أهداف غامضة وراء القمة الثلاثية في اليابان

عقدت روسيا والهند والصين خلال قمة العشرين الأخيرة في مدينة أوساكا اليابانية آخر اجتماع ثلاثي لها، وفي حين لم يكن مثل هذا الاجتماع جديداً بالنسبة إلى تلك الدول فإن فكرة ذلك الاجتماع على هامش قمة العشرين بدأت في العام الماضي، كما عقدت عدة اجتماعات أخرى خلال تلك القمة في هذه السنة أيضاً وقد سرق الاجتماع الثلاثي الأخير الأضواء في هذا العام.

وقد برزت مجموعة الدول الثلاث كقوة استراتيجية لأول مرة في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، وكان ذلك بزعامة يفغيني بريماكوف للقيام بدور توازن قوى مع الدول الغربية التي شكلت في تلك الفترة تحالفاً لافتاً ومثيراً للاهتمام الى حد كبير.

وبريماكوف، وهو دبلوماسي ورجل سياسة روسي، عمل أيضاً رئيساً للوزراء في روسيا خلال الفترة من عام 1998 الى 1999 وتنسب إليه فكرة تشكيل المجموعة الثلاثية المذكورة، وقد تأسست هذه المجموعة على أساس وضع حد للعمليات التخريبية التي كانت تتم بقيادة الولايات المتحدة في مجال السياسة الخارجية إضافة إلى «تجديد العلاقات القديمة مع الهند وتعزيز روابط الصداقة الحديثة العهد مع الصين».

ولكن فكرة عقد اجتماع على مستوى القادة برزت خلال العامين الماضيين فقط، وسبق للقادة الثلاثة أن عقدوا اجتماعاً مماثلاً في الأرجنتين في قمة العشرين في العام الماضي، حيث تمحور التركيز على قمة ثلاثية تجمع بين الولايات المتحدة والهند واليابان، وعلى هامش اجتماع منظمة تعاون شنغهاي في قيرغيزستان وافق القادة على الاجتماع ثانية في أوساكا خلال قمة العشرين في تلك المدينة.

كان هذا الاجتماع هو الثالث من نوعه في هذه السنة الذي ضم قادة الدول الثلاث خلال 12 سنة، وهو يعبر عن حدود اللعبة بين تلك الدول حول تعزيز وتعضيد هذه المجموعة الاستراتيجية، وعلى الرغم من ذلك توجد جهود في الفترة الراهنة من الانتقال الجيوسياسي من أجل تجديد وإعادة بناء بعض تلك المبادرات القديمة على شكل طريقة لمواجهة النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة.

الاجتماعات الأولية

بدأت هذه الجهود في بيشكيك عندما عقد الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جين بينغ ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي اجتماعات ثنائية منفصلة على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون، وتحدثت تقارير عن تفاهم عميق شخصي بين بوتين وشي ومودي «حقق معجزات». وفي حين كان موقف روسيا والصين قوياً ضمن هذه المجموعة حصل أيضاً تحول لافت في موقف الهند هدف الى تحسين العلاقات مع روسيا والصين وذلك في أعقاب قرار الرئيس الأميركي ترامب إعلان حرب تعرفات على الهند لا سيما بعد سحب واشنطن الهند من نظام التفضيل الذي فرض بالتالي تعرفات على البضائع الهندية.

ولكن الهند ظلت شريكاً رئيساً في استراتيجية الهند الهادئة المفتوحة، وسعى مودي أيضاً إلى تحقيق شراكة استراتيجية أعمق مع الولايات المتحدة في جهد يهدف الى مواجهة القوة الصينية المتصاعدة، ولكن الحرب التجارية والتعرفات قد تلقي بظلالها السلبية على العلاقات الاستراتيجية الأوسع بين الولايات المتحدة والهند. وليس من قبيل المصادفة أن يعقد اجتماع قادة الدول الثلاث وسط هذه الصعوبات بين الهند والولايات المتحدة. وفي حين كان وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في زيارة الى الهند في شهر يونيو الماضي من أجل تخفيف التوتر في الصعوبات المتزايدة بين واشنطن ونيودلهي إضافة إلى تصريح بومبيو بأن ذلك أمكن تحقيقه بجهود مودي التي حققت ذلك الهدف، لكنه لم يغير كثيراً في الديناميكية الاستراتيجية الأوسع مع نيودلهي.

وبخلاف النسخة الثانية من القمة اليابانية التي لم تحصل على الكثير من الاهتمام، فإن اجتماع القادة الثلاثة كان يعتبر نجاحاً رئيسياً من أجل تطوير الاقتصاد والتشديد على الحاجة الى أسواقٍ حرة ومفتوحة ومعارضة أي جهود حمائية، وكل ذلك يستهدف ترامب على وجه التحديد، ومن الواضح أن الرئيسين الصيني والروسي اختارا لهذه الخطوة اللحظة المثالية عندما أصبحت نيودلهي آخر أهداف حرب العمولات والتعرفة التي فرضها الرئيس ترامب.

وشدد مودي في كلمته الافتتاحية في اجتماع القادة الثلاثة في أوساكا على أهمية ذلك الاجتماع، والتبادل بين الاقتصاد العالمي والسياسي والأمني، كما أبرز فائدة تبادل وجهات النظر في الاجتماع المبكر لوزراء خارجية الدول الثلاث في الصين خلال شهر فبراير الماضي، وقال مودي إن اجتماع وزراء الخارجية ناقش كل القضايا المهمة بما في ذلك محاربة الإرهاب وإصلاح التعددية وتغير المناخ والتعاون في ظل اجتماع القادة الثلاثة.

من جهته يقال إن الرئيس الصيني قد شدد على أهمية الدول الثلاث في سياق التعددية، كما حث القادة في روسيا والهند على الاضطلاع بالمسؤولية العالمية في الدفاع عن مصالحهم القومية في الانطلاق نحو نظامٍ عالمي متعدد الأطراف، وقد مضى الرئيس الصيني الى حد إضافة القول «إن زيادة الحمائية والعزلة قد أثرتا بشدة على الاستقرار العالمي والنمو الاقتصادي إضافة الى الاقتصادات الصاعدة». ومن الواضح أن الرئيس الصيني كان يحاول الهيمنة بقدرْ أكبر وسط الحرب التجارية المستمرة بين الولايات المتحدة والصين.

وليس من الواضح كيف سيتمكن مودي من تجاوز قضية التعرفة، وقد لا تحصل نيودلهي على الكثير من الغوث والعون من خلال العمل مع القوة الثلاثية في معالجة هذه القضية، وفي حين يعلم مودي أهمية الرئيسين الصيني والروسي وهي خطوة تعمل لمصلحتهما في مواجهة الصعوبات مع الولايات المتحدة فإن واشنطن يجب أن تؤدي أيضاً ورقتها بحذر شديد، وعدم ترك نيودلهي تسقط في حضن بكين.

ويجب أن تضمن الولايات المتحدة والهند أن تجارتهما الحالية وقضايا التعرفة لا تفضيان إلى خلافات استراتيجية خطيرة، وليس في وسع الدولتين تحمل تجاهل الحقائق الجيوسياسية الصاعدة التي حرّكت ودفعت القوة الصينية المتنامية، وحتى الآن تمكنت الولايات المتحدة والهند من الحفاظ بشكل أو بآخر على زخم العلاقات وكانت مفيدة للجانبين، ولكن من المبكر جداً القول إن الحسابات قد بدأت تتغير.

راجيسواري بيلاي راجاغوبالان