نجاة الصغيرة... صوت الحب (الأخيرة)

مضت رحلة عصفورة الغناء نحو أفق من الغيوم، واحتجبت عن الأضواء بعد رحيل شقيقتها الصغرى سعاد حسني، واكتمل ألبومها الغنائي مع الموسيقار محمد عبدالوهاب بقصيدة «أسألك الرحيلا»، ودخلت آخر معاركها الفنية مع السينارست ممدوح الليثي مؤلف مسلسل «السندريلا»، ونزعت الأقنعة عن حقيقة علاقتها بالشاعر كامل الشناوي وتتابعت الأحداث...

قدمت نجاة أكثر من 200 أغنية، التقت مع ألحان عبدالوهاب في نحو 23 منها، تنوعت ما بين القصيدة والأغاني الرومانسية، كما شاركت في أهم أعماله الوطنية «وطني الأكبر»، و«الجيل الصاعد»، و«والله وعرفنا الحب»، وكان موسيقار الأجيال دائم الثناء على صوتها، وقد سُئل قبل رحيله في عام 1991 «من هو أجمل صوت بعد وفاة أم كلثوم؟»، فقال إنها «نجاة»، وسبق أن أطلق عليها «صاحبة السكون الصاخب”.

وكانت نجاة من أكثر المطربات اللواتي خصهن عبدالوهاب بألحانه، بل إنها شدت بالعديد من أغنياته الخاصة، مثل «كل ده كان ليه» و«ساعة ما بشوفك جنبي»، ومما يدل على وفاء المطربة الرقيقة لأستاذها، أنها غنت بعد رحيله بعام واحد، أغنية «يا مسافر وحدك» تأليف الشاعر حسين السيد، وكأنها تلويحة وداع لإنسان عزيز على قلبها، وسبق أن غناها محمد عبدالوهاب في فيلم «ممنوع الحب» عام 1942، وقد قال عنها: «هذه الأغنية كانت مختلفة ومتطورة إلى درجة أنني أدخلت فيها الصاجات النحاسية”.

وتقول كلمات الأغنية:

يا مسافر وحدك وفايتني

ليه تبعد عني وتشغلني؟

ودعني من غير ما تسلم

وكفاية قلبى أنا مسلم

دي عنيا دموعها بتتكلم

يا مسافر وحدك وفايتني

ليه تبعد عني وتشغلني؟

وبعد رحيل عبدالوهاب، فقدت نجاة ثلاثة من كبار الملحنين الذين تعاونت معهم، وأولهم الموسيقار بليغ حمدي في عام 1993، الذي لحن لها نحو 17 أغنية، بل إنها التقت بألحانه قبل المطربة وردة الجزائرية، وذلك في عام 1958 عندما غنت «بكاني لما خلصت دموعي» للشاعر مأمون الشناوي، وتتابعت أعمالهما مثل «الطير المسافر» و«حبك الجبار» و«حبك حياتي»، ووصف بليغ حمدي أداء نجاة بأنه السهل الممتنع.

وفي عام 1995، رحل الموسيقار محمد الموجي، وكان لقاؤهما الأول في أغنية «بتقولي بحبك من امتى» للشاعر محمد علي أحمد عام 1955، وتوالت أعمالهما الناجحة، مثل «إيه هوه ده»، و«أما براوة» للشاعر مرسي جميل عزيز، وأغنية «عيون القلب» للشاعر عبدالرحمن الأبنودي.

وتحدث الموجى عنها بقوله: «نجاة أول مطربة تصيغ لحني وتخضعه لشخصيتها، بينما جميع من غنى لي خضعوا لمحمد الموجي”.

كما التقت نجاة مع ألحان الموسيقار كمال الطويل، منذ منتصف الخمسينيات وحتى رحيله في عام 2003، وقدما العديد من الأغاني الرومانسية والوطنية، منها «غريبة منسية»، و«لو يطول البعد»، و«على البر التاني» للشاعر مرسي جميل عزيز، و«كلمني عن بكرة» و«استناني» للشاعر مأمون الشناوي، و«بلادنا حلوة» و«قلبك راح فين» للشاعر عبدالمنعم السباعي، و«الشوق والحب» للشاعر حسين السيد، وكان آخر لقاء قصيدة «لا تنتقد خجلي» للشاعرة الدكتورة سعاد الصباح.

وكان الموسيقار سيد مكاوي من أوائل الملحنين الذين شدت نجاة بألحانهم، وتباعد بينهما اللقاء، ولم يثمر سوى ثلاث أغنيات، فقدم لها لحنين من كلمات الشاعر مأمون الشناوي هما «لو بتحبني» عام 1957 وأغنية «غنى الحمام» 1982، وفي نفس العام «تفرق كتير» للشاعر عبدالوهاب محمد، وكانت حدثاً فنياً آنذاك وحققت نجاحاً كبيراً، وتقول كلماتها:

تفرق كتير... كتير كتير...

أحبك الحب الكبير...

بشكل لسه...

مالوش نظير...

أحبك الحب الكبير...

وتحبني كدة حب عادي...

زي حالة ناس كتير...

تفرق كتير يا حبيبي...

قصص الحب الجميلة

ومنذ بداية الثمانينيات، تعاونت نجاة مع جيل الملحنين الشباب وقتذاك، ومنهم الموسيقار هاني شنودة، وقدمت معه ألبوماً كاملاً من الأغنيات للشاعر عبدالرحيم منصور، منها «أنا بعشق البحر» و«بحلم معاك»، والتقت بألحان الموسيقار سامي الحفناوي في «قصص الحب الجميلة» و«أنشودة مصر» للشاعر عبدالرحمن الأبنودي، و«كل فين وفين» للشاعر سمير الطائر، ومع الموسيقار صلاح الشرنوبي «اطمن» كلمات الشاعر وليد رزيقة، وأصرت المطربة، والتي كان يبلغ عمرها آنذاك 64 عاماً، على تسجيلها بأسلوب «التراكات» الذي يعتمد على تسجيل مقاطع الأغنية ثم القيام بعمل مونتاج لها.

وكانت «اطمن» آخر الأغنيات التي قدمتها نجاة، قبل إعلان اعتزالها الفن عام 2003، رغبة منها في الحفاظ على تاريخها الفني ورافضة كل محاولات إثنائها عن ذلك القرار، وقامت بإعادة توزيع أغنية «حلوة يا بلدنا» من كلمات الشاعر الراحل عبدالرحمن الأبنودي، ومن ألحان كمال الطويل، الذي حاول إقناعهما بالعودة إلى الساحة الغنائية، ولكنها آثرت الابتعاد عن الأضواء.

وبعد نحو ربع قرن من الاعتزال، وفي مقابلة تلفزيونية معها، قالت نجاة متسائلة: «أليس من الجميل أن يجلس الفنان ويشاهد أعماله تنجح باستمرار وسط الأجيال المتنوعة؟ ماذا بعد وما الذي يمكن أن نقدمه؟ لا أقصد أن الساحة خالية من المبدعين، لكنني على قناعة بأنني بابتعادي لن أغادر المكان الذي رسمته في قلوب الناس”.

وتوالت ردود الفعل حول اعتزال نجاة، الذي أحدث صدمة في الوسط الفني، وطالبها الكثيرون بالعدول عن القرار، ومن جهته قال الكاتب يوسف القعيد: «كانت آخر مرة غنت فيها نجاة خارج الحدود عام 2002، مثلما كان الحال معها في سنواتها العشر الأخيرة، حيث شحب دورها الغنائي داخل مصر، وامتد في الخارج. يومها غنت نجاة وهي ترتدي السواد على وفاة شقيقتها سعاد حسني، ورغم أن جمهور المستمعين كان من الشباب، الذين لم يعاصروا مجد نجاة، فإن تجاوب الشباب معها فاق كل تصوُّر، وأصبح أكبر حتى من الخيال الإنساني... غنت لهم وغنوا معها في هدير جماعي يؤكد توحد الجمهور مع الفنان... الطير المسافر، حمد الله على السلامة، إلا أنت، أيظن، ومتى تعرف كم أهواك يا أملا”.

وتابع القعيد: «ربما كانت نجاة هي أول مطربة تعتزل الغناء، هذا باعتبار أن قرار شادية السابق عليها بسنوات كان مرتبطاً بارتدائها الحجاب، لذلك من الصعب القول إن اعتزال نجاة الغناء كان مرتبطاً بموقف آخر... هناك إذن فرق بين الاعتزالين، اعتزال شادية واعتزال نجاة، وهي مطربة أولاً وأخيراً، ثم ممثلة في عدد قليل من الأفلام، وهي كمطربة تميزت بأمرين أولهما دفء صوتها غير العادي، حيث كان هذا الصوت يجعل العديد من المشاعر تتداخل مع بعضها... نسيج هذا الصوت عبقري وفريد، الأمر الثاني أنها تعد من أكثر مطربات عصرنا غناء للشعر الفصيح، وهي المحاولة التي قامت بها أم كلثوم في منتصف رحلتها الغنائية”.

ومنذ عام 2003 لم تظهر المطربة نجاة على شاشة التلفزيون ولم يرها أحد في الأماكن العامة، وتردد في عام 2010 أنها لا تزال تعيش في القاهرة، لكنها تسافر أحياناً إلى لندن في الصيف لتلقي العلاج الطبي، وفي ذلك الوقت رفضت عروضاً نقدية كبيرة من قنوات تلفزيونية تريد منها المشاركة في مسلسل تلفزيوني مقترح عن أختها سعاد حسني. وفي ربيع عام 2015، أشارت بعض وسائل التواصل الاجتماعي إلى أن نجاة تتلقى العلاج وكانت هناك مخاوف بشأن صحتها.

وخلال فترة العُزلة الاختيارية التي حبذتها نجاة، كان هناك بعض التسريبات عن طريق ابن شقيقتها، محمد جلاء، بقوله: «نجاة كانت لا تذكر سيرة سعاد ولا بالخير ولا بالشر، لكن بعد موتها عملت تصرفات غريبة كده مثل الحفلة اللي طلعت فيها، بالرغم من أنها أصلاً كانت مختفية عن الأنظار، وفجأة اعتزلت وارتدت الحجاب ودخلت في قوقعة لوحدها وأصبحت أكثر تقرباً من الله وأصبحت تزور مساجد الأولياء”.

وفي ذلك الوقت، خرج تسجيل صوتي لنجاة لأغنية ‹›من سماكي›› أكد البعض أنه جديد، بينما قال آخرون إن الأغنية سبق أن قدمتها نجاة قبل الاعتزال، وهي من كلمات عبدالرحمن الأبنودي، وألحان سامي الحفناوي.

كل الكلام

وفي بداية عام 2017، قررت نجاة الصغيرة العودة إلى الساحة الفنية من خلال أغنية «كل الكلام»، من أشعار عبدالرحمن الأبنودي، وألحان طلال، وتوزيع يحيى الموجي، وقد استغرق تنفيذ العمل سنة كاملة، وقد تم تصوير الأغنية بطريقة «الفيديو كليب» من إخراج هاني لاشين.

وأحدثت الأغنية ردود أفعال واسعة عند الجمهور، إذ تخطت المشاهدات 100 ألف على موقع «يوتيوب»، إلا أن الملحن المصري حلمي بكر، كان له رأي آخر، حيث أكد أن نجاة لن تعود إلى الغناء مرة أخرى، وأن هذه الأغنية كانت لها ظروف خاصة، حيث تقاضت نجاة مليون دولار نظير تقديمها دفعها لها الموسيقار طلال، لذلك وافقت على تقديم الأغنية التي تم علاجها بأجهزة صوت حديثة في اليونان، مؤكداً أن النتيجة النهائية للأغنية ليست الصوت الحقيقي لنجاة، ولكنه نتيجة عمل الأجهزة، وأشاد بكر باللحن والكلمات.

وقال مخرج العمل هاني لاشين إن ردود الفعل تجاه العمل جيدة، كونه يخاطب العقل والأحاسيس من دون أي مؤثرات تجرح العين، ويعيد «القيثارة» إلى الموسيقى العربية بعد غياب، مؤكداً أنه ركز في رؤيته أثناء عمله على الأغنية أن تعكس الكلمات والصوت واللحن للجمهور في إطار تأملي.

ويعد هذا «الفيديو» التعاون الثالث بين لاشين ونجاة، بعد «دعاء» للموسيقار محمد عبدالوهاب، وقصيدة «أنا أنت» للموسيقار كمال الطويل، وقبل فترة طويلة تواصلت معه نجاة، وأسمعته لحن أغنية «كل الكلام» وكلماتها، وطلبت منه أن يطورها من خلال رؤية إخراجية، فتحمس للفكرة، واستغرق التصوير أربعة أشهر.

وعن ذكرياته مع «كل الكلام»، قال الموزع الموسيقي يحيى الموجي، إن مراحل العمل في الأغنية من تسجيل الصوت والألحان والوتريات تم في عدة مواقع واستديوهات متخصصة بين مصر وفرنسا واليونان، وكانت الفنانة الكبيرة نجاة تتابع كل تفاصيل ومراحل التسجيل، وكأنها تُغني للمرة الأولى.

وتتابع الصور في ألبوم ذكريات المطربة الكبيرة نجاة، وينساب صوتها الناعم الدافئ، محلقاً في فضاء من الأنغام، فتطرب له الآذان وتخضع له الروح في سكينة وهدوء، ويسري في الوجدان بشجنه ورهافته، ولا تزال «القيثارة» تشدو بكامل تألقها في الساحة الغنائية منذ أكثر من نصف قرن من الزمن، وتثبت أنه ليس من حق أحد أن يقدم لها مشورة لم تطلبها بالاعتزال أو العودة، وأنها جوهرة ثمينة كلما تقدم العمر بها، زادت ألقاً يخطف الأضواء وقلوب الملايين من عشاق فنها الراقي.

جوائز وتكريمات في مشوار نجاة

حفلت مسيرة المطربة الكبيرة نجاة بالعديد من الجوائز والتكريمات، أبرزها ما يلي:

- في الستينيات حصلت على وسام من الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر.

- تقلدت وسامين من الرئيسين التونسيين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي.

- في عام 1958، قدم لها الملك حسين ملك الأردن وسام الاستقلال من الدرجة الأولى.

- في عام 2006، بعد نحو ثلاث سنوات من اعتزالها، نالت نجاة جائزة الشاعر الإماراتي سلطان العويس، وكان عنوان الجائزة «هؤلاء أسعدوا الناس» وقدمت في دبي، وحصلت على الميدالية الذهبية ومبلغ 100 ألف دولار.