الأزمات الوجودية متشابكة برواية «النوم في حقل الكرز»

يضع الكاتب العراقي أزهر جرجيس في روايته "النوم في حقل الكرز"، المتلقي أمام واقع مثخن باحتمالات مرعبة، وما يضاعف من القيمة الأدبية لهذا النص هو عنصر اللغة المشحونة بإيحاءات بصرية. وإضافة إلى المستوى الجمالي لهذا الجانب، فإن الانفعالات النفسية يتم التعبير عنها عبر الفنون البيانية، وذلك ما يشد المتلقي إلى أجواء الرواية وسردها المنساب على إيقاع الأزمات التي تلاحق شخصياتها. وتستشف مما يضمه العمل أن الرغبة هي الدافع وراء حركة الشخصية الأساسية "سعيد"، فما يسمعه من أحد السواح حول النرويج وشحّ الرجال فيها، مع وفرة الملذات الحسية، يداعب خياله، متوقعاً أن هذا البلد يعوض خساراته المتراكمة، وبذلك يتحقق حلم الوطن البديل، غير أن الانتماء لمكان المنشأ يتجدد نتيجة عدة عوامل منها الحرب على العراق ومتابعة سعيد لوقائعها، هذا فضلاً عن الكوابيس التي تداهمه؛ إذ يتخيل وجود والده، سائلاً إياه عن قبره، وهو لا يعرف شكل ناصر مردان الذي كان ضحية لسياسة متوحشة وما سمعه على لسان الآخرين عبارة عن معلومات متضاربة فثمة من يقول إنه مات تحت التعذيب، كما وصله خبر مقتله وإطعام جسده للكلاب، وأبلغ سعيد أيضاً بأن والده قد قتل ومن ثم رمي في نهر دجلة الكتوم. هذا التفصيل بشأن مصير ناصر عدنان يوحي بمحورية قصته في مسار الرواية، إذ لا يغادر طيف الوالد مخيال سعيد، مما يعني أن هذا الموضوع يشكل عقدة بالنسبة للابن الذي يهمه البحث عن الحلقة المفقودة وسد الفراغ في برواز ينتظر الصورة.

تُورث المأساة في ظل النظام الاستبدادي، حيث يخسر فيه الإنسان مقومات كينونته، ويصل التوحش لحدٍ تُحرم فيه الضحية من حق أن يكون لها أثر يؤشر إليها، بعد تصفيتها جسدياً، الأمر الذي يزيد من قتامة الواقع وعبثية المصير، وقد لا ينجح من يكون مثقلاً بهذا الإرث الثقيل في إيجاد الحلول لأزماته الوجودية، لذا فإن بلاد الثلج التي يأمل سعيد أن تصبح وطناً بديلاً وأرض أحلامه لا تنتهي فيها هواجسه، إذ يبدأ هناك فصل آخر من المعاناة وما ينم عن شدة التأزم هو تحديد الرقم بديلا عن الاسم للشخصيات المهاجرة، ومن هنا ينفتح قوس السرد لمناقشة الأصالة والحضارة وما تعنيه الهوية والجذور، يعلن سعيد أن الأمر لم يعد مهماً طالما يوجد أمل بأن يحظى بسرير دافئ في مكان آمن، على حد قوله.

وما يجدر ذكره في هذا السياق هو الوقائع الموشومة بالمفارقات، فحياة سعيد على نقيض مع معنى اسمه، إذ ليس له نصيب من السعادة، كما أن المدينة التي ولد فيها وسميت بدار السلام لا تتوقف فيها رحى الحرب.

لذلك تسرب الخوف إلى تكوينه الشخصي، كما أن التاريخ أسبغ عليه ألقاباً عديدة (ابن الرافدين، حفيد جلجامش، ابن خالة حمورابي)، وما أورثه كل ذلك سوى الخيبات والانكسارات.

عطفاً على ما سبق ذكره يلمح الراوي المتكلم بضمير الأول إلى حشد من الهاربين من ميليشيا دينية تنكل بالمارقين والمنكوبين من الحروب الضارية والجوع والقهر، وبذلك يمرر جرجيس أسئلة ضمنية عن مفاهيم فكرية وثقافية. ومن الواضح أن "النوم في حقل الكرز" تتقاطع على هذا المستوى مع ما يسمى بروايات الأطروحة، دون أن تخسر خصائصها الأدبية.

ينهض التأمل الروائي على التساؤل والافتراض، حسب تعبير ميلان كونديرا، وقد ضفّر أزهر جرجيس نصه الروائي بأسئلة إشكالية، كما أسلفنا الإشارة إلى ذلك، ويفترض رؤية مغايرة للتواصل مع الآخر، ومن المعلوم أن المغامرات العاطفية تمثل في الرواية العربية غزوا رمزياً لبلاد الغرب، حيث يثأر الرجل بفحولته للشعوب المقهورة، وذلك يتجسد بالوضوح في رواية "موسم الهجرة إلى الشمال"، لكن الكاتب العراقي أزهر جرجيس في"النوم في حقل الكرز" خالف هذا النسق المهيمن في مرويات المنفى، إذ يصبح التواصل الجسدي بين بطله سعيد والأستاذة النرويجية تونا وجها للقاء الحضاري، كما أن إعجاب العشيقة النرويجية بقصيدة أنشودة المطر يؤشر إلى دور الثقافة في تضيق الشرخ القائم بين الهويات المختلفة.

مؤدى هذه المعطيات هو إمكانية تشكيل فكرة جديدة مطبوعة بنزعة انسانية للعلاقات العاطفية والانفتاح الحضاري، ولا تأتي الإشارة إلى قصيدة السياب اعتباطاً، بل يعبر المؤلف من خلالها عن حنين شخصيته الروائية لإرثها الثقافي والحضاري والإعجاب الشديد بالبعد الجمالي في عالم السياب الإبداعي، ويشير صاحب "صانع الحلوى" في تضاعيف عمله إلى الملحمة الجدارية لجواد، والمراد من الدفع بهذه الرموز الثقافية إلى واجهة المتن الروائي هو بناء صورة مختلفة للمكان الطارد لأبنائه، وكأن أزهر جرجيس أراد بذلك ترميم المعلم الحضاري لبلده.

ملمح آخر من الرواية يتناول ظاهرة التدين المزيف، بعد انتهاء عهد الديكتاتورية، إذ يبدو أن الواقع قد زاد رثاثة وبؤساً إثر موجة مظاهر التدين السطحي، وبينما سعيد يذهب إلى بيت خاله سماحة السيد إبراهيم فإذا به تقع عيناه على ما هو مكتوب على جدار إحدى المدارس "عمامة وسبع طويات وأربع محابس قبل السقوط بيوم زيتوني لابس"، ويُفاجأ بتحول خاله من بعثى متشدد إلى رجل دين يتبع الأحزاب الدينية.

يشار إلى أن النفس الساخر يتصاعد في المقاطع التي ترصد مظاهر بغداد بعد 2003، حيث ينقل الراوي ما يصاحب الأزمات الحياتية من الأجواء المشبعة بالقتامة، واللافت في هذا المفصل من الرواية هو تخيل الراوي لانهيار نصب الحرية؛ إذ يهمه إنقاذ الجندي، لأن الجندي إذا سقط تتهاوى الأوطان.

هنا ينسلّ صوت المؤلف وراء قناع الراوي، وعليه فإن السرد يتخذ منحى تقريرياً وتتوارد في فضائه المفردات المؤشرة إلى البعد الجغرافي لمدينة بغداد، التي كان يسودها الوئام بين مكوناتها الاجتماعية قبل غزو التدين السطحي لمناخها السياسي والثقافي، على الرغم من مراوحة بندول السرد بين عدة أمكنة، لكن بغداد تكتسب موقعاً أساسياً باعتبارها منطلقاً لحركة السرد.

وتتضايف رواية "النوم في حقل الكرز" عدة قصصٍ، بدءاً من حيثيات العلاقة التي تبدأ من خلال الشبكة العنكبوتية بين سعيد والصحافية العراقية عبير، حيث يتعرف على الأخيرة بعدما يتابع التقرير الذي نشرته عن مقبرة مكتشفة، مروراً بقصة سلام الذي يستقر به المقام في أستراليا، وصولاً إلى قصة الحب التي تنشأ بين سعيد وتونا ولا تكلل إلا بالحزن؛ لذا يقول الراوي: "كن عراقيا لتكون حزيناً"، في معارضة لعبارة درويش: "كن عراقيا لتكون شاعراً". وما يصبح حكاية الإطار للرواية هو بحث سعيد عن أثر أبيه، ولا تنتهي عودته إلى بلده إلا بصورة يلتقطها لعظام ناصر مردان ومضاعفة الحزن بعد مقتل عبير، قبل أن يتحقق حلم اللقاء.

تتفاعل الرواية مع الأسطورة، وذلك يتجلى في رغبة سعيد في دفنه إلى جانب قبر جاكوب تحت شجرة الكرز، لتحل روحه في أغضانها. يقوم خطاب الرواية على فكرة فحواها أن العراق لم يعد مكاناً مناسباً للحياة ولا للموت، في زمن التناحر والاقتتال والتسطح.