نقطة :إنسان سافل على طريقته..

  • 13-09-2019

عرفته رخيصاً منذ بدايات حياتي المهنية، إلا أنه مازال يفاجئني حتى اليوم بقدرته الفائقة على التنقيب والحفر للوصول إلى طبقات أعمق من الحضيض لم تستطع قدم إنسان من قبله الوصول إليها واستكشافها والمشي عليها، حيث يمكن القول إنه نيل أرمسترونغ السفالة، إن صح التشبيه.

كنا أغراراً في مرحلة جديدة علينا، خريجين من الجامعة، لكننا مستجدون على الحياة، لم تعركنا الدنيا بعد لنعرف أنواع و"مساطر" الرجال، وكنا نصدق كل متبرم صاحب شعار في ذاك الزمان، ونحسبه كالقابض عالجمر، ولم نكن نعلم أن صاحبنا السافل أعلاه كان "قابض" بالفعل، ولكن على السيرة الذاتية لمحفوظ عجب ومحجوب عبدالدايم وعبدالله بن سبأ، لتنير له معالم طريق حياته، وليتفوق بعدها على نفسه، بعد أن تجاوز معلميه الأوائل بمراحل.

فسيولوجياً يعتبر رجلاً، لكنه أبعد عن صفات الرجولة من سهيل للثقب الأسود، ولأنه كان يجيد حل الكلمات المتقاطعة في صغره فقد تجمعت لديه حصيلة لغوية لا بأس بها جعلت مَن حوله يظنونه مفكراً جاداً وصادقاً، حين يستخدمها، فيدخل مصطلحات اليسار والماركسية في الدين والفقه، ولغة السوق والرأسمالية مع الدستور ونهج المشيخة، وغيفارا مع مرزوق سعيد، فكلاهما صخرة في وجه الفرق الأخرى، المهم أن يعارض حين تلزم المعارضة، ويبرر عند اللزوم، ولا يحمر له وجه بالحالتين، فالمصلحة أولى أن تتبع، فسبق له أن باع أهله وجماعته حين كانت مصلحة شيخه وولي نعمته تستدعي ذلك، ثم عاد بعد ذلك حين تغير اتجاه الريح واندس بينهم ليحدثهم عن ظلمهم التاريخي ونسمات الحرية وقيمة المبادئ وضرورة الحفاظ على المكتسبات الدستورية، التي اكتشفها قبل أسبوعين فقط، دافعاً إياهم للتورط في صراعات غير محسوبة ولا متكافئة ولا فائدة ترجى لهم منها، لعل وعسى أن يتغير المشهد وتنقلب الأحوال لما فيه مصلحة الراعي الرسمي، واستمر على هذا النحو ينفخ الكير بكل جد واجتهاد ونَفَس عالٍ، إلى أن انطفأت نارهم وسكت مزمارهم وتفرق شملهم بفضل بركة المندسين الأحرار أمثاله، إنها لقمة العيش المغموسة بالعرق والانتهازية وهز الوسط يا ابني، والتي بفضل لذة خيراتها مازال يفكر بكيفية الوصول لقيعان أعمق تليق به وبتاريخه النضالي.