الجوكر: خواكين فينيكس

  • 11-02-2020

ربما ما قاله خواكين فينيكس، بعد حصده جائزة أوسكار كأفضل ممثل عن دوره في فيلم "جوكر"، من أجمل ما سمعته عن دور الفن وأهميته وقوته الحقيقية.

فعندما قال فينيكس: "أنا ممتن جداً للجميع بهذا الفوز، ولا أشعر بأنني أفضل من المرشحين الذين معي على ذات الجائزة، أو الموجودين بالحفل أو غيرهم، لأننا جميعاً نتشارك الحب ذاته، حب السينما، الذي لولاه لما كنت أعرف أين سأكون"، ورغم أنه كلام يُعد كلاسيكياً في خطابات الأوسكار، لكنه استطاع أن يلخص حالة تكاد تكون شخصية إلى حالة لها بُعدها العام، فمفهوم الحب الذي أشار إليه لم يكن مفهوما عابرا، بل استطاع أن يلخصه بكونه المخلص من آثام هذا العالم وظلمه.

وأضاف أن "أعظم هدية لي ولآخرين هنا، هي أننا نمتلك صوتا لمن لا صوت له. أفكر كثيرا في بعض المشكلات المحزنة التي نواجهها جميعا، لأسباب ورؤى مختلفة. أما بالنسبة لي، فأرى فقط القواسم المشتركة بيننا كبشر، فإذا ما كنا نتحدث عن عدم المساواة بين الجنسين أو العنصرية أو حقوق الإنسان أو الحيوان، فإنها جميعا تندرج تحت بند واحد، هو ضرورة محاربة الظلم، فليس لأي أمة أو شعب أو عرق حق السيطرة على الآخر، واستغلاله دون عقاب".

خلال هذه الكلمات استطاع فينيكس أن يلخص الكثير مما يجب أن يكون عليه الفن، كما استطاع أن يلخص قدرة الفن على توسيع مدارك الفنان للبحث عمَّا هو مشترك، لمحاربة الظلم الذي بات يسود العالم أينما كان شكله، فالفن هو أهم أدوات البشرية لفهم نفسها، وهو أهم أدواتها لمقاومة قبح الظلم والظالم، فإذا لم يستطع الفن، بأشكاله المتعددة، جعلنا نكتشف ذواتنا والآخر وما هو مشترك بيننا، فهو فن يكاد يكون خاليا من قيمته.

وهذا ما نستطيع ملاحظته، بأن أهم أدوات الظالم هي تفكيك ما هو مشترك، وبث مفهوم الفرقة الإنسانية، وهذا ما يعاكس دور الفن، وغالبا ما تكون هذه الفرقة الإنسانية عن طريق أدوات خارج إطار الفن، كأن يسلط بعض الكيانات الاجتماعية للإطاحة بمفهوم الفن وغايته، وتتمثل هذه الكيانات في المؤسسات الدينية التي تقوم بتحريم النشاطات الفنية، أو المؤسسات التجارية التي تقوم بتسطيح الفن واستغلاله لمصالحها الرأسمالية. ومن هذه الكيانات المؤسسات السياسية التي تستخدم كل الكيانات والمؤسسات السابقة وغيرها وحتى الفن نفسه دون حياء، لتحقيق مبتغاها السياسي، حتى لو كان مبتغاها لا ينسجم مع غاية الفن السامية في البحث عمَّا هو مشترك إنسانيا.

لذلك، على الفنان أن يكون واعياً بشكل كبير لدوره تجاه فنه وتجاه الآخر، الذي ربما يكون رجل الشارع العادي، أو حتى زميله الفنان، فالفرقة التي يريد فرضها الظالم، أياً كان شكله، هي كسر المشترك الإنساني الذي يقيمه الفن. ولمقاومة هذا الظالم وظلمه علينا أن نعي كلمات فينيكس عندما قال: "هنا تماما نكون في أفضل حالاتنا، ليس عندما نرفض بعضنا بعضا، بسبب أخطاء الماضي، لكن عندما نساعد بعضنا بعضا على النمو، عندما نعلِّم بعضنا بعضا، عندما نوجِّه بعضنا بعضاً".

والله من وراء القصد.