هل تسير الصين على خطى الاتحاد السوفياتي؟

  • 08-07-2020

غداة حملة القمع في ساحة "تيانانمن" وعشية انهيار الاتحاد السوفياتي قبل 30 سنة، شدد القادة الصينيون على الاختلافات الجوهرية بين خيارات موسكو وبكين، ففي عهد ميخائيل غورباتشوف، فضّل الاتحاد السوفياتي الانفتاح السياسي على الإصلاح الاقتصادي، أما الصين في عهد دينغ شياو بينغ، فاتخذت مساراً معاكساً بالكامل، وكان الاتحاد السوفياتي يوشك على الانهيار بعدما وقع ضحية تناقضاته وعجزه عن مواكبة الولايات المتحدة في سباق التسلح، وركّز النظام الصيني من جهته على تحقيق النمو الاقتصادي وحافظ على علاقات هادئة مع العالم، وبناءً على دروس بيسمارك أو حتى توصيات هنري كسنجر، اعتبرت الصين الثقة بالنفس والانضباط ميزتَين متلازمتَين.

حققت الصين نمواً اقتصادياً متواصلاً وركزت على التمسك بثقة المجتمع وتحسين ظروفه، لكن يبدو أن بكين نسيت تلك المبادئ الحكيمة اليوم، مع أن هذه الأفكار بالذات هي التي منعتها لفترة طويلة من مواجهة مصير الاتحاد السوفياتي، وتبدو نقاط التشابه بين الصين اليوم والاتحاد السوفياتي في الماضي مدهشة ومزعجة في آن.

في الهيمالايا، على الحدود مع الهند، تعمد القوات الصينية إلى "تصحيح الحدود" عبر تطبيق استراتيجية عسكرية استعملها الاتحاد السوفياتي في أواخر الأربعينيات في بعض بلدان أوروبا الشرقية والوسطى.

أما أسلوب "الذئاب المحارِبة" (مجموعة من الدبلوماسيين الصينيين الشباب تهدف بشكلٍ أساسي إلى اتخاذ مواقف معاكسة لمبادئ دينغ شياو بينغ)، فيذكّرنا بأبرز مراحل الحرب الباردة، وفي تلك الحقبة، أعلن الدبلوماسيون السوفيات: "ما لنا هو لنا وما لكم قابل للتفاوض"، ومن الواضح أن الصينيين تأثروا بهذه المقولة. هذه الاستراتيجية الصينية لا تطرح خطراً على توازن بقية دول العالم فحسب، بل على الصين نفسها أيضاً، فقد كان السلام مستحيلاً بسبب الأفكار الإيديولوجية المختلفة بشكلٍ جذري بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، لكنّ توازن الرعب جعل الحرب مستبعدة.

هل تنطبق هذه المعادلة على المواجهة الراهنة بين الولايات المتحدة والصين؟ وهل يبقى السلام بين اقتصادَين رأسماليَين ممكناً؟ أم أنّ الحرب بين قوتَين تشككان بقدراتهما باتت أقرب إلى الواقع؟

ثمة اختلافات بارزة طبعاً بين الحرب الباردة بنسختها القديمة والجديدة، وبعبارة أخرى، لم تعد الولايات المتحدة على حالها ولا تشبه الصين الاتحاد السوفياتي بمعنى الكلمة، حيث يعيش البلدان في عالمٍ أكثر تداخلاً من أي وقت مضى لكن تبدو فيه التهديدات النووية مبهمة جداً.

بعيداً عن المخاوف المرتبطة بالنظام الدولي، هل تقوم الصين بأفضل خيار عبر التضحية بقوتها الدبلوماسية عمداً لمصلحة طموحاتها القومية الرامية إلى زيادة نفوذها؟ الوقت ليس مناسباً لهذا النوع من العزلة العدائية، إذ توشك الولايات المتحدة على استرجاع جزء من قوتها الدبلوماسية وثقة حلفائها في حال انتخاب رئيس "كلاسيكي" آخر.

شجّع دونالد ترامب، بتهوره وتصرفاته غير المتوقعة، الصين على تسريع مسار رحلتها القومية، وفي حال خسر في الانتخابات الرئاسية في نوفمبر المقبل، قد تصبح الصين المدافعة الأولى عن الرجعية والكذب في عالمٍ تطرح فيه بكين أكبر المخاطر.

ما كانت منافع التقرب من الأمم المتحدة وتبني مبدأ التعددية قبل الانقلاب عليه بأسلوب استفزازي؟ كان نجاح الصين الباهر في العقود الأخيرة نتاج عوامل متعددة، أبرزها انفتاح البلد على العالم، ربما هددت الصين أستراليا بفرض عقوبات اقتصادية هائلة عليها، لكن استفاد الطلاب الصينيون كثيراً من فترة دراستهم في الجامعات الأسترالية، ومثلما يعجز الغرب عن التخلي عن الصين، لا تستطيع الصين أن تتخلى عن العالم.

في الماضي، اعتبر المؤرخ ثيوسيديدس الغطرسة جزءاً من العوامل التي أدت إلى انهيار المدن اليونانية، وقد تستفيد بكين حتماً من هذا التحذير اليوم، فالصين ليست الاتحاد السوفياتي، لكن من الواضح أنها تزداد شَبَهاً به مع مرور كل يوم جديد.

* دومينيك مويزي

* «وورلد كرانش»