميليشيا، فما علاقة هذه الميليشيا باغتيال الرئيس رفيق الحريري؟

أصدرت غرفة الدرجة الأولى الخاصة بلبنان بقضية اغتيال الحريري ورفاقه يوم الثلاثاء الموافق 18/ 8/ 2020 والتي عقدت في لاهاي بهولندا بعد جلسة علنية استغرقت أكثر من أربع ساعات حكما أعلن فيه رئيس المحكمة أن سليم جميل عياش مذنبٌ بما لا يرقى إليه الشك بوصفه مشاركا في تنفيذ القتل المتعمد باستخدام مادة متفجرة قتل فيها رفيق الحريري عمداً، وقتل أيضا 21 شخصا من رفاقه ومحاولة قتل 226 شخصا هم الجرحى الذين أصيبوا بالتفجير الإرهابي الذي أودى بحياة الرئيس رفيق الحريري، وكان المدعي العام للمحكمة أصدر في 2014 قرارا اتهم فيه خمسة من قياديي حزب الله بعملية الاغتيال وهم سليم عياش وحسن حبيب مرعي وحسين حسن عنيسي وأسد حسن صبرا وزعيمهم مصطفى بدرالدين.

ورفض نصرالله تسليمهم للمحاكمة، وكان يسميهم القديسين وأشرف الناس، وبما أن مصطفى بدرالدين قتل في سورية فإنه أسقط من صحيفة الاتهام، وكانت المحكمة ترى أنه كان المسؤول الأول عن الشبكة التي خططت لاغتيال الحريري، وقد نعاه حزب الله وأقام له مراسم دفن قيادية.

من المؤكد أن الجريمة التي أودت بالرئيس الحريري ورفاقه جريمة محكمة، لا يستطيع أن يقوم بها سليم عياش لوحده ولا أربعة آخرون معه ممن أشارت إليهم صحيفة الاتهام، فجريمة بمثل ذلك الحجم لا يمكن أن يقوم بها أفراد، فهي عملية أمنية معقدة تتطلب أن يقف وراءها دول لا أفراد، ولا شك أن النظام السوري الذي كان يحكم لبنان بالحديد والنار، لا يمكن أن يسمح لجريمة بهذا الحجم أن تقع دون أن يكون ضالعا فيها، لذلك أشارت المحكمة أن عملية الاغتيال عمل سياسي أداره ونفذه من كان الحريري يشكل تهديدا لنشاطه.

ومن المعروف أن الحريري بدأ ينضم للحراك المعارض للوجود السوري في لبنان، وشكل جبهة مع المسيحيين المعارضين للوجود السوري ووليد جنبلاط والتي كانت تعقد في بريستول، ونجم عن ذلك الحراك صدور القرار الدولي 1559 الذي يطالب بخروج الجيش السوري ونزع سلاح كل الميليشيات. وكان الحراك بقيادة أميركا وفرنسا، وكان الرئيس الحريري يرتبط بعلاقة وثيقة مع الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران وغيره من رؤساء الدول.

وعلى هذا الأساس أصبح الرئيس الحريري بنشاطه التجاري الذي أعاد إلى بيروت جمالها وازدهارها، وعلاقاته الدولية المتميزة مع معظم الدول الكبرى، أصبح شخصية بهذا الوزن وتلك المواصفات عندما يتحرك ضد الوجود السوري في بلده، وضد وجود ميليشيا مسلحة، سيكون تحركه يهدد الوجود السوري في لبنان وسلاح حزب الله، لذلك قررا التخلص منه، وبما أن قرار تشكيل المحكمة الخاصة بلبنان لا يسمح لها أن تحكم على دول أو أحزاب، هكذا اشترطت روسيا لكي تسمح بقيام المحكمة، لذلك ما كان أمامها إلا إدانة بعض الأفراد.

وكشف المدعي العام في صحيفة الاتهام تفاصيل كثيرة عن حركة المتهمين ونوعية أنشطتهم معتمدا بادعائه على داتا الاتصالات، كما كشف عن تحرك رستم غزالة رئيس الاستخبارات السورية الأول في لبنان إلى حارة حريك ليلتقي بقيادة حزب الله، ويثبت المدعي العام بالدليل أن المتهمين كانوا يتحركون بناء على تعليمات قادة حزب الله وتنسيق مع رستم غزالة الذي يتلقى الأوامر من دمشق.

وبكل تأكيد بمباركة الولي الفقيه، فإذا كان المدان بهذه الجريمة أحد قيادي حزب الله اللبنان فهذا يعني من وجهة نظر المحكمة أنه الوحيد الذي كان موجودا وقت حدوث الجريمة، أما من خطط وأدار العملية فهم كثر، كما أشار المدعي العام في صحيفة اتهامه، فهل هؤلاء أبرياء من وجهة نظر الشعب اللبناني؟ وقد جاء في موعظة البطريرك الماروني بشارة الراعي يوم الأحد 23/ 8 الجاري ما يدعو السطات اللبنانية إلى دهم كل مخابئ السلاح والمتفجرات ومخازنه المنتشرة من غير وجه شرعي بين الأحياء السكنية في لبنان، ونأمل أن تكون هذه دعوة لنزع سلاح حزب الله غير الشرعي.