هل تكون هونغ كونغ تيانانمن الثانية؟

  • 22-06-2020

هونغ كونغ تقف على حافة سكين، فهذه المدينة التي كانت ذات يوم أكثر مدن آسيا حرية وانفتاحا تواجه الآن شبح قانون أمني جديد تفرضه الصين ومن شأنه أن يحد من حريات شعبها وأن يخلق مناخا من الخوف، حيث ينتهك هذا القانون بشكل صارخ الإعلان الصيني البريطاني المشترك المسجل في الأمم المتحدة، ويفتح الطريق أمام انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان، ولا يجوز للأمم المتحدة أن تسمح باستمرار هذه الحال.

أعادت المملكة المتحدة هونغ كونغ إلى الصين قبل ثلاثة وعشرين عاما على وعد بأن يتمتع الإقليم "بدرجة عالية من الاستقلال" بموجب مبدأ "دولة واحدة، ونظامان" لمدة خمسين عاما على الأقل، وخلال السنوات العشر الأولى أو نحو ذلك، أوفت الصين بهذا الوعد إلى حد كبير، لكن التزامها بالاستمرار في ذلك سرعان ما تضاءل.

بحلول عام 2014، كان سكان هونغ كونغ يحتجون على فشل الحكومة في الوفاء بالضمانة المدرجة في القانون الأساسي، والتي بموجبها يُـنـتَـخَـب الرئيس التنفيذي للمدينة من خلال "الاقتراع العام"، وفي السنوات التالية جرى اختطاف بائعي الكتب الذين عرضوا عناوين تنتقد حكام الصين إلى البر الرئيس للصين، وكان المشرعون والمرشحون المؤيدون للديمقراطية يتعرضون للمضايقات والحرمان من التأهل للانتخابات، وكان الصحافيون الأجانب وكبار دعاة حقوق الإنسان يُـطـرَدون من هونغ كونغ أو يمنعون من دخولها، وقد احـتُـجِـز سيمون تشنغ، مواطن هونغ كونغ الذي كان يعمل لصالح حكومة المملكة المتحدة لخمسة عشر يوما بعد رحلة قام بها إلى البر الرئيس للصين، حيث جرى تعذيبه إلى أن "اعترف" بالتحريض على البـغـاء.

وقد دفع مواطنو هونغ كونغ ثمنا باهظا عندما قاوموا، وفي عام 2014، اكتسبت "حركة المظلة" اسمها من الدروع التي استخدمها المحتجون ضد الغاز المسيل للدموع، وعندما اندلعت احتجاجات أكبر في العام الماضي، قوبلت بقدر أكبر من العنف المفرط من جانب قوات الأمن.

ورغم أن المظاهرات كانت سلمية إلى حد كبير، وخصوصا في مستهل الأمر، فقد استخدمت قوات الشرطة جميع أنواع الأسلحة- بما في ذلك الهراوات، وفي حالات قليلة الذخيرة الحية- مع الإفلات من العقاب، وفي شهر يناير من هذا العام، أصدر اثنان من مقرري الأمم المتحدة إشعارا تضمن مزاعم حول "الاستخدام غير اللائق لعوامل كيميائية" بما في ذلك "مواد خطرة مثل الغاز المسيل للدموع، ورذاذ الفلفل، وكرات الفلفل، ومكونات كيميائية مهيجة تنثر من مدافع مائية".

علاوة على ذلك، في شهر فبراير كتب أربعة من خبراء حقوق الإنسان في الأمم المتحدة إلى الحكومة الصينية مفصلين الأدلة التي تثبت مضايقة، وترهيب، واحتجاز العاملين في مجال الرعاية الصحية أثناء الاحتجاجات، وبحسب التقرير، ألقي القبض على "أعداد كبيرة" من هؤلاء العاملين و"قيدوا بأسلاك كهرباء غليظة"، وحتى بعد تقديم إثبات الهوية، ألقي القبض عليهم بتهمة "المشاركة في أعمال شغب"، واحتُـجِـزوا لمدة 24 ساعة مع حرمانهم من الوصول إلى محام، قبل إطلاق سراحهم بكفالة، على قيد الاتهام، كما سلط التقرير الضوء على "سوء استخدام وسائل النقل التابعة لخدمات الرعاية الصحية ومرافقها ومعلومات سرية تخصها".

ولم تتراجع سلطات هونغ كونغ والحكام الصينيون الذين يدعمونها، ففي شهر أبريل ألقت القبض على 15 من أكثر زعماء المدينة المؤيدين للديمقراطية احتراما، ومنهم "أبو" الحركة، المحامي البالغ من العمر 82 عاما مارتن لي، وفي أواخر مايو، أقر المجلس التشريعي الصيني، مؤتمر الشعب الوطني- بأغلبية 2878 صوتا مقابل صوت واحد- قانون الأمن الجيد لهونغ كونغ.

رغم أن تفاصيل القانون الجديد لم تعلن، فمن المعروف أنه يحتوي على فقرات تمنع "التخريب" أو "الانفصال" أو "التواطؤ مع قوى سياسية أجنبية"، وهي جرائم محددة بغموض وتقدم لحكام الصين الغطاء القانوني لقمع أي شكل من أشكال المعارضة. على سبيل المثال، يمكن اعتبار مواطني هونغ كونغ الذين ينقلون الأخبار إلى برلمانيين أجانب أو مجموعات حقوق الإنسان أو صحافيين، مجرمين في نظر القانون، كما يسمح القانون لحكومة الصين بإنشاء "أجهزة أمنية" في هونغ كونغ.

تحذر كل من نقابة المحامين ولجنة المحامين لحقوق الإنسان في إنكلترا وويلز من أن قانون الأمن هذا من شأنه أن يقوض بشدة الحقوق الأساسية، بما في ذلك حرية التعبير، والتجمع، وتكوين الجمعيات، وحرية الدين أو المعتقد، وكما لاحظ أكثر من 900 من القادة الدوليين- من رؤساء وزراء سابقين إلى خبراء قانونيين بارزين وخبراء في مجال حقوق الإنسان- في إعلان مشترك، فإن القانون يرقى إلى "اعتداء شامل" على استقلال هونغ كونغ، وسيادة القانون، والحريات الأساسية" و"انتهاك صارخ" للإعلان الصيني البريطاني المشترك.

أعلن آخر حاكم بريطاني لهونغ كونغ وأحد المنظمين القياديين للإعلان المشترك، كريس باتن، أن "المدافعين عن الديمقراطية الليبرالية لا يجوز لهم أن يقفوا موقف المتفرج"، ولكن ماذا ينبغي لهم أن يفعلوا؟ يتمثل أحد الاحتمالات في أن تقوم الأمم المتحدة بإنشاء منصب المبعوث الخاص أو المقرر الخاص لحقوق الإنسان في هونغ كونغ (أو كليهما). من غير المحتمل أن يتمكن أي منهما من تغيير الوضع هناك بين عشية وضحاها، لكن كلا منهما يمكنه توفير شيء من الدعم أو الحماية لشعب هونغ كونغ.

بصفتي المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة، أعلم أن كلا النموذجين له مزاياه وعيوبه، فالمقرر الخاص، المعين من خلال قرار صادر عن مجلس حقوق الإنسان، يركز على فضح انتهاكات حقوق الإنسان، ومن الممكن أن يساعد في تحقيق نوع من المساءلة من خلال الشفافية. أما المبعوث الخاص فهو عادة أقل تأثيرا في ما يتصل بحقوق الإنسان، لكنه ربما يكون قادرا على الدفع بحل سياسي أو دبلوماسي، ورغم أن الصين ستقاوم- وهي تملك قدرا كبيرا من النفوذ- فمن الممكن أن يعين الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس مبعوثا بمبادرة شخصية منه.

تحظى فكرة إنشاء منصب المبعوث الخاص بدعم واسع النطاق، بما في ذلك من جانب كريس باتن، وقد كتب رؤساء لجان الشؤون الخارجية في أستراليا، وكندا، ونيوزيلندا، والمملكة المتحدة رسالة تدعو غوتيريس إلى الاستجابة لهذه الدعوة. وينبغي له أن ينصت إليهم وبسرعة.

سيستمر الصراع بين السلطات الصينية ومواطني هونغ كونغ في التصاعد، ولهذا السبب أصبح التحرك الدولي ضرورة عاجلة، فبعد مرور واحد وثلاثين عاما على مذبحة ساحة بوابة السلام السماوي (تيانانمن)، تواجه هونغ كونغ تهديدا حقيقيا يتمثل في تحولها إلى تيانانمن الثانية، ولا يجوز للأمم المتحدة أن تنتظر إلى ألا يتبقى أي شيء يمكن القيام به سوى تنظيف الشوارع من الدماء.

* يانغ هي لي

* أستاذة علم نفس الأطفال والتربية في جامعة سونغ كيون كوان في سيئول، وشغلت سابقا منصب مقرر الأمم المتحدة الخاص لحقوق الإنسان في ميانمار ومنصب رئيس لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الطفل.

«بروجيكت سنديكيت، 2020» بالاتفاق مع «الجريدة»