«مناورات بهلوانية» بين واشنطن وأنقرة حول شمال سورية

  • 17-10-2019

في ظل التطورات المتسارعة بشمال سورية، تحديداً بمنطقة شرق الفرات، تتجه الأنظار إلى سلسلة اجتماعات عالية المستوى بين الأطراف الرئيسية في الصراع الجاري، لبحث مهمة شبه مستحيلة، وهي وقف الهجوم التركي المستمر منذ 8 أيام على الأكراد.

واستبق الرئيس التركي رجب طيب إردوغان استقباله نائب نظيره الأميركي مايك بنس، ووزير خارجيته مايك بومبيو، ومستشار الأمن القومي روبرت أوبراين، ومبعوث سورية جيمس جيفري، ورفض بشكل قاطع وقف عمليته العسكرية في شمال سورية، معتبرا أنه لا يمكن لأي قوة وقفها قبل تحقيق أهدافه، والخيار الوحيد لحل المشكلة سريعاً هو قيام الوحدات الكردية بإلقاء سلاحها ومعداتها وتدمير كل تحصيناتها، والانسحاب من المنطقة الآمنة المحددة من منبج حتى الحدود مع العراق.

وبعد إعلانه أنه لن يستقبل بومبيو وبنس، وسيتحدث مع الرئيس دونالد ترامب إذا قدم إلى أنقرة، تراجع إردوغان عن ذلك، مؤكدا انه سيقابل الوفد الأميركي، لكنه استبعد الموافقة على وساطة بعض القادة لإجراء أي محادثات مع الوحدات الكردية لوقف الهجوم وللتوصل الى وقف إطلاق نار.

فراغ المنطقة

وفي تصريحات قد تعقّد مهمهته في أنقرة، قال بومبيو لقناة فوكس الاميركية المحافظة إن إدروغان هو سبب الفوضى في المنطقة.

وذكر بومبيو أن الهدف من لقاء إردوغان «وجها لوجه» هو إيجاد حل للوضع في سورية، وليس الإضرار بالعلاقات، مؤكدا أن واشنطن تعمل على ضمان عدم حدوث فراغ.

وفي ظل تزيد حدة التوترات بين دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) عقب فرض واشنطن بعض العقوبات على أنقرة بسبب تدخّلها في سورية، وصف إردوغان الاتهامات الأميركية الموجهة لمصرف «خلق بنك» بالالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران، بغير القانونية والبغيضة والإهانة للشعب التركي، مشددا على أنه «سوف يضع الصيغة النهائية لإجراءاته بناء على قرارات واشنطن». وكانت واشنطن قد فرضت عقوبات على مسؤولين أتراك على خلفية الهجوم على شمال سورية.

وغرد ترامب بأنه «لا بأس إذا حصلت دمشق على دعم من موسكو»، معتبراً في السياق نفسه أن «فرض عقوبات على تركيا سيكون أفضل من القتال في المنطقة». وأكد أن واشنطن ستساعد في التفاوض على إنهاء الوضع في سورية.

وقال ترامب إن «الأكراد محميون بشكل جيد»، وأضاف «أساسا هم ليسوا ملائكة»، وأعرب عن ثقته سلامة الأسلحة النووية الأميركية في قاعدة انجرليك التركية، مشددا على ان ما يجري في شمال سورية امر خاص بتركيا وسورية، ولا علاقة للاميركيين به.

وتابع: «نحن أقوياء في الشرق الأوسط، لكن لا نريد أن نلعب دور الشرطي في العالم».

مواجهة كبرى

ووسط مخاوف من اندلاع مواجهة كبرى بين الجيش السوري والوحدات الكردية مع القوات التركية والفصائل التابعة لها، دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إردوغان لزيارته، معربا عن مخاوفه من «سعي إرهابيين إلى الفرار والتسلل إلى دول مجاورة».

وخلال محادثة هاتفية، شدد الرئيسان على «ضرورة منع وقوع مواجهة بين الجيشين السوري والتركي»، وأكدا أيضا رغبتهما في الحفاظ على وحدة سورية.

وإذ أكد احترام حق تركيا في اتخاذ إجراءات ضمان أمنها، أمل الناطق باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف أن تتناسب عمليتها مع هذه المهمة، شرط ألا تعرقل التسوية السياسية وتضر بها.

اتفاق أضنة

وفي إطار دعمه لانتشار قوات النظام على الحدود، طالب وزير الخارجية سيرغي لافروف بتعاون دمشق وأنقرة بناء على «اتفاق أضنة» الموقع في 1998، لافتا إلى أن الحوار بين حكومة الأسد والأكراد يحقق نتائج ملموسة أيضا، وموسكو مستعدة لتقديم المساعدة في ذلك.

وأكدت مستشارة الرئيس السوري بثينة شعبان أن الحليف الروسي يريد عقد اجتماع أمني سوري - تركي في سوتشي، معربة عن سعادة الحكومة بانسحاب القوات الأميركية، لكنّها لا تريد استبداله بمحتّل آخر تركي.

وشددت شعبان على أن القيادة السياسية اتخذت الإجراءات اللازمة لصد العدوان التركي، مشيرة إلى احتمال حدوث صدام بين القوات، لأن أغلبية الفصائل الموالية لأنقرة تابعة لجبهة «النصرة» و«داعش».

المعلم وبيدرسون

بدوره، أكد وزير الخارجية وليد المعلم حرمة وسيادة وسلامة ووحدة الأراضي السورية، وتصميم دمشق على التصدي للعدوان التركي بكل الوسائل المشروعة.

وخلال استقباله المبعوث الأممي غير بيدرسون والوفد المرافق له، في دمشق، أكد المعلم أن «حماية الشعب السوري هي مهمة الدولة السورية والجيش العربي السوري فقط، وأن السلوك العدواني لنظام إردوغان يُظهر بجلاء الأطماع التوسعية التركية في الأراضي السورية، وذلك وفق وكالة الأنباء السورية (سانا).

كما أكد وزير الخارجية السوري أن السلوك التركي لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة، وهو يهدد جدّيا عمل لجنة مناقشة الدستور والمسار السياسي، ويطيل من عمر الأزمة».

من جهته، قدّم بيدرسون عرضا للمعلّم حول نتائج لقاءاته واتصالاته التي أجراها خلال الفترة الماضية، وأيضاً بشأن الانطلاق بعمل لجنة مناقشة الدستور، معربا عن استعداده لبذل كل ما يطلب منه في إطار مهامه المحددة وفق قواعد وإجراءات عمل اللجنة المتفق عليها.

كما عبّر بيدرسون عن قلق الأمم المتحدة والأمين العام العميق من التطورات الأخيرة والخطيرة في الشمال والتبعات الإنسانية الجدية الناتجة عنها، داعيا إلى وقف فوري للأعمال العدائية، والابتعاد عن الأفعال التي تعرّض المدنيين للخطر وتقوض سيادة سورية ووحدتها الإقليمية على كل أراضيها، وتزعزع الاستقرار وتعرّض الجهود المبذولة على المسار السياسي للخطر.

العملية التركية

وفي ثامن أيام العملية التركية، طوّق الجيش السوري مدينة الرقة، وأقام بعض نقاط المراقبة حولها، قبل أن تسيطر على قواعد تركتها القوات الأميركية في الشمال وتسيّر دورية مشتركة مع الشرطة العسكرية الروسية في كوباني.

وقبيل انتشار الجيش السوري في المنطقة، أفاد المرصد السوري، أمس، عن عبور قوات روسية لنهر الفرات ووصولها إلى مشارف مدينة كوباني، متجهة شرقا مع الوحدات الكردية، في حين دمرت القوات الأميركية قاعدة ببلدة خراب العاشق في كوباني بعد انسحابها، الذي شمل منبج وتل أرقم بمدينة رأس العين وتل أبيض.

وبرغم تمركز المعارك بشكل خاص في رأس العين، أفاد المرصد السوري، أمس، باندلاع اشتباكات عنيفة بين القوات النظامية والكردية ضد الفصائل الموالية لتركيا شمال شرق عين عيسى، وبالقرب من الطريق الدولي، مؤكدا مقتل جنود سوريين بالمعارك واثنين في قصف مدفعي على المدينة، غداة مقتل جندي تركي في قصف مماثل بالقرب من منبج.