تغييب التنوع

  • 01-09-2019

أول العمود: ١١٥ ألف مخالف للإقامة في الكويت رغم حملات التفتيش والملاحقة... هل نحن نصنع مجرمين ومخالفي قوانين؟

***

من بين أكثر النتائج السلبية التي برزت بعد الغزو العراقي للبلاد فقر الاهتمام بالهوية الوطنية، ومن بين المشاهدات التي تسيدت، المشهد الاجتماعي والسياسي والذي تلخص في: تغييب تقديم صورة المجتمع الكويتي كونه وعاء هجرات بشكل رائع ونادر، وتركيز الحملات الحماسية في المناسبات الوطنية على أعمال غنائية تفتقد للفهم الواعي لطبيعة التكوين الاجتماعي الكويتي وموازين التأثير فيه وقت النشأة، ونمو موجة سطحية مبتذلة تدعو إلى تميُز فئة على أخرى بشكل ينم عن جهل بجذور تكوين المجتمع الفريد في تشكيله.

المكتبة الكويتية ليست فقيرة بالمؤلفات والدراسات، وجامعة الكويت ومؤسسات أخرى حذرت في دراسات من خطر ما يجري للهوية الوطنية الدرع الواقي للمجتمع والذي تم إخضاعه للتجربة إبان الغزو العراقي الكارثي، لكن المشكلة كانت ولاتزال في عدم قدرة مؤسسات الدولة على تنشيط الذاكرة الكويتية بما يجب على الناس فهمه عن «شخصيتهم» التي تكونت قبل اكتشاف النفط، ولاحقا بعد ولادة الدستور.

اليوم يقوم كثير من السياسيين الفشلة بجَر الحوار السياسي– الاجتماعي نحو تأييد فئة معينة وتجاهل أخرى في «أحسن الأحوال» أو مهاجمتها، ويلحقهم– بكل أسف- بعض الكُتاب ومدعي الثقافة والعلم بهذا النهج الهدام والجاهل.

من الغريب أن نتجاهل التنوع الاجتماعي الذي بَنى الكويت في أوقات العُسرة وزمن الشح، حينما بدأت الهجرات الأولى، ومن الغريب أيضاً تغييب تأثير هجرات الذهاب والعودة على كثير من الكويتيين بعد استقرار المجتمع كما حدث في الترحال إلى الهند وعدن وزنجبار لشخصيات مؤثرة اقتصادياً واجتماعياً، فهذه الحركة الاقتصادية والاجتماعية أضفت على الكويت روحاً منفتحة على الآخر، بل جعلت المجتمع والدولة لاحقا ملاذا من البطش والتنكيل لكثير من الشخصيات المشهورة.

تخيل عزيزي القارئ أن من بيننا اليوم أشخاصاً– ممن تُفتح لهم وسائل الإعلام الرسمي– يحاولون جهدهم مسح هذا التاريخ المتنوع وتوجيهه بكل غباء نحو عنصريات وزوايا ضيقة مُميتة! وتخيل أيضاً كم الإهمال الرسمي في الإمعان في التجهيل من خلال الرسائل الإعلامية، والمناهج التربوية، والتدخل السافر في الانتخابات لـ»تعيين» جهلة وساقطين لتمثيل الشعب لا يعرفون عن دستور البلاد شيئاً!

حينما شُرِع قانون الوحدة الوطنية المُغَلظ العقوبات، كانت تلك وقفة للتكفير عن ذنب الاستهتار بالمشهد السياسي والاجتماعي الكويتي، والجذور المتنوعة لسكان الكويت لسنوات مضت مع الأسف.