وردة زرقين: النسيان يهدد ذاكرة الإبداع الشعبي

• كيف كانت بدايتك مع التراث الشفهي؟ وما الذي جلبك إلى هذا العالم المزدحم بالتفاصيل المهمة ذات الصلة بالهوية؟

- فكرة اهتمامي بالتراث الشعبي الشفوي بدأت كهواية، لتتحوَّل إلى ممارسة منتظمة يقودها دوماً الفضول والبحث المستمر في كل ما هو تراث جزائري ممتد من الحدود إلى الحدود، فقد ارتبطت منذ نعومة أظفاري بكل ما هو تراثي، وولعي به جرَّني إلى البحث في ذاكرة الأجداد، وقررت أن أغوص في أعماق الذاكرة والإبداع الشعبي الذي يهدده النسيان، كون الذاكرة الشعبية موكلة الغفلة والنسيان، وقمت بالبحث عنه في مناطق مختلفة من ربوع الجزائر، بحيث سعيت إلى عملية بحث واسعة، لجمع وإنقاذ كل ما هو خارج التوثيق من أناس حفظوا هذه الجواهر الثمينة التي توارثتها الأجيال عن الأجداد، فكنت أجالس الكبار، خصوصاً العجائز، للاستماع للأمثال والقصص وحتى للغة الأصيلة التي كانوا يتحدثون بها، فساعدني ذلك على الانتباه لهذا الرصيد من الكنوز الذي هو في طريقه إلى الزوال إذا لم تتم العناية به، واستطعت في ذلك أن أحتك بالجدات المسنات، خصوصاً اللواتي منهن في البوادي والأرياف، فعندهن كنوز لا تقدَّر بثمن. والحقيقة كل ما هو تراثي يعجبني، ويشد انتباهي، وأفضله على ما سواه حتى في الأطباق والحلويات، وكذا الألبسة التقليدية.

أمثال شعبية

•ما أهم ما يتناوله كتابك «تيزيمث» عن التراث الشفهي القبائلي؟

- «تيزيمث» هو الكتاب الرابع من سلسلة إصداراتي الخاصة بالتراث الشفهي، بعد «العنقود» و«جواهر» و«إضاءات». يتضمَّن الكتاب مجموعة من أمثال شعبية وترانيم وحكايات وأساطير وألغاز شعبية باللهجة القبائلية، سجلتها من ولايات تيزي وزو وبجاية والبويرة وبومرداس، حيث قابلت الجدات، وطلبت منهن الشرح بالعربية. أعتقد أنني أول باحثة في الجزائر تجمع التراث الشعبي بشقيه العربي والأمازيغي، رغم أنني لا أتكلم الأمازيغية.

مراحل طويلة

• الأمثال والأقوال الشعبية المأثورة يتآكل وجودها بمرور الزمن، برأيك ما أسباب ذلك؟

- هذا التراث الثقافي الشفهي يضيع منا، لأن المجتمع في مراحل طويلة لم يكن يستطع أن يكتب هذا التراث، بسبب ما كان يمرُّ به من نقص التعليم، وكذا عدم وجود وسائل التوثيق، ثم في الوقت الحالي طغت وسائل التكنولوجيا الحديثة، وأصبح الكل مهتماً بها كمواقع التواصل الاجتماعي، فعصر التكنولوجيا بات يُشكِّل حاجزاً بين أفراد المجتمع، ورغم أن بعض القنوات الإذاعية والتلفزيونية آخذة بعين الاعتبار بهذا الموروث الثقافي، فإنه لا يزال في طريق النسيان والإهمال، لذا لجأت إلى تدوينه في كتب، لأنني أعتبر الكتاب أحسن طريقة للحفاظ عليه.

التعب والتنقل

• ما الآلية أو المنهج الذي اعتمدتِ عليه لجمع هذه الأمثال والتراث الشفهي عموماً؟ وإلى مدى كانت المهمة صعبة؟

- لقد استعملت إمكانياتي الشخصية في رحلة البحث (لا أبالي في ذلك)، ما عدا تذمري من ضيق الوقت، نتيجة ارتباطي بعملي كإعلامية حالياً وسابقا كإطار بمؤسسة «الجزائرية للمياه» في وحدة «قالمة». وللعلم، فإن جمع هذه الأعمال فيه نوع من التعب والتنقل من مدينة إلى أخرى، وما بين الأرياف والبادية، للبحث عن تراثنا، ومعرفة حضارة أجدادنا، وطريقة العيش في أزمنة مختلفة وغابرة، لكن مشاركتي في الأسابيع الثقافية في بعض الولايات مكنتني من توسيع بحثي أكثر، وقيامي أيضاً بتنشيط حصة إذاعية بعنوان «ألغاز وأمثال شعبية» في إذاعة قالمة المحلية لمدة 8 أشهر شجعني على مواصلة العمل والبحث.

الأمثال الشعبية

• دائماً ما نستخدم الأمثال الشعبية القديمة في التعبير عن حالنا اليوم، كيف انطبق ذلك على ما جمعته من أمثال تبدو اليوم مهجورة؟

- تقريباً وجدت جُلَّ الأمثال تعبِّر عن واقعنا وحياتنا اليوم، ومن خلال الإبحار في هذا العالم من الموروث الثقافي، لاحظت أن المجتمع يتخذ تلك الأمثال الشعبية وفق المواقف والتجارب اليومية، وهي تنطبق على واقعنا الحالي تقريباً، فوجود الأمثال الشعبية وسط الحديث أساسي وجوهري، وهي لغة تعبيرية صادقة ومريحة للقلب، وتساعد على فهم الحياة ومتاعبها، فالأمثال الشعبية في الحقيقة هي تربية وقدوة تُوَّرث للأجيال، لما فيها من حِكم وعِبر تمس الصميم وتنير تجارب الإنسان في حياته الشخصية والعملية. لقد وجدت ميلاً كبيراً من مختلف فئات المجتمع إلى هذا الموروث الثقافي الشعبي، وأصبحت الأمثال الشعبية مرغوبة للحفظ والتداول بين الأشخاص، ويتجلى ذلك في الإقبال الواسع للقراء على اقتناء الكتب التي دوّنتها.

سنوات طويلة

• تستعدين لإطلاق ديوان شعري قريباً، حدثينا عن هذه التجربة، وهل ستستلهمين فيها جانباً من عالم الموروثات؟

- نعم، الديوان الشعري تحت الطبع، وهو أول ديوان لي بعنوان «قرار»، جمعت فيه كل قصائدي منذ أن بدأت كتابتها لسنوات طويلة، لكن لم أستلهم فيه جانباً من الموروثات، فيما سأستلهمها في الرواية التي أنا بصدد كتابتها.