أوروبا بحاجة لأسلوب جديد لمواجهة أزمة البلقان

أفضى موقف الرفض الذي صدر عن الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ازاء بدء محادثات قبول ألبانيا ومقدونيا في الاتحاد الأوروبي الى تقويض استراتيجية الاتحاد الخاصة بهذا القبول.

ولم يقتصر ذلك الرفض على جعل عضوية البلدين في الاتحاد الأوروبي أكثر صعوبة فقط بل انه قلص الأمل في امكانية انضمام دول اخرى في المنطقة الى ذلك الاتحاد.

ولكن ذلك ليس بالضرورة شيئاً سيئاً، وكما قال السياسي البريطاني ونستون تشرشل ذات مرة: «يتعين على الاتحاد الأوروبي عدم تبديد أزمة جيدة».

وتوجد أسباب وجيهة كثيرة لعدم الموافقة على معارضة فرنسا لانضمام ألبانيا ومقدونيا الى الاتحاد الأوروبي، وفي حقيقة الأمر فإن الدول الأعضاء – مثل فرنسا – لا تستطيع الموافقة على دعم حكم اللجنة الأوروبية التي وجدت في وقت سابق من هذه السنة أن شروع البلدين في محادثات الانضمام الى الاتحاد يمثل أزمة حقيقية، وتشير في هذا الصدد الى عدم ثقة الحكومات في عمل اللجنة الأوروبية.

وعلى الرغم من ذلك كان الرئيس الفرنسي ماكرون محقاً في تشخيصه بأن العملية فشلت، لكن ذلك لا يعني أن الاتحاد الأوروبي الذي لا يستطيع المضي قدماً الا بموافقة جميع الدول الأعضاء يجب أن يقطع الأمل في ايجاد حل لأزمة ألبانيا ومقدونيا. وفي حقيقة الأمر فإن ذلك يعني أن على الاتحاد النظر الى هذا المأزق على شكل فرصة تهدف الى اعادة التفكير في علاقته مع دول المنطقة.

موقف الاتحاد الأوروبي

وبالنسبة الى الاتحاد الأوروبي قد تكون هذه هي اللحظة التي يستطيع فيها أخيراً التركيز على تطوير أدوات أفضل من أجل التعامل مع الجهات الأوتوقراطية في المنطقة التي لديها حوافز قليلة للتخلي عن سيطرتها غير الرسمية على المؤسسات الوطنية. وكانت اللجنة الأوروبية اعتبرت هذه مشكلة في العام الماضي ولكنها كانت خائفة بشكل كبير خلال محاولتها التعامل معها وقد اختارت بدلاً من ذلك جعل عملية التوسع أكثر تعقيداً ومضايقة كما وضعت مجموعة من العقبات في الطريق.

وكانت فرنسا زعمت أنها تسعى الى تنشيط طريقة تعامل الاتحاد الأوروبي مع محادثات الانضمام ولكن هذا الكلام يفتقر الى المصداقية نظراً لأن باريس لم تتخذ المبادرة التي تدعو الى طرح اقتراح حول كيفية القيام بالخطوات التي تفضي الى تحقيق ذلك الهدف، وبذلك فقد أصبحت هذه لحظة الاتحاد الأوروبي للمضي في هذه المهمة.

نداء الاستيقاظ

من مجريات الأمور حتى الآن يتعين أن يشكل هذا المأزق نداء استيقاظ كما يتعين على الاتحاد الأوروبي تطوير سياسة خارجية جديدة في المنطقة بحيث لا تركز فقط على عملية العضوية على حساب الدبلوماسية الجيدة.

وتجدر الاشارة الى أن الأسلوب الذي اتبعه الاتحاد الأوروبي في التعامل مع وضع غرب البلقان قد اعتمد على طرح الجزرة المتمثلة في الانضمام الى عضويته على شكل حافز رئيسي – ووحيد في البعض من الأحيان – من أجل حل النزاعات العلنية.

وفي كوسوفو وصربيا، على سبيل المثال، وحيث الحوار مع بروكسل كان مدفوعاً بوعد بأنه اذا عمدت الدولتان الى تطبيع العلاقات بينهما فإن الطريق أمامهما الى عضوية الاتحاد الأوروبي سوف يفتح بصورة تامة. ولكن هذا توقف عن العمل منذ سنوات ويرجع ذلك الى تغيرات في الحديث عن تغييرات في الحدود والشكوك المتعلقة بما اذا كانت الدول الخمس الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التي لا تعترف بكوسوفو سوف تغير رأيها في هذا الصدد.

وكان احتمال عضوية الاتحاد الأوروبي حافزاً قوياً بالنسبة الى بعض الدول، ولكنه استبعد في الوقت نفسه الاهتمام بالمشكلة ذاتها، وفي أغلب الأحيان كانت السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي تعتمد على وعد بضمان العضوية في نهاية المطاف على شكل علاج لمختلف المشاكل بدلاً من الاستثمار في وساطة مكثفة وواسعة من أجل تحقيق ذلك الهدف.

طرق العمل المشترك

ويتعين على الاتحاد الأوروبي وغرب البلقان التفكير في طرق جديدة للعمل معاً، وفي وسع الدول الست في تلك المنطقة العثور على ميادين سياسة محددة تمكنها من الاندماج في الاتحاد من دون الانضمام اليه بصورة رسمية. وفي وسع الاتحاد الأوروبي بدوره دعم هذه الجهود عن طريق الخبرة والموارد بما في ذلك المشاريع المتعلقة بالبيئة أو البنية التحتية.

ومن خلال هذه الطريقة وحتى اذا تبين أن عملية عضوية الاتحاد الأوروبي سوف تكون طويلة وبعيدة بقدر يفوق ما كان يتوقعه الكثير من المراقبين فإن المنطقة تستطيع التقدم نحو الاتحاد الأوروبي بشكل أوثق كما تستطيع الدول عند نقطة معينة أن تصبح ضمن منطقة الشنغن التي لا تتطلب طرح جوازات سفر في الانتقال، أو ضمن المنطقة الاقتصادية الأوروبية على الرغم من أن ذلك ليس واقعياً حتى الآن. وفي نهاية المطاف فإن الانضمام الى الاتحاد الأوروبي سوف يصبح عندئذ أكثر سهولة وسرعة لأن تلك الدول قد انضمت بشكل تدريجي الى بنية الاتحاد الأوروبي. التعثر الذي شهدته في الآونة الأخيرة عملية انضمام ألبانيا وشمال مقدونيا يمكن أن يمثل درساً قيماً بالنسبة الى الاصلاحيين في المنطقة والذين اعتمدوا منذ وقت طويل على دول خارجية في دعمهم، وقد غدت الرسالة من بروكسل واضحة الآن: أنتم أصبحتم وحدكم.

وربما يكون ذلك مؤلماً ومزعجاً وهو لم يكن بكل تأكيد الرسالة التي كانوا يتطلعون اليها، ولكن ذلك، على أي حال، قد يدفع أولئك الذين يسعون الى تحسين طريقة حكم بلادهم للتوجه نحو القيام بعمل ما في هذا الصدد بدلاً من انتظار مساعدة من الخارج لم ولن تقدم.

تحول المجتمع

وبالنسبة الى قضية تحول مجتمع بصورة حقيقية الى ديمقراطية راسخة تقوم على حكم القانون يتعين أن يأتي التغيير من الداخل، كما يستطيع الاتحاد الأوروبي - في أحسن الأحوال – توفير الحوافز من أجل القيام بالخطوات الضرورية في هذه الحالة. ولكن الاتحاد لا يستطيع القيام بالعمل نفسه.

وكان الرئيس الصربي ألكسندر فوشيك اضافة الى آخرين في المنطقة قاموا بخطوات نحو الاتحاد الأوروبي بشكل نظري فيما قوضوا بصورة عملية المؤسسات الديمقراطية ووسائل الاعلام المستقلة، وهذا المسار ليس في مصلحة أحد بكل تأكيد.

وتجدر الاشارة الى أن توسيع الاتحاد الأوروبي كان على الدوام أداة لتحويل الدول وكانت العضوية ذاتها أضعف من التوقعات عند تحققها، ويتعين على الاتحاد الأوروبي اعادة التفكير في الطريقة الأفضل لتحقيق أهدافه في المنطقة وذلك من خلال دعم تحول سياسي حقيقي ومستمر ومن القاعدة الى قمة الهرم.