كيف تصبح معمّراً خارقاً؟

  • 19-05-2020

ما الذي يميّز المعمّر الخارق؟

يدرس د. برادفورد ديكرسون، عالم أعصاب في مستشفى ماساتشوستس العام التابع لجامعة هارفارد، وزملاؤه المعمّرون الخارقون منذ بضع سنوات. تشير النتائج التي توصلوا إليها إلى أن مواجهة تحديات عقلية جديدة تشكّل مفتاحاً أساسياً في الحفاظ على أنسجة الدماغ ووظائفه على حد سواء.

في إحدى الدراسات، قرأ الباحثون على 81 شخصاً بالغاً يتمتعون بصحة جيدة (تتراوح سن 40 منهم بين 60 و80 سنة و41 بين 18 و35 سنة) لائحة تضمّ 16 اسماً 6 مرات. وبعد 20 دقيقة، طلبوا منهم تذكّر أكبر قدر ممكن من الكلمات. صحيح أن 23 من المرضى المسنين تذكروا تسع كلمات أو أقل، إلا أن النتيجة اعتُبرت طبيعية بالنسبة إلى فئتهم العمرية. في المقابل، نجح 17 آخرون من المسنين (معمّرون خارقون) في تذكّر 14 كلمة أو أكثر، وجاءت نتيجة مماثلة لما حقّقه المشاركون الشباب.

خضع المشاركون أيضاً للتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، الذي قدّم صوراً للدماغ أثناء عمله. اكتشف الباحثون أن بعض المناطق في الدماغ يبدو أقل سماكة (إشارة إلى خسارة الخلايا) في حالة المسنين الذين سجلوا نتائج طبيعية في الاختبار، بخلاف مَن جاءت نتائجهم مماثلة لما سجله الشباب. تضطلع مناطق الدماغ المحددة هذه بوظائف كثيرة، من بينها العواطف، واللغة، والإجهاد. كذلك تُعتبر مسؤولة عن ضبط الأعضاء الداخلية وتنسيق المعطيات الحسية لتشكّل تجربة متماسكة. وكلما كانت هذه المناطق غليظة، تحسّن أداء الشخص في اختبارات الذاكرة والانتباه، كاختبار حفظ الكلمات.

صحيح أن دماغ المعمّرين الخارقين عانى خسارة أقل في الخلايا مقارنة بنظرائهم، إلا أن معدل ذكائهم ومستواهم التعليمي لم يختلفا. لكن ما يميّزهم على الأرجح نظرتهم المختلفة إلى حل المشاكل، وفق د. ديكرسون. يقول في هذا المجال: “يعتبرون هذه المهام تحديات يمكنهم النجاح فيها، بخلاف المسن العادي الذي ربما يستسلم”.

تعتقد د. ليزا باريت، وهي زميلة للدكتور ديكرسون، أن المعمّرين الخارقين يتشاطرون على الأرجح استعداداً لتحمّل الانزعاج بهدف اكتساب مهارة جديدة، كالعزف على آلة موسيقية أو تعلّم لغة جديدة. وهكذا يواصل المعمّرون الخارقون الخروج من منطقتهم المريحة ليخوضوا مجالات جديدة من التجارب.

ما الذي يميّز المعمّر الخارق جسدياً؟

على غرار المعمّرين الخارقين في مجال القدرات المعرفية، يحقّق المعمّرون الخارقون جسدياً نتائج تنافس ما يسجله أشخاص أصغر سناً بعقود، خصوصاً عند قياس قدرتهم الأوكسجينية (مقدار الأوكسجين الذي تستهلكه وتوزعه على أنسجتك في دقيقة ويُشار إليه بصفته القدرة الأوكسجينية القصوى أو VO2max). يفقد الإنسان عموماً 10 في المئة من قدرته الأوكسجينية كل عقد بعد تخطيه سن الثلاثين. يوضح الدكتور ج. أندرو تايلور، مدير مختبر البحوث القلبية الوعائية في شبكة «سبولدينغ» لإعادة التأهيل التابعة لجامعة هارفارد: «تشير بعض الدراسات إلى أن أناساً في ثمانينياتهم يمارسون تمارين عالية الحدية مدة 20 إلى 45 دقيقة يومياً يتمتعون بقدرة أوكسجينية لشخص في الثلاثين من عمره”.

يتطلّب قياس القدرة الأوكسجينية القصوى الركض على آلة مشي في منشأة طبية وأنت متصل بمعدات مراقبة. ولكن لما كانت اختبارات آلة المشي مكلفة، فلا يخضع لها مَن لا يعانون أعراض مرض قلبي وعائي. قبل بضع سنوات، طوّر باحثون نرويجيون برنامجاً إلكترونياً يستطيع توقّع القدرة الأوكسجينية القصوى استناداً إلى إجابة المريض عن أسئلة تدور حول صحته وعادات تمرّنه. اختبر الباحثون طريقتهم هذه بالطلب من 5 آلاف شخص ملء استبانة، ثم الخضوع لاختبار آلة المشي. عندما قارنوا نتائج القدرة الأوكسجينية القصوى التي حدّدتها الاستبانات مع ما سجله اختبار آلة المشي، لاحظوا أن نتائج الاستبانة قريبة جداً من نتائج اختبار آلة المشي في 60 في المئة من الحالات، علماً بأن الاستبانة تميل إلى خفض القدرة الأوكسجينية القصوى قليلاً في حالة المتطوعين الذين يتمتعون بلياقة بدنية لتبالغ في تقديرها في حالة الأقل لياقة.

منذ ابتكار هذه الاستبانة، استخدمتها مجموعات عدة من الباحثين بهدف تحديد مدى ارتباط القدرة الأوكسجينية القصوى بنتائج صحية معينة. اكتشف الباحثون عموماً أن مخاطر الأمراض القلبية الوعائية، والخرف، والموت تنخفض مع ارتفاع القدرة الأوكسجينية القصوى. واستخدم الباحثون النرويجيون بيانات دراساتهم ليطوّروا برنامج حساب يقدّر سن الإنسان البيولوجي. وإذا رغبت في استخدامه، فزر موقع worldfitnesslevel.org على الإنترنت.

في عام 2015، استخدم 4200 مشارك في دورة ألعاب المسنين الوطنية الرابعة عشرة برنامج الحساب النرويجي ليقدّروا عمرهم البيولوجي. صحيح أن متوسط عمر المشاركين الزمني كان 68 سنة، إلا أن معدل عمرهم البيولوجي بلغ 43 سنة.

ما يمكنك فعله لتصبح من المعمّرين الخارقين؟

ما زال العلماء يدرسون هذا السؤال. لكن ما يعلمونه يقيناً أن أي نشاط جسدي وعقلي عادي يخفض المخاطر الصحية، إلا أن النشاط الجسدي الحاد يزيد القدرة الأوكسجينية القصوى والنشاط العقلي الحاد يحافظ على مناطق من الدماغ معنية بالذاكرة والتحليل. صحيح أن الاقتراحات التالية ربما لا تضمن انضمامك إلى المعمّرين الخارقين، غير أنها تضعك على الدرب نحو صحة أفضل:

- أقبِلْ على التحديات العقلية: إن كنت تستمتع بالكلمات المتقاطعة، فما رأيك في التمتع بالقصائد المقفاة أو الألعاب الحسابية؟ أو حاول أن تنجز مهمة اعتدت استخدام شخص آخر للقيام بها سابقاً: كاحتساب ضرائب دخلك، أو جمع أجزاء قطعة أثاث اشتريتها منفصلةً، أو تركيب برنامج كمبيوتر جديد. كذلك تستطيع التطوع لمشروع يبدو صعباً بعض الشيء، كتعليم الطلاب الذين يحاولون إتقان العربية كلغة ثانية أو تسجيل المقترعين للانتخابات التالية. ولا تتردد أيضاً في الاستمتاع بنشاطات ترفيهية لم يتسنَّ لك الوقت للقيام بها في مطلع حياتك، مثل الانضمام إلى فرقة مسرحية، كتابة الشعر، تعلّم لغة كتابك المترجم المفضل كي تتمكن من مطالعة نسخته الأصلية، إتقان العزف على آلتك الموسيقية المفضلة، أو ابتكار تحف معقدة بواسطة فن طي الورق “الأوريغامي”.

- عزّز قدرتك على التمرن: يعتمد المقدار الذي تحتفظ به من القدرة الأوكسجينية القصوى على ثلاثة عوامل: حدة تمارينك، ومدتها، ووتيرتها. تزداد حدة التمارين مع اقترابك من بلوغ معدل نبض قلبك الأقصى، الذي يمكنك احتسابه بطرح سنك من 220. إذا كنت بدأت التمرن لتوك، فحاول أن ترفع نبض قلبك لتبلغ نصف المعدل الأقصى. أما إذا كنت تتمرن منذ فترة، فحاول أن تبلغ 60 في المئة من هذا المعدل، ثم ابذل جهدك لتحافظ على 70 في المئة من معدل نبض قلبك الأقصى (عندما تصل إلى هذه النسبة، لن يسهلك عليك التكلّم أثناء التمرّن). اسعَ إلى أن تواصل التمرّن عند هذه النسبة مدة 20 إلى 40 دقيقة ثلاثة إلى خمسة أيام في الأسبوع.

- استعد لمواجهة الاستياء: يشكّل الصبر مفتاحاً أساسياً لمواجهة التحديات. ربما تحتاج إلى أشهر أو حتى سنوات من التدرّب لتصبح محترفاً في مجال جديد، إلا أن فوائد خطوة مماثلة كبيرة.

على سبيل المثال، قد يبدو لك برنامج تحرير الصور على جهازك الكمبيوتر لغزاً يصعب حله للوهلة الأولى. ولكن عندما تتعرف إلى قوائمه وأدواته، تنجح في إنتاج تحف عالية الجودة من الصور التي تلتقطها بواسطة هاتفك الذكي. صحيح أنك قد تشعر بالتعب بعد اجتيازك بضعة شوارع سيراً على الأقدام، إلا أنك ستنجح في اجتاز كيلومتر ونصف كيلومتر تقريباً في غضون أشهر.

- لا تدع سنك تقف عائقاً في طريقك: ما دمت قادراً جسدياً على الاضطلاع بتحدِّ ما، لا تسمح للسنوات بأن تكبلك. لم تبدأ الجدة ماري روبرتسون موزيس الرسم بحماسة إلا بعد بلوغها الثامنة والسبعين من العمر. على نحو مماثل، بدأت القاضية روث بدر غينسبرغ بالتمرن مع مدرّب خاص في سن الثامنة والستين بعد تلقيها علاج سرطان القولون. ولا تزال اليوم قادرة، رغم بلوغها الرابعة والثمانين، على إنهاء برنامج تدريب منتظم لا يتجرأ معظمنا على خوضه من دون الرجوع أولاً إلى الطبيب.

- تحدَّ نفسك برفقة مجموعة: ستسهل عليك مواجهة تحديات جديدة إذا انضممت إلى مجموعة من المبتدئين الآخرين. ابحث في المراكز الاجتماعية في محيطك عن برامج ترحّب بالمسنين. ولا شك في أنك ستفاجأ مما تستطيع تحقيقه في غضون أشهر قليلة.