الجريدة. تكشف تفاصيل اجتماع خامنئي مع «الأعلى للأمن القومي»

في اجتماع عاصف للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، تكشف «الجريدة» تفاصيل ما دار فيه، أصر المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، أمس الأول، على ضرورة الرد على تصفية واشنطن للجنرال قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس» المسؤول عن العمليات الخارجية للحرس الثوري، وأحد مهندسي «أنشطة» طهران في المنطقة، من لبنان مروراً بسورية والعراق وصولاً إلى اليمن.

وطالب خامنئي، خلال ترؤسه للمرة الأولى اجتماعاً للمجلس، برد قوي وقاسٍ جداً ومباشر على الولايات المتحدة «يرقى إلى مستوى اغتيال سليماني» حتى لو أدى هذا الرد إلى إشعال فتيل الحرب، حسبما علمت «الجريدة»، من مصدر رفيع المستوى في المجلس الأعلى.

واستدرك المصدر بأن خامنئي، في الوقت نفسه، لم يستجب لمطالبات «الحرس الثوري» بضرورة قيام طهران برد مباشر رغم تعليل الحرس بأن التريث قد يفهم على أنه ضعف، وممكن أن يؤدي إلى استمرار الولايات المتحدة في هجماتها، مشيراً إلى أن خامنئي أمر بالتخطيط للعملية أولاً ثم بحث زمن تنفيذها في وقت لاحق، مع توصيته باستنزاف الأميركيين، عبر إبقائهم في حال استنفار أطول فترة ممكنة وتنفيذ الضربة في الوقت الذي لا يتوقعونه.

وأضاف أن خامنئي أبلغ المجتمعين أن إيران في أفضل وضع عسكري لها في المنطقة حالياً، لكن إذا استمرت الأمور على ما هي عليه فقد تخسر هذا الموقع، وأنه يعتقد أن ترامب المأزوم داخلياً لا يمكنه تحمل عودة جثث جنود أميركيين، وأن جميع الطرق الأخرى لحل الأزمة مع واشنطن وصلت إلى طريق مسدود، بينما قد يساعد دخول حرب في كسر الجمود، الأمر الذي يسمح لطهران بأن تتفاوض على تحسين شروطها في أي محادثات لوقف الحرب، بما في ذلك رفع العقوبات الاقتصادية الخانقة.

وأكد المصدر الرفيع، الذي حضر الاجتماع، أنه لأول مرة يرى خامنئي غاضباً إلى هذه الدرجة، ومصراً على رد عسكري فيه مغامرة، كاشفاً أنه جرى خلال الاجتماع عرض معلومات تفيد باحتمال تورط إسرائيل في الاغتيال، لكن المرشد أصر على عدم البحث في اتهامها وتوجيه كل التهم إلى واشنطن، وعلى هذا الأساس فإن البيان الختامي للاجتماع لم يتطرق إلى ذكر إسرائيل كشريكة في العملية.

وكانت «الجريدة» نشرت في عددها الصادر أول يناير عام 2018 أن الأجهزة الاستخباراتية الأميركية أعطت إسرائيل الضوء الأخضر لتصفية سليماني، إن استطاعت، وذلك بعد إجماع واشنطن وتل أبيب على خطورته وتهديده مصالحهما في المنطقة.

وأشار المصدر ذاته إلى أن خامنئي صدم المجتمعين بإبلاغهم تعيين الجنرال إسماعيل قآني قائداً لـ «فيلق القدس» دون استشارة أحد، خصوصاً أنه يعتبر من صقور «الحرس» وكان أقل مرشح حظاً لتسلم المنصب، حتى أن سليماني كان قد حجّم دوره بسبب مواقفه المتطرفة جداً.

وقال المصدر إن أحد الخلافات بين سليماني وقآني كانت دوماً إصرار الأخير على ضرورة الرد على الهجمات الإسرائيلية على القوات الإيرانية وحلفائها في سورية، بينما كان الأول يرى أن الأولوية لبناء وترسيخ الوجود العسكري والأمني والاجتماعي والسياسي الإيراني في سورية.

وكان الاجتماع الطارئ، الذي عقد أمس الأول، شهد جدلاً كبيراً بين قادة الحرس الثوري وحكومة الرئيس حسن روحاني، حول طبيعة الرد على «مغامرة ترامب الجريئة».

وبحسب المصدر، فقد اعتبر ممثلو الحكومة في الاجتماع أن ترامب يريد جرَّ إيران إلى معركة محدودة في العراق، للتشويش على إجراءات عزله، وللاستعداد للانتخابات الرئاسية المقبلة هذا العام، مطالبين بضرورة تفادي الوقوع في الفخ الأميركي.

وذكر المصدر أن قادة الحرس رأوا، في المقابل، أن عدم الرد بطريقة قوية وحازمة على الهجوم الأميركي سيُعد ضعفاً، وسيشجع ترامب على القيام بعمليات أخرى ربما يذهب ضحيتها شخصيات أخرى، مثل استهداف طائرة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، أو حتى الرئيس روحاني.

وكشف أنه على ضوء هذه الخلافات، رفع المرشد الجلسة إلى ما بعد صلاة الظهر، وطلب إلى ممثلي الحكومة والحرس عقد جلسات مستقلة، ثم عرض اقتراحاتهم لاتخاذ قرار بشأن طبيعة الرد الإيراني.

وحسب المصدر، فقد اقترح القادة العسكريون القيام بضربة عسكرية ضد مواقع إسرائيلية حساسة، واعتبروا أن عملية كهذه ستؤثر على موقف ترامب الداخلي وتقوي المجموعات المناهضة للوجود الأميركي في المنطقة.

في المقابل، اقترحت الحكومة أن تجري إيران مشاورات مع حلفائها في بغداد، للدفع باتجاه تبني مجلس النواب العراقي قراراً يلغي الاتفاقيات الأمنية السابقة مع الولايات المتحدة، ويطلب الخروج الكامل للأميركيين من العراق، ومحاولة إقناع المرجعية العليا بقيادة السيد علي السيستاني بإصدار فتوى تحرم الوجود الأميركي ببغداد.

ووفق المصدر، فإن الحكومة اعتبرت أن هذا الموقف سيعطي غطاء قانونياً ودينياً لأي قوى سياسية وشعبية عراقية لمقاومة الوجود الأميركي، موضحاً أن الاقتراح الحكومي يتضمن قيام طهران بحملة دبلوماسية لاستغلال تصفية سليماني على أفضل وجه والدفع باتجاه إدانة دولية للهجوم الأميركي.

وقال المصدر إن الاجتماع شهد في نهايته إقرار البيان الذي تعهد بالرد في «الوقت والزمان المناسبين»، وجرى الاتفاق على إرسال وفد إلى النجف للقاء كبار مراجع التقليد، والطلب منهم إصدار فتاوى ضد الأميركيين، والإيعاز إلى جميع السفارات الإيرانية القيام بتحرك دبلوماسي واسع لطلب إدانة العملية الأميركية.

وتم الاتفاق على أن يقوم الحرس الثوري بتقديم دعم مادي ولوجستي علانية من الآن فصاعداً لميليشيات مناهضة للأميركيين، وليس بالضرورة أن تكون شيعية، لمهاجمة القوات والمصالح الأميركية الموجودة في المنطقة.

كما تقرر إيقاف إيران لكل المفاوضات التي كانت جارية خلف الكواليس، وإلغاء اللقاء السري الذي كانت اليابان نسقته في نيويورك بين ظريف ونظيره الأميركي مايك بومبيو، إضافة إلى إلغاء جميع المفاوضات عبر الواسطات، ومفاوضات إخلاء سبيل السجناء، فضلاً عن العمل على عدم إعطاء إذن عبور لجميع الطائرات التي تحمل قادة عسكريين أميركيين إلى أفغانستان أو أي مكان آخر عبر الأجواء الإيرانية.