في كربلاء.. عازفة كمان في مباراة كرة قدم تكشف انقسامات المجتمع

كان الأحرى بالشباب العراقي أن يحتفل بفوز منتخبه الوطني لكرة القدم 1-صفر على لبنان في أول مباراة دولية رسمية يستضيفها العراق منذ سنوات في مدينة كربلاء في احتفال كان افتتاحه بالموسيقى والرقص.

غير أن هذه المناسبة حفلت بانتقادات شديدة يقول كثيرون من الشباب في المدينة إنها تبين الهوة التي تفصلهم عن المؤسسة السياسية والدينية.

وفي مراسم الافتتاح الأسبوع الماضي لبطولة اتحاد غرب آسيا لكرة القدم، وهي مسابقة لدول عربية يستضيفها العراق، عزفت لبنانية لم تكن ترتدي الحجاب ولم تكن تغطي ذراعيها النشيد الوطني العراقي على آلة الكمان.

وابتهج كثيرون من العراقيين لإقامة مثل هذه المراسم التي تصاحب عادة مسابقات كرة القدم الدولية على أرضهم بعد أن رفع الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) جزئياً العام الماضي حظراً كان مفروضاً منذ العام 1990 على استضافة العراق للمباريات الرسمية لأسباب أمنية.

سارع ديوان الوقف الشيعي، الذي يدير المواقع والممتلكات الدينية ويحظى بدعم ساسة بارزين من المحافظين، لإدانة أداء العازفة اللبنانية وقال إنه «فعل شنيع يتجاوز الحدود الشرعية ويتعدى الضوابط الأخلاقية»، ووصفه بأنه «انتهاك صارخ لقدسية كربلاء».

وفي البداية دافعت وزارة الشباب والرياضة العراقية التي نظمت المراسم عن الحدث لكنها قالت فيما بعد إن الوزارة ستنسق مع الجهات الرسمية لمنع أي مظاهر تتعارض مع قدسية كربلاء.

وبالنسبة لكثيرين من العراقيين لاسيما النساء كانت هذه الضجة تذكاراً بالنفوذ الذي لا تزال تتمتع به السلطات الإسلامية والأحزاب الإسلامية والساسة بعد سنوات الصراع والقتل الطائفي في وقت يحاول فيه العراق التعافي والانفتاح على العالم الخارجي.

وقالت طبيبة الأسنان فاطمة سعدي (25 عاماً) وهي تجلس في مقهى في كربلاء «اعتقدنا إن الحدث كان رسالة إيجابية وأن من الممكن أن تشهد كربلاء حياة أكثر عادية».

وقالت «أغلبنا رفض تعليقات السياسيين، الأرض المقدسة حيث توجد المراقد لكن خارج هذه الأماكن توجد حياة مختلفة».

ويعتبر الشيعة كربلاء أرضاً مقدسة، فهي تضم مرقد الإمام الحسين حفيد النبي محمد.

ويزور ملايين الشيعة من العراق وإيران المدينة كل عام، وتقول السلطات الدينية الشيعية إن على النساء ارتداء الحجاب في جميع أنحاء المدينة.

وقال الشيخ وائل البديري وهو من رجال الدين المحليين «لا يوجد ما يمنع إقامة مناسبة في استاد كربلاء أو النساء من الحضور»، «لكننا نختلف مع الطريقة التي ظهرت بها المرأة في الاستاد وأنها عزفت (على الكمان)، فهذا مخالف للطابع المقدس لكربلاء».

وتتباين آراء علماء الشيعة في أنواع الموسيقى التي يمكن للمسلمين الاستماع إليها، ويقول كثيرون إن العزف على آلة موسيقية في كربلاء محرم.

التطلع إلى المرجع الشيعي

قالت فاطمة سعدي التي ترتدي الحجاب لكنها لا ترتدي العباءة السوداء التي ترتديها معظم النساء في كربلاء خارج بيوتهن إن المجتمع أصبح منغلقاً منذ الاجتياح الأمريكي للعراق عام 2003 والذي أطاح بحكم صدام حسين ومنذ هيمنة الأحزاب والجماعات الإسلامية المدعومة في أغلبها من إيران على العراق.

ولجأ رئيس الوزراء السابق نوري المالكي وهو من حزب الدعوة وقيس الخزعلي وهو من القيادات السياسية الصاعدة ويرأس واحدة من الفصائل القوية شبه العسكرية إلى وسائل التواصل الاجتماعي لانتقاد المراسم.

ويأمل عراقيون متدينون لكنهم من أصحاب الفكر الليبرالي ويقولون إنهم أغلبية في المراكز الحضرية بالبلاد في رد فعل إيجابي من أكبر المراجع الشيعية في العراق آية الله العظمى علي السيستاني الذي يتمتع بنفوذ هائل لكنه لم يعلق على الأمر.

ويقول عراقيون آخرون إن الضجة التي ثارت حول المراسم في مباراة كرة القدم استُغلت في صرف الأنظار عن المشاكل الحقيقية في العراق بما في ذلك الفساد وقمع الحقوق ويحملون من في السلطة مسؤوليتها.

وقالت الناشطة المدنية ذكرى سرسم في بغداد إن السلطات الدينية والسياسيين فقدوا صلتهم بالواقع وإنهم لا يفهمون ما يريده الشارع أو طبيعة المجتمع العراقي.

لكنها أضافت أن هذا ليس موضوعاً جديداً على العراق وأنه كلما حاول العراقيون التقدم خطوة للأمام فيما يتعلق بحقوق المرأة «يحاولون إعادتنا للوراء 100 خطوة».